(1)

أن تحمل مِتاعَكَ القليل، وحاجيات زادِكِ الجسديّ والروحيّ، وأن تخرجَ من حيِّزكَ المُسيَّج بعمارةٍ عصريةٍ باطونيةٍ؛ أن تنزلَ الدرجَ أو أن تنزلَ بالمصعدِ، أن “تفحصَ” البريدَ عندَ المدخل وتشتمَ فواتيرَ الدّفع كما تفعلُ دائمًا، ثم أن تخرجَ إلى هواءِ هذا الشتاءِ المُمْحِل الباردِ، وأن تشدَّ من إِزارِ مِعطفكَ؛ وأن تسيرَ في الشارع المليءِ بالناس المتدافعين بتحرَّجٍ على الرَّصيفِ، وأن تمشيَ على مَهَلٍ، تسحبُ أنفاسًا من سيجارةِ اليوم الأولى، وأن تصلَ إلى محطةِ القطار؛ وأن تبتسمَ للحارس عندَ المدخل كي يقتنعَ بأنك عربيٌ جيدٌ رغمَ كلِّ شيءٍ، وأن تُخرجَ هويّتكَ، كما تفعلُ دائمًا إذ يطلبُها، رغمَ كلِّ شيءِ؛ وأن تقفَ في الطابورِ الصغيرِ أمامَ كُشكِ القهوةِ و”البوريكس” و”الكْرُوسُون” وتطلبَ “كافيه أوليه” وكروسون شوكولاطة، رغم تنبيهاتِها العنيدةِ بصَددِ كرشِكَ العنيدةِ؛ وأن تتصفّحَ جريدةَ القطار المَجّانية وتجسَّ نبضَ شعبَ إسرائيل هذا الصباحَ في عناوينَ وصورٍ سريعةٍ؛ أن تتزاحمَ مع المتزاحمين عندَ مدخل إحدى المقطوراتِ وتبدأَ بمدِّ رقبتِكَ صوبَ الداخل كي تتأكّدَ من خُلوّ مقاعدِ المقطورة التي تودُّ التوجُّهَ إليها؛ وأن تحتارَ، كما في كُلِّ مرةٍ، ومن جديدٍ: أتجلسُ في الطابق الأول من المقطورة أم في الطابق الثاني، وريثما تقرّرُ تسبقكَ جحافلُ الجُلاّس الداهمين، فتضطرُ إلى الاندحاش إلى جانبِ جُنديٍّ يتكئُ على بندقيّتِه، ومقابلك جنديان يتكئان على بُندقيتيْهما، وفي الكراسي المُحاذيةِ لكَ جنودٌ يتكئُون على بنادِقِهم، وفي الأمامِ والخلفِ جُنودٌ يتكئون على بنادِقِهم، ومن فوق ومن تحت جنود يتكئون على بنادقهم، وأنتَ تتكئ على حاسوبك النقال وعلى أغنية شاردة في أذنيك وحدَكَ، وتعملُ بما أوتيت من هِمّةٍ صباحيةٍ حتى تستسلمَ للأمرِ الوحيدِ اللذيذِ في السَّفر، أيِّ سفرٍ: السَّرَحان.

(2)

“رجلٌ مُنسَرحٌ: مُتجرّد؛ وقيل: قليل الثياب، خفيف فيها، وهو الخارج من ثيابه. والتسريح: إرسالك رسولاً في حاجة. وسرّحتَ فلانًا إلى موضع كذا إذا أرسلته. وتسريح المرأة: تطليقها. وتسريح الشعر: إرساله قبل المشط. والمَسرح، بفتح الميم: المرعى الذي تسرح فيه الدواب للرعي. والسِّرحان: الذئب.”

(3)

فأنتَ حين تستسلمُ لرعشات التعبِ والنعاسِ في أطرافِ الجّسدِ المُثقل بملابِسِه وحقائِبِه وتعبِ نهاراتِهِ ولياليهِ، تسمحُ لنفسِكَ بأن تفقدَ السيطرةَ على أحاسيسِكَ وأفكارِكَ وهواجسِكَ، فتصيرُ طيّعًا كالمعجونةِ في يدِ خيالاتِكَ. تأخذُكَ “السَّرْحَة” إلى “لخّةٍ” لا تعترفُ بأيةِ حُدودٍ؛ يصيرُ العقلُ فوضًى عارمة من التداخلاتِ والتقاطعاتِ بعدَ أن كان أرشيفًا مرتبًا وناجعًا يُعينكَ على استلال أية فكرة أو ذكرى تُعينكَ على مشاقِّ التأليفِ (على جميع أشكاله: الأدب، الكذب، التحدث، البكاء، الضحك…). أنتَ حين تسرحُ تصبحُ إنسانًا حُرًا. لا واقعَ يشُدُّكَ إلى مهامّه التي لا تنتهي، ولا وازعَ يسحبُكَ من يدِكَ سَحبًا ويدقُّ بقبضتِهِ على خزّان وَعيكَ. الحريةُ التي في السَّرحانِ هي “شطحة” خلابة نادرة. “تشطحُ” فلا تعودُ إلا كي تمتلئَ من جديدٍ. ما الحياةُ لولا هذه الشطحاتِ، ولولا السّفر (المُتعِب والمُنهِك بالأساس، ولكن، ورغم ذلك…) الذي يمنح المرءَ شرعية الاسترخاءِ في مِقعدٍ والاستسلامَ لأسمى فعل يمكن أن يفعله المرءُ وهو سارحٌ أو سِرحانٌ أو شاطحٌ أو شطحانٌ: التأمُّل.

(4)

(“التَّأَمُّلُ: التَّثَبُّت. وتأَمَّلتُ الشيءَ أَي نظرتُ إِليه مُستثْبِتاً له. وتَأَمّل الرجلُ: تَثَبَّت في الأَمر والنظر.)

(5)

لا تسافروا في الحرب. لا تتكئوا على أساطير الانتصار التي تملأ عناوين الصحف، وتُدمي القلب النائم على وقع المقاومين. لا تصطبحوا بأحد يمكن أن يذكركم بهبوب القنابل وهبوب الرصاص وهبوب المضادات الإعلامية؛ لا تتكئوا على أفق يتدبل وفق سرعة القطار، ولا تتكئوا على ذاكرة لا تتذكر ما كان من المفترض أن تنساه في الصباح، فلا هي نسّاءة ولا هي ذكّارة؛ لا تتكئوا على شباك قطار ينهب الأرض نهبًا، كما نهبها بناته من قبل ولا تتحيّنوا فرصة كي تبحثوا عن كرسيّ وسط زحام الكراهية. لا تسافروا في الحرب لأنّ الحرب في السّفر توقظ قصص الجدّ عن سفر باتجاه واحد؛ فالحرب في السفر مثل السفر في الحرب، رحلة باتجاه واحد؛ لا تتأمّلوا خيرًا ولا تتأمّلوا فكرة ولا تتأملوا خاطرة، فالطبول رقصة للبلادة وللهروب، والهروب مثل التأمّل، ولكن ينقصه الضجر.

(6)

فإذا تأمّلتَ وطالَ تأمُلكَ، أخذتَ زمامَ سرحانِكَ نحو السَّعي إلى الفهم والتثبّتِ، حيثُ أنَّ فعلَ التأمُل مُرافقٌ للتثبُّتِ، فلا مُفرِّق بينهما، وإذ بكَ في عِزِّ تَرحالِكَ واضطرابِكَ الجسديِّ والمكانيِّ والزمانيِّ، تسعى للتثبّت والتأمل، من حيث لا تدري. فإذا تحقق التأمُل والتثبتُ صرتَ قريبًا من البيانِ والتبيينِ.

(7)

“البين في كلام العرب جاء على وجهيْن: يكون البينُ الفرقة، ويكون الوصلَ، بأن يبين بينًا وبيْنونة، وهو من الأضداد. والمُباينة: المفارقة. وتباين القوم: تهاجروا. وغُراب البين: هو الأبقع. وقال أبو الغوث: غراب البين هو الأحمر المنقار والرجلين، فأما الأسود فإنه الحاتمُ لأنه يَحتِمُ بالفراق. البين: البعاد والفراق. وبانت المرأة عن الرجل، وهي بائنٌ: انفصلت عنه بطلاق. وبانت هي، إذا تزوّجت، وكأنه من البئر البعيدة أي بعُدت عن بيت أبيها. والبَيان: ما بُيِّن به الشيء من الدلالة وغيرها. وبان الشيءُ بيانًا: اتضح، فهو بيِّنٌ، والجمع أبيناء، وكذلك أبان الشيء فهو مُبين. واستبان الشيء: ظهر. واستبنته أنا: عرفته. وتبيّن الشيء: ظهر. والتِّبيان: مصدر. ويُقال استبنت الشيء إذا تأملته حتى تبيّن لك. قال الكسائي وغيره التبيين: التثبت في الأمر والتأني فيه. والبيان: الفصاحة واللَّسَن، وكلامٌ بيِّنٌ فصيح. والبيان: الإفصاح مع ذكاء. والبيِّن من الرجال: الفصيح.”

(8)

فأنتَ حينَ تسافرُ تضعُ حياتكَ في كفِّ السائقِ (سائق القطار وسائق الحافلة وسائق التاكسي وسائق السيارة) وفي كفِّ جميع السائقين الآخرين الذين يتقاسمُون الطريق مع سائقِكَ، أو تتقاطعُ طرُقُهُم مع طريقهِ، وتجدُ أنَّ عودَتكَ من السَّفر، أيِّ سفر، هي أعجوبةٌ بحدِّ ذاتِها، إذا أنكَ نجوْتَ من الاصطدامِ بأكثر من عشرةِ آلافِ سيارةٍ أو حافلةٍ أو تاكسي أو قطار، وأنتَ حتى لم تتبيّن هذه الأعجوبةَ، فلا عجبَ إذًا أنك لا تصيرُ بيّنًا، لأنكَ لم تتعلم حكمة العيش في السّفرِ.

(9)

مَن منا تعلم حكمة السفر؟ مَن منا تحصَّن من أهوال السّفر؟

(كُتب هذا النص لمجلة “زوايا”)