سأبدأ من رقبتك

سأبدأ من أعلى رقبتك. سأحتضنك من الخلف وأقبّل رقبتك ببطء كأننا ننتظر المطر في الصيف. يداي تمرّان بخفة وهدوء على منتصف صدرك بين النهديْن. أحبّ يديك وأنت تمسّدين بهما شعر رأسي. سألتصق بك أكثر. ستشعرين بحرّ جسدي الذي يحاول أن يلوي نفسه وفق تقعرات ظهرك وعجيزتك الحلوة. الشهوة حارّة، كأننا خارجان للتوّ من حلم ماجن. جسدي كالمرجل، وجسدك كالنصوص المحرمة التي سقطت عن طاولة الحياة. أشعر بحلمتيك تنتصبان وتشتدّان، فألحسهما كما تحبين. أنا وأنت واحد، نختبئ تحت جنح الرغبة، أطرافنا متشابكة مثل فوضى الشّبك عند الميناء. أغرف جسدك بيدي المشتعلة. أريد أن أشعر بأنه ملكي، طيّع لي مثل سيجارة أمتصّها. رائحتك مغرية كالعادة، رطوبتك شهيّة عبقة. أسبح في ثناياك الصغيرة. الرحلة بين نهديْك وحديقتك المُثمرة مثل السفر إلى بابل: مليئة باللغات. انتصابي مريب وأنت راكعة تستقبلينه كما تحبّين. وتيرتنا مثل اشتعال أرجيلة فتيّة. النار فيها فقاعات ضاجّة وجسدك يئنّ تحت وطأة حركتي المكوكية. تقولين كلامًا بذيئًا أحبّه، وأنا أستبطئ النهاية، فأتروّى. الجنس معك دافئ مثل بيت حميميّ في الشتاء ممتلئ برائحة الحساء. جسدك بيتي الحميم. أحبك لأنك بحجم رغبتي وخيالاتي، وأحبك لأنك صديقتي الأفضل والأقرب. أنتِ لي، وجسدك الذي يستقبل حممي الآن أكبر دليل على...

باب الشمس: كلّ هذه الرومانسية

هكذا تكون العودة إذًا، بخيام جديدة. خيام هي النقيض من الخيام التي اعتادها الفلسطينيون. هذه المرة هم الذين نصبوها وتمسّكوا بها. ليست خيام “الأونروا” وليست خيامًا على طراز “بيروت خيمتنا”. فلسطين خيمتنا (وشكرًا لبيروت). نتمسّك بها ونتشبّث كأنّ الروح تطلع منها وكأنّ الروح تعود إليها. منذ مبادرة “باب الشمس” و”الكرامة” ارتفع منسوب الرّومانسية في الحَراك الفلسطينيّ. النقاشات والكتابات والستاتوسات، كلها رومانسية وضاجّة بالفرح. كأننا ننتقم من خيامنا السابقة، نقتلها على مذبح الخيام الجديدة. نيّفٌ من الصبايا والشباب يضربون جذورًا من حبّ في جسد فلسطين المُنهَك من الجذور. مُنهك من جذور حبيبة انقلعت ومن جذور حديدية باردة تُغرس فيها بالقوة. المسافر بين الحديد البارد في جسد فلسطين يمرّ على أسطح القرميد في المستوطنات ويبرد مثلها. يشدّ الكنزة على جسده المتشنّج. تنزل من “شارع 6” وتبدأ المسير نحو رام الله عبر بير زيت. المستوطنة “حلميش” تجسّد الخيمة البغيضة بلسانها الشائك الممدود إليك في الطريق إلى العاصمة غير المُتوّجة. تسير بين أكوام المستوطنين وتزكم أنفك رائحة الغربة والنفور. فلسطين كريهة حين تمرّ بين الحديد البارد المنغرس في تربتها الزيتونية. على عكس رائحة “باب الشمس”. من أين جئتم يا أحباء؟ هل كنا بحاجة إلى سنوات طويلة من الضياع والذلّ والتسليم والركض وراء لا شيء كي تقرّروا أنّ المشكلة فينا بالأساس؟ لم تكن ضيعة “باب الشمس” لتُولد بهذه الرومانسية لو لم يكن الوضع مخزيًا إلى هذه الدرجة. درسٌ في الزراعة: قطعة أرض عطشى، معول وطورية، بضع خيام رخيصة، هتافات عنيدة. هذا كلّ ما تحتاجه كي تغرس زغرودة في فمٍ فلسطينيٍّ عطب. نعم، وشهرين من الشمس الدافئة. أرأيتم؟ كلّ هذه الرومانسية الجديدة لم تكن لولا كلّ هذا الخراب. 2 صبيتان في مركز الصورة. واحدة تُحمَل كي تُطرَد والثانية تصرخ كي تبقى. امرأتان فلسطينيتان لا تعترفان...

جوليانو لا ثانيَ له

الجمهور الكريم، عائلة جوليانو وأصدقاءه؛ في الرابع من نيسان من العام الماضي انكسر جوليانو فينا، لكنّ صورته لم تهتزّ. على العكس: زادت بهاءً وجمالاً ووضوحًا. صحيح أنهم قتلوه، لكنهم خلّدوه أيضًا. اجتماعنا اليوم هنا بفضله، تمامًا مثلما كنا نجتمع في المسرح والسينما والميادين، بفضله ومعه. هذا انتقام صغير ربما، ما يشبه أضعف الإيمان، أن نقف اليوم ونقول لهم: جوليانو معنا. لكنّنا نفتقد جوليانو. في زمن عزّ فيه الوضوح وعزّ فيه العناد والتضحية، نفتقد ابن صليبا وآرنا، المناضليْن الكبيريْن، ونرثي حالنا. كيف يمكن أن يُقتل فنان كبير مثل جوليانو مير-خميس ولا تهتزّ الدنيا؟ كيف يمكن أن يظلّ القاتل طليقًا حُرًا عِربيدًا، فيختنق العدل وتموت قصائد الحياة؟ القاتل لم يقتل جوليانو بطلقات المُسدّس الجبان مرة واحدة، بل هو يقتل جوليانو كلّ يوم. في كلّ يوم يمضي والصّمت يملأ الجريمة يتلقى جوليانو رصاصاته الخائنة ونزداد نحن حزنًا. لكنّ جوليانو لم يكن ليرضى لنا باليأس؛ هذا الجميل المندفع أبدًا كيف يرضى باليأس لنا، وله ولمسرحه ومسرحنا؟ نبحث في زوايا الذاكرة عنه، لكنّ الذاكرة كلها له. حضوره طاغٍ حتى في غيابه، غيابه طاغٍ مثل حضوره. كم جوليانو لدينا وكم جوليانو صنعنا؟ ليس الكثير للأسف. شعبنا يزخر بالمناضلين والفنانين ومُحبّي الحياة والعمل، لكنّ تفاني جوليانو ما يزال يضعنا أمام التحدّي الأكبر. تحدّي الذوبان الأكبر في الفكرة والعمل سوية. الفكرة والعمل هما جوليانو. هذان الجّناحان حملاه بعيدًا ليطير فوق المستحيل ويسخر منه. كان يفكّر بعمق المُتأني ويعمل بعجالة الجائع للحرّية. هذا هو التحدّي الصّعب الذي وضعه جوليانو لنا: كيف يتحوّل صدى الرّصاص الغادر إلى موسيقى للحياة. لم يكن جوليانو يحب الكلمات الكبيرة، خصوصًا وهو ينحت الصخر في مخيم جنين، لكنه بطل نادر، شخصية دراميّة شكسبيرية مضت نحو حتفها بإيمان عميق بأنّ هذا هو قدرها المحتم. حمل...

السَّفر

  (1) أن تحمل مِتاعَكَ القليل، وحاجيات زادِكِ الجسديّ والروحيّ، وأن تخرجَ من حيِّزكَ المُسيَّج بعمارةٍ عصريةٍ باطونيةٍ؛ أن تنزلَ الدرجَ أو أن تنزلَ بالمصعدِ، أن “تفحصَ” البريدَ عندَ المدخل وتشتمَ فواتيرَ الدّفع كما تفعلُ دائمًا، ثم أن تخرجَ إلى هواءِ هذا الشتاءِ المُمْحِل الباردِ، وأن تشدَّ من إِزارِ مِعطفكَ؛ وأن تسيرَ في الشارع المليءِ بالناس المتدافعين بتحرَّجٍ على الرَّصيفِ، وأن تمشيَ على مَهَلٍ، تسحبُ أنفاسًا من سيجارةِ اليوم الأولى، وأن تصلَ إلى محطةِ القطار؛ وأن تبتسمَ للحارس عندَ المدخل كي يقتنعَ بأنك عربيٌ جيدٌ رغمَ كلِّ شيءٍ، وأن تُخرجَ هويّتكَ، كما تفعلُ دائمًا إذ يطلبُها، رغمَ كلِّ شيءِ؛ وأن تقفَ في الطابورِ الصغيرِ أمامَ كُشكِ القهوةِ و”البوريكس” و”الكْرُوسُون” وتطلبَ “كافيه أوليه” وكروسون شوكولاطة، رغم تنبيهاتِها العنيدةِ بصَددِ كرشِكَ العنيدةِ؛ وأن تتصفّحَ جريدةَ القطار المَجّانية وتجسَّ نبضَ شعبَ إسرائيل هذا الصباحَ في عناوينَ وصورٍ سريعةٍ؛ أن تتزاحمَ مع المتزاحمين عندَ مدخل إحدى المقطوراتِ وتبدأَ بمدِّ رقبتِكَ صوبَ الداخل كي تتأكّدَ من خُلوّ مقاعدِ المقطورة التي تودُّ التوجُّهَ إليها؛ وأن تحتارَ، كما في كُلِّ مرةٍ، ومن جديدٍ: أتجلسُ في الطابق الأول من المقطورة أم في الطابق الثاني، وريثما تقرّرُ تسبقكَ جحافلُ الجُلاّس الداهمين، فتضطرُ إلى الاندحاش إلى جانبِ جُنديٍّ يتكئُ على بندقيّتِه، ومقابلك جنديان يتكئان على بُندقيتيْهما، وفي الكراسي المُحاذيةِ لكَ جنودٌ يتكئُون على بنادِقِهم، وفي الأمامِ والخلفِ جُنودٌ يتكئون على بنادِقِهم، ومن فوق ومن تحت جنود يتكئون على بنادقهم، وأنتَ تتكئ على حاسوبك النقال وعلى أغنية شاردة في أذنيك وحدَكَ، وتعملُ بما أوتيت من هِمّةٍ صباحيةٍ حتى تستسلمَ للأمرِ الوحيدِ اللذيذِ في السَّفر، أيِّ سفرٍ: السَّرَحان. (2) “رجلٌ مُنسَرحٌ: مُتجرّد؛ وقيل: قليل الثياب، خفيف فيها، وهو الخارج من ثيابه. والتسريح: إرسالك رسولاً في حاجة. وسرّحتَ فلانًا إلى موضع كذا إذا...

رصاصة

العزيزة فلنتينا؛ برصاصةٍ واحدةٍ، تحولت الى مفرد بصيغة الجمع. فالذي أطلق عليك الرصاص كان ينوي قتل الجميع، ولكنه أصابك أنت؛ والذين أرادوا تعطيل الحناجر أرادوا إسكات الجميع، ولكنك أنت من صرختِ. رصاصة في ذراعك. رصاصة في ذراعك الأيسر الذي درّبَ أطفالاً أحبوك، ليصيروا ممثلين صغارًا، أو على الأقل، محبين للتمثيل… الرصاصة التي أصابتك كانت موجهةً ضدنا، وضد كل من كان هناك. وهذه لن تكون الرصاصة الأخيرة. كقول الشاعر أمل دنقل: “إن سهمًا أتاني من الخلفْ سوف يجيئك من ألف خلفْ” لا أريد التشاؤم زيادةً عن اللزوم، ولكن يبدو أن الرصاصات الآتية، آتيةٌ لا ريب! اليد هي لسان الجسد. إذا تعطلت تعطل، وإذا كبتْ كبا. فكم بالحريّ عند الذين يدهم لسان جسدهم ولسان روحهم ولسان قدراتهم… كيف الوقوف على المسرح واليد ليست طيّعةً بعد؟ هل، إلى أن يأتي الشفاء، هل عليكِ أن تنظري الى الخشبة من مواقع المتفرجين؟ المتفرجون هم أحباب المسرح، ولكن في حالتك، أن تكوني متفرجةً يعني أن نكون جميعًا غارقين في عجزنا. ننظر ونصمت. نسأل عن أخبارك وندير وجهنا حرجًا. فكيف العزاء وكيف تُقال الكلمات من دون أن تنكص العين نظرها، باحثةً عن حفرةٍ تدفن فيها النظر؟ فلنتينا؛ معذرةً ما إذا انشغلنا بمشاغلنا، ولم نكن معك كما يجب. فأنت تعرفين أكثر منّا كم نحب بعضنا البعض، ولكنك تعرفين أكثر كم نكره هذه الدنيا. وبين هذا الحب وتلك الكراهية، نُراوح بين الصمود في الفراغ وبين التقهقر في العدم. من يسمعني يعتقد أنني أرثي أحدًا ما. وهذا غير صحيح أبدًا. أنا أمتدح وجعك الذي يصر على أن نتعلم منه الآن. ولكنني، وأنا أحضّر هذه العجالة لأقرأها الآن، فكرت في لو أنني أنا أيضًا تلقيت رصاصة في ذراعي. فماذا سأفعل بين الحيطان؟ كيف سأكتب روحي نُتفًا على شاشة حاسوبي؟ للحظةٍ،...

الخجل

جذبتني “أ” من يدي وأخذتني إلى خلف ساحة المدرسة القصيّة، وقالت لي من دون أن تتلعثم: “تعال نلعب عروس وعريس”. كانت سنواتي الحادية عشرة كفيلةً بأن تجعلني أفهم ما تعنيه جملة “عريس وعروس”، إلا أنني لم أحرّك ساكنًا. فقد صدمتني صراحتها ومباشرتها وأعتقد أنني تفاجأتُ وقتها من معرفتها بحيلة “العروس والعريس” مع أنها لم تُتم العاشرة بعد. كانت لعبة “العروس والعريس” هي أول مداخلنا نحو اكتشاف أجسادنا، وأجساد غيرنا من الصديقات والأصدقاء؛ وما زلنا جميعًا نلعب هذه اللعبة حتى اليوم، آملين في أن نصل في أحد الأيام إلى المفتاح السري الخاص بجسدنا وبجسد من يلعب معنا هذه اللعبة. نظرتُ إلى “أ” بتوجس ثم بدأتُ أتعرّق. أذهلتني في وقاحتها وجرأتها حين سألت مرةً أخرى بلهجة فيها من الحدة ما ينبؤ بسماجة الموقف: “بدك ولا ما بدك؟” لم أستطع حتى تحريك رأسي موافقةً، ولو في إشارة بسيطة. “طبعًا بدي”، كنتُ أرغبُ في الصراخ عليها، ولكنني لم أفعل. اقتربت مني ووضعت يدها على رأسي. كانت رأسي متعرقةً وحارةً ولم أكد أحسّ بلمسة يدها. سألتني بجدية: “راسك بوجعك؟” لم أجبها وانعقد لساني. نظرتُ إلى أسفل الساحة القصية نحو الشارع الرئيسي الممتد خارجًا من القرية نحو الحدود اللبنانية القريبة. بعد أن يئست مني استدارت وذهبت وظللتُ وحيدًا أحاول السيطرة على الدموع التي بدأت بالانهمار من عينيّ بغزارةٍ، من دون أية سيطرة مني. يبدو أن منسوب الرجولة في سنيَّ الحادية عشرة لم يرضَ بمثل هذه الإهانة. وظللتُ وحدي في الساحة القصية البعيدة حتى غربت الشمس وتفرق أصدقائي إلى بيوتهم، فذهبت إلى البيت ونمتُ باكرًا على غير عادتي في تلك الليلة. قبل حوالي السنة رأيتُ “أ” في الباحة الكبيرة التي تغصّ بالعرب عادةً، في جامعة حيفا. كانت تقف مع فتاة أخرى من قريتي، وبدت لي في...