إيليا سليمان… الفيلم الذي يُخيف إسرائيل

 كي تعرض فيلماً في إسرائيل، يجب أن يصدّق عليه «مجلس مراقبة الأفلام». لكن الرقابة والمنع الأساسيين يأتيان من الموزعين ودور العرض التجارية الإسرائيلية. هم يمارسون رقابة ذاتية سياسية، تلغي كلّ ما لا يستوي مع قيم إسرائيل الصهيونية، وهذا ما نسمّيه «تعاظم الفاشية في إسرائيل»…. وآخر ضحاياها إيليا سليمان وفيلمه «الزمن الباقي». يصعب طبعاً أن نجد منتجين يملكون الشجاعة للحديث عمّا يدور اليوم، في مناخ الحقد المتصاعد الذي يؤثر في جميع المناحي الحياتية. لكن المنتج الإسرائيلي آفي كلاينبرغر الذي عمل منتجاً مساعداً لفيلم «الزمن الباقي»، يملك تلك الشجاعة. كلاينبرغر يعيش آثار «الفاشية المتعاظمة» بنفسه، وفق ما يقول لـ«الأخبار». إذ يرى «الزمن الباقي» مُقصىً عن الصالات في إسرائيل، ولم تعرضه حتى الآن إلا أربع صالات فنّ وتجربة (سينماتيك)، أبرزها «سينماتيك تل أبيب». كلاينبرغر يقول إنّ الموزعين ودور العرض يتذرّعون بحجج تجارية واهية، مثل عدم قدرة الفيلم على تحقيق الإقبال الجماهيري. «أنتظر نجاح الفيلم تجارياً في «سينماتيك تل أبيب»، عندها سنرى ما سيقولون». يروي الشريط قصة عائلة سليمان من عام 1948 حتى اليوم، مروراً بأهم المحطات التاريخية، وغنيّ عن القول أنّ الرواية تختلف كلياً عن «القيم الصهيونية الأساسية» («الأخبار» ٢٠/ ٧، و١٩/١٠، و٣٠/١١/٢٠٠٩، ثم ٢٩/١/٢٠١٠). يُشبّه الناقد يئير رافيه الأجواء اليوم بأجواء الثمانينيات التي أفرزت الانتفاضة الأولى. ويورد مثالاً عن فيلم شهير لعاموس غيتاي تناول قصة عمّال عرب يبنون البيوت لليهود ويشتاقون لأراضي آبائهم، ما أدى إلى تهميش غيتاي وإبعاده عن التلفزيون الإسرائيلي الرسمي، و«الشعور بالإسكات وقمع حرية التعبير والإنكار» بحسب قوله. والأجواء اليوم عصيبة ومتشجنة: جريدة «معاريف» تلغي نشر لقاء مع الممثل والمخرج محمد بكري («جنين، جنين»)؛ شركة «يس» للبثّ والإنتاج تتراجع عن عرض «الجنة الآن» لهاني أبو أسعد الذي لم يُعرض أيضاً في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام ١٩٤٨، وأمثلة أخرى...

أنضج أفلام مسيرته الفنية: إيليا سليمان عالقاً في «الزمن الباقي»

 بعد «سجلّ اختفاء» (١٩٩٦) ثم «يد إلهيّة» (٢٠٠١)، البحث متواصل عن لغة تلائم الرواية: إنّها «لغة البقاء» اللغة ـفي وجودها وغيابهاـ هي الباقية في «الزمن الباقي» الذي قدّم عرضه الأوّل في رام الله قبل أيّام. «الزمن الباقي» انتهى منذ سنين، وما بقي هو الاستعادة والتأمل: هل سقطت الناصرة فعلاً أم استسلمت؟ وهل يعرف حقاً جندي جيش الإنقاذ أين تقع طبرية؟ التأمل الساخر اللاذع الذي لا يعترف بالنوستالجيا ولا بضرورة التذكّر: الذاكرة الفلسطينية ليست واحدة، والمتذكرون ليسوا متشابهين؛ إيليا سليمان (١٩٦٠) هو واحد منهم… لكنّه لا يبكي لدى تذكر سيرته، بل يضحك ألماً بملء سخريته. ما يفعله سليمان في «الزمن الباقي» أنّه يعيد صياغة اللغة، لغة التذكر ولغة الحكي. لغة العادي اليومي، لغة السياسة، لغة البقاء. أيّ بقاء يصوره لنا سليمان؟ إنه بقاؤه هو، فالفيلم قصته: قصة والده زمن النكبة وبعدها، قصة العائلة والأم والناصرة، قصة «البلد». وما زال مشروع سليمان السينمائي يتطور في هاجس مُلحّ: كيف يروي الفلسطيني قصته؟ بأي مفردات؟ إنه يبحث عن لغة للرواية، لغة سينمائية «تلائم» الحدث وواقع الحال. لا شكّ في أنّ «الزمن الباقي» هو من أنضج أفلام سليمان حتى الآن، ولا شكّ في أنّه أفضلها من الناحية السّردية والفنية. سليمان يملأ الفيلم بالحوارات بين الشخصيات (نسبياً)، وهو تحوّل لافت في مسار صاحب «سجل اختفاء» و«يد إلهية». ومع هذا، يظلّ الصمت (عدم الكلام) هو الحوار الأتمّ والمتواصل. وعلى هذا الصمت الطويل الصاخب، رُكِّب شريط صوتي قد يكون من أجمل ما شهدته السينما العربية وأغناه. الفيلم طافح بالموسيقى والأغاني التي كانت نَفَس الفترة وكلامها: عبد الوهاب، أسمهان، ليلى مراد، نجاة، وصباح فخري. فإذا بالنص يتحاور مع الصورة والموسيقى، خالقاً حالة سينمائية متصاعدة، متينة. ينقسم الفيلم إلى ثلاث مراحل تاريخية: النكبة، السبعينيات وأيامنا الراهنة (الناصرة ورام الله)....

الإعلام الإسرائيلي ربح الانتخابات اللبنانية

مَن يقرأ الصحف الإسرائيليّة الأساسية الثلاث («هآرتس»، «يديعوت أحرونوت» و«معاريف»)، صباح أمس الاثنين، يخال لبنان جزءاً من إسرائيل أو إسرائيل جزءاً من لبنان. لا أذكر متى أولت جريدتا «يديعوت» و«معاريف» صفحتها الأولى والصفحات الداخلية الأولى لشأن عربي ـــــ دولي في غير سياق عمليّة تفجيرية أو عملية مقاومة أو حرب. «معاريف» وضعت صورةً كبيرةً للأمين العام لـ «حزب الله» حسن نصر الله مع عنوان حاسم: «نصر الله: خسرنا». أمّا الصفحات من 2 إلى 4، فجاءت كلّها مخصّصة للانتخابات اللبنانية. وفي «يديعوت»، وضعوا على رأس الصفحة الأولى «نيغاتيف» أسود حمل عنوان: «تقارير لبنانية: حزب الله خسر». أما الصفحتان الرابعة والخامسة، فقد تناولتا موضوع الانتخابات. وفي «هآرتس»، وُضعت صورة كبيرة احتلّت الصفحة الأولى، وتصدّرها خبر رئيس عن الحدث اللبناني، إضافةً إلى تخصيص الصفحة الثانية كلّها (قطع كبير) للموضوع. الانتخابات في لبنان؟ منذ متى تستأهل شؤونٌ مدنية ــ سياسية في بلد عربي كل هذا الاهتمام؟ ماذا حدث للصفحات الخلفية المعتمة؟ لا يمكن تفسير هذا إلّا من خلال منظور واحد ووحيد: إسرائيل تتعامل مع الانتخابات اللبنانية كمسألة أمنية محضة. وإذا كانت المسألة أمنيةً، فهي على رأس سلّم الأولويات طبعاً. هذا هو سرّ الاهتمام، وإلّا فلم يكن الموضوع ليحظى بأكثر من خبر عابر في أسفل الصفحة العشرين. إسرائيل ـــــ وإعلامها ـــــ يريان في لبنان (جنوبه ومركزه) جبهةً إسرائيلية، تطلق بشأنها التقديرات والتحليلات، تبشِّر وتنذر، تبني السيناريوهات وتدعم التيارات وتطلق الوعود والوعيد. هذه مسلكيّات دولة ترى في نفسها وصيةً أو مسؤولة عن دولة أخرى. هذه ليست وصاية كولونيالية عادية؛ إنّها وصاية أمنية ـــــ سياسية تنقسم إلى قسمين: قسم الحرب والدكّ والتدمير، وقسم الدعاية والترويج و«الدبلوماسيات»، بين دكّ ودكّ. القنوات الثانية والعاشرة والأولى، المحطّات الإسرائيلية الكبرى كلّها تعاملت مع الانتخابات اللبنانية على أنّها حدث مفصلي إسرائيلي: المعلّقون...