روضة أثرٌ لا يموت

روضة لا تتكرّر… مرأة بحجم الحياة، أمسكت بتلابيبها وأجبرتها على الرقص وفق إيقاعها. أنا متأكّد من أنّ الحياة التي أجبرتها روضة على اللهاث بلا توقف قد تآمرت مع الموت على قتلها. ولمَ لا؟ أليست الحياة نذلة كما الموت تمامًا؟ علاء حليحل خجلتُ من انهيار جسدها وضعفه، تمامًا كما أتخيّل أنّها فعلت هي جرّاء هذا الانهيار. ورغم أنّني رتّبت أن أزورها قبل أشهر، إلّا أنّني لم أفعل. وقبل يومٍ من وفاتها، وقفتُ أمام مدخل غرفتها في المستشفى في حيفا لكنّني لم أدخل لرؤيتها. لماذا أدخل لرؤية امرأةٍ قويّةٍ حديديّةٍ وهي ذائبة؟ أليس هذا قتلًا ثانيًا لها؟ البشر مثل روضة لا يُزارون حين يمرضون، لأنّ الخجل أكبر من أن تعترف النّظرات بأنّ السّرطان نجح أخيرًا في هزمها. هذا أفظع ما في هذا المرض اللّعين. أنّه يهزم من لا يُهزَمون. وأنا لم أرغب للحظةٍ بأن أكون شريكًا في احتفاليّته هذه. فليرقص على جثثنا وحدَه. كنتُ أحبّ أن أناديها “دكتورة!” بأعلى صوتي عند دخولي جمعيّة الثّقافة العربيّة في النّاصرة، وهي تردّ الرّدّ نفسه مرّةً بعد مرّة: “ما أزنخك!”. ثمّ تقبّلني كأمٍّ أو أختٍ كبيرةٍ وتبدأ رأسًا بالحديث عن المشاريع. سيكتبون الكثير عن أنّها زُمبَركٌ لا يهدأ، وطاقةٌ لا تنضب، وسيحكون كيف كنّا نسمّيها “البلدوزر”. وهذا كلّه صحيح. وسيكتبون عن التزامها وعُمق انتمائها وحبّها للبلد (فلسطين)، وصدق رغبتها في الدّفع بأقصى ما قدرت من أجلنا جميعًا. وهذا كلّه صحيحٌ أيضًا. ولكن من سيكتب عن لحظة الانكسار بعد المرض؟ من سيجرؤ على نبش الجرح واستعادة تلك اللّحظة المهينة، حين اكتشفت أنّ أطنان الطّاقة والعمل والإخلاص لا تستطيع قتل بعض الخلايا الخبيثة الّتي تتكاثر في الجسد؟ إنّها الإهانة، أقسى من أيّ شيء. أنا أشعر بالمهانة تمامًا كما أشعر بالحزن. أبصق عجزي إلى أسفل وإلى أعلى وإلى...

5 ملاحظات على سقوط مخطط برافر

تغيير لجنة المتابعة ومبناها وعملها ■ من ينكر الإنجاز ولماذا؟ ■ والآن؟.. الآن نحو العمل الإيجابي والمبادرة علاء حليحل 1 سلمت أياديكم/ن وزنودكم/ن وهاماتكم/ن وشبابكم/ن البهيّ. سلم الشبان والصبايا، الجيل الأفضل والأقوى بعد أوسلو. سأتحدّث حالا عن إنجاز إسقاط مخطط برافر، لكنّ الإنجاز الأكبر أنكم حرّرتم العمل الاحتجاجيّ الشعبيّ من براثن اتفاقية أوسلو المهترئة ومن رعب أكتوبر 2000. الأولى قزّمت العمل الشعبيّ باتجاه الاندماج والانخراط، وتداعيات “أكتوبر” وقتل 13 شابًا أحبطت الكثير من النشاطات الجماهيرية فيما بعد؛ فالخوف ساد في كثير من النفوس. أمّا أنتم، فكسرتم أثر أوسلو و”أكتوبر” وأخرجتم الشارع من أيدي من تحجّروا أو سعوا لتحجير العمل السياسي في أروقة برلمان مُعادٍ ولجنة متابعة عاجزة. لقد جررتم الأطر الكسلى والمهترئة وبقواكم الكبيرة أعدتموها إلى الحياة. المهمة الآتية: إسقاط لجنة المتابعة وإقامة لجنة بديلة، منكم وإليكم، ونحن وراءكم ومعكم. لا أملك المعادلة السحرية حاليًا، لكنّ لجنة المتابعة يجب أن تكون مقرّ الحَراك ومنبعه كسقف جمعيّ لا بديل له: الجامعيين والعمال ولجان الأحياء في الصف الأول، ومن ثمّ الممثلين التقليديين للأطر التقليدية. يجب قلب المعادلة واسترجاع زمام الأمور. 2 نحن لا نحرّض على لجنة المتابعة، ولا نملك ترف التهجّم من أجل التهجّم؛ لكنّ لجنة المتابعة تستحقّ وبجدارة كلّ كلمة ذمّ واحتقار. فالخلافات الحزبية والتناحرات التي تسيطر على هذه اللجنة أودت بنا إلى مهالك رئيس باهت ومنقطع، وممثلي أحزاب وحركات يتحيّنون الفرص للطعن وعرقلة العمل المشترك. نحن نريد لجنة متابعة شبابية ومتجدّدة وعصرية، والأهم- لا تسير وفق الحسابات الشخصية الرخيصة والمبنية على “الأنا” المَرَضيّ. يجب أن نتقيّأ هذا الجسد البالي وأن نفكّر مليًا في خطة شعبية اجتماعية تعيد الرونق إلى الشارع وأهله. هذا ما ينقصنا الآن، وحبّذا لو دعا الحَراك الشبابيّ فورًا إلى مظاهرة غضب أمام الاجتماع القادم للجنة المتابعة...

هل سأصبح يومًا أديبًا حقيقيًا؟

نُشرت هذه الشهادة الأدبية في مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد 96، خريف 2013، ضمن ملف خاص تحت عنوان “نحو أدب فلسطيني جديد” علاء حليحل لسوء حظيّ الشديد، كانت طفولتي سعيدة. ليست لديّ ذكريات دراماتيكية ولا قصص محزنة تختزل الوجع الإنسانيّ كي أرويه للعالم وأبتزّ تضامنه (وأبيعه نسخًا كثيرة من الروايات). أقول من سوء حظي لأنّ الطفولة التعيسة لأيّ كاتب هي كنز لا يفنى، أو على الأقل طفولة “مثيرة”، ملأى بالمشوّقات والأطايب السردية. وهكذا لا أذكر أنني كتبت أيّ نص أو قصة عن طفولتي لم يكن مغمّسًا بجمال المكان الذي كبرتُ فيه وتشكّلت. أما حسن الحظ المرافق لهذه “المشكلة”، فهو أنني كبرت وتشكّلت في قرية جليلية وادعة (الجش)، هي الوحيدة التي لم تُدمّر في النكبة في منطقتها، بل استوعبت لاجئين من برعم وإقرث وقديتا، قرية جدّي التي امّحت تمامًا عن الوجود. هذا الخليط الكبير من الريفيين، المقيمين واللاجئين، أفرز جوًا جميلا ونادرًا، بحيث أنني اليوم إذا سُئلت على أيّ شاكلة أريد لفلسطين أن تكون، فأجيب بلا تردّد: مثل الجش. لهذه الدرجة. وقد يكون موقع هذه القرية الصغيرة أمرًا حاسمًا في طباع سكانها، حيث أنها في أقصى شمال فلسطين، ورميش اللبنانية على مرمى حجر منها، برغم أنها منقطعة وحيدة بين الكيبوتسات والموشافات اليهودية التي أقيمت من حولها على أراضي سعسع ودلاثة والرأس الأحمر وغيرها. قرية رعوية تُذكر بالريف الأوروبيّ، طبيعة خضراء غنية وشاسعة، هضاب وتلال وسهول وينابيع رقراقة تفيض في الربيع، مياهها عذبة ونظيفة وتُشرب هنيئًا مريئًا. هذه هي الطفولة بالنسبة لي، وداعة وطمأنينة وجنة صغيرة كانت لنا، نحن الأطفال ومن ثمّ الفتية، مرتعًا للّعب والبحث عن أسرار الطبيعة في المزروعات والأشجار، ومن ثمّ في أجسادنا التي بدأت تصحو رويدًا رويدًا على نداء الربيع المُخدّر. لا يمكنني أن أفكّر للحظة بأيّ كتابة...

هل يجب إخلاء المستوطنات

أصحاب النضال أنفسهم عليهم أن يهتموا أيضًا بمصالحهم وعدم القبول مسبقًا بالفرضية القائلة إنّ تحرير أراض مصادرة في المناطق المحتلة أهمّ وأسمى من الحفاظ على أراضي باقة الغربية وجت علاء حليحل إذا انطلقت فعلا دورة جديدة من المفاوضات بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، فيجب علينا، مواطني الدولة الفلسطينيين، أن نتعامل مع هذه المفاوضات في هذه المرة كشركاء أو معارضين بشكل تام، وليس كمشاهدين. فهذه المفاوضات تتعلق بنا وبوجودنا هنا وهي هامّة لنا بما لا يقلّ عن سائر أجزاء الشعب الفلسطينيّ. نجاح هذه المفاوضات سيضعنا أمام واقع جديد يُلزمنا بتغييرات جذريّة، وإذا فشلت فسنضطر عندها لمواجهة نتائج هذا الفشل. ثمة مسألتان أساسيتان تتعلقان بوجودنا وبقائنا في الجليل والمثلث والنقب: الأولى تكمن في أنّ إسرائيل ستحظى باعتراف دوليّ كدولة يهودية، والمسألة الثانية تتمحور في إخلاء المستوطنات. المسألتان متعلقتان الواحدة بالأخرى. ففي حال توقيع اتفاقية حقًا بين السلطة الفلسطينية ودولة إسرائيل، وتحوُّل يهودية الدولة إلى حقيقة وأمر واقع، فإنّ علينا وقتها أن نجابه بداية عملية مضنية وربما مشحونة وعنيفة بيننا وبين الدولة اليهودية المكفولة. ومن المرجّح جدًا أنّ يكون الردّ الفوريّ عندها على أيّ مطلب مدنيّ عربيّ هنا: إذهبوا لممارسة هويتكم القومية في دولتكم الجديدة. هكذا، سينخفض سقف التقبل الجماهيريّ (اليهوديّ) لمطالب وحقوق العرب هنا وسيكون متدنيًا أكثر من ذي قبل. الشعب الإسرائيليّ سيودّ العيش براحة وطمأنينة، بعد أن قام –بحسب مداركه- بالتخلص من الشظية التي في مؤخرّته للأبد. إنّ “إنهاء الصراع” مع السلطة الفلسطينية يشكل بداية صراع جديد في داخل إسرائيل. عشرات الآلاف من المستوطنين الذين سيتركون المستوطنات برضاهم أو بالقوة، سيصلون إلى لُبّ وجوهر وجودنا. حتى اليوم، تجد الجمعيات التي تسعى من أجل زرع المستوطنات المسيحانية المتدينة في “المدن المختلطة” وعند خطوط التماس بين البلدات العربية واليهودية في داخل حدود الدولة:...

7 ملاحظات على انقلاب السّيسي

يجب ألا ننسى أنّ المعركة في مصر والعالم العربي ليست على الحكم ومقاليده، أساسًا، بل على شكل وبنية الإنسان العربي والمسلم لعقود قادمة علاء حليحل 1 مهما تحايلنا على المسميات، فإنّ عسكر السيسي في مصر قلبوا النظام ونصّبوا شخصية تكنوقراطية بدلا من الرئيس المنتخب. هذا أمر سيئ، لكنه أقلّ سوءًا من الحرب الأهلية. كل شيء نسبيّ حتى الثورات التي نحبّها. لو لم نحترم هذه النسبية وجعلناها جزءًا من مفرداتنا ووعينا لما نجحت الثورات في بناء إنسان جديد. لم تُوجد في تاريخ البشرية ثورة نظيفة مئة بالمئة. وإذا كنا نرفض تقديس الزعامات والقيادات فعلينا أن نرفض تقديس الجماهير العريضة، حتى لو خرجت عن (نصف) بكرة أبيها. 2 الجيش المصري هو ابن وربيب دكتاتوريين وقامعين منذ ثورة يوليو. قرابة 60 عامًا وهم يأتمرون بأوامر زعماء اضطهدوا وعذبوا وقتلوا وسجنوا الكثيرين من أبناء شعبهم، باسم الثورة أو الدولة أو أمن البلد. الجيش المصري ليس بريئًا ممّا يحدث. كل هذه الرومانسية بأنّ الجيش المصري هو جيش وطني ولذلك فإنّ أيّ أمر يفعله هو “شرعي” و”وطني”، ليست إلا محاولة لعدم الاعتراف بإشكالية ما حدث في مصر، وإشكالية القوات المسلحة المصرية التي تتموّل بدولارات أمريكية. 3 مع هذا، فإنّ 17 مليونًا (أو ثلاثين مليونًا) يخرجون إلى الميادين ليصرخوا في وجه رئيس لا يريدونه هو أمر مدهش لا ثانيَ له. في الثورة الأولى قالوا إنّ المصريين كسروا حاجز الخوف. يبدو أنهم الآن كسروا حاجز الصوت. الصوت لم يعد يخضع لأيّ قانون طبيعة. الصوت سيد الموقف. محاولات التكهّن والتنبؤ وترسيم خارطة ما لطريق ما هي محاولات فاشلة سلفًا. ما يحدث في مصر يجب أن يدفعنا جميعًا لنكون شجعان بما يكفي ولنقول: لا نعرف. الجماهير كائن مستقلّ لا يمكن فهمه مئة بالمئة. كائن يتحرّك بالمشاعر والدسائس والخطابات (الرنانة...

ثورة على التكلّس

نحن ندعم أحزابنا العربية. دعمناها وندعمها ونصوّت لها وندعو للتصويت لها. لذلك يحقّ لنا أن نحاسبها وبشدّة. وإذا لم تتقوّموا مثل عُمر الذي تحبّون اقتباسه فسنعاقبكم. لن نصوّت لكم. سنروّج لحملة مقاطعة ضدّ كلّ حزب متكلس لا يتجدّد. هذه القوة الوحيدة التي نملكها علاء حليحل الآن، على القوائم العربية التي خاضت الانتخابات أن تصوّت لنا، نحن المُصوّتين. نحن ندعمها منذ يومها الأول ونتغاضى عن السّلبيات والأداء المتعثر، لكن من غير المؤكّد أن نخرج ثانية بجحافلنا بين السّابعة والتاسعة مساءً ليلة التصويت، بعد “دبّة الصُوت” بالميكروفونات: اليمين سيأكلنا فصوّتوا لنا. يجب على الأحزاب العربية أن تتجدّد، لا بأهازيج الانتخابات السّريعة والفيديوهات الذكية، بل في قياداتها أولاً وفي أدائها الجّاري وانتقالها من ردّة الفعل إلى الفعل، ثانيًا. فلنبدأ بالمطلب الأول من أحزابنا: محمد بركة وجمال زحالقة وإبراهيم صرصور وأحمد الطيبي وطلب الصّانع: كفى! يعطيكوا العافية. فلتكُن هذه آخر فترة لكم في الكنيست ورجاءً أخلوا مقاعدكم لغيركم. نحن لا نصدّق مقولات “الحزب بَدّوا” و”أنا لا أنوي الترشح ولكن الرفاق والأخوة يُصرّون على بقائي” (ويتعربشون بكُمّ البدلة). هذه مقولات كاذبة. لقد ولى عصر النجوميات السياسية وعصر المؤسّسين القدامى. توفيق طوبي وتوفيق زياد وعزمي بشارة هم ظواهر استثنائية لن تتكرّر. أعرف أنّ هذه الجملة تؤلمكم في الصّميم ولكن ما العمل وأنتم تضطرّوننا لقولها بصراحة: لا مبرّر لهذا التكلّس على المقاعد، لا من ناحية إنجازات حقيقية ولا من ناحية أداء جماهيريّ وقياديّ. الشعور السّائد لدى الكثيرين اليوم أننا بلا قيادة. قسط كبير من جهودكم مُوجَّه إلى التناحرات الداخلية بينكم. لو رغبنا في التفرّج على فائض التوستسترون الذكوريّ هذا لاشترينا تذاكر لمباراة ملاكمة. نحن ندعم أحزابنا العربية. دعمناها وندعمها ونصوّت لها وندعو للتصويت لها. لذلك يحقّ لنا أن نحاسبها وبشدّة. وإذا لم تتقوّموا مثل عُمر الذي...