منذ ذلك اليوم الصيفي المشمس، في ساحة البيت الأمامية، في بيتنا القديم في القرية، قبل سبعة عشر عامًا، وأنا أكره أعياد الميلاد. أكرهها لنفسي أولا، ولا أحب المشاركة فيها ثانيًا. مع الوقت صرتُ أجبرُ نفسي على حضور أعياد ميلاد من أحبهم من البشر، ولكنني لم أستطع التخلص من عدائي الكبير لإحياء عيد ميلادي، في أي ظرفٍ من الظروف.

في ذلك اليوم الصيفي المشمس، قبل سبعة عشر عامًا، تجمع في ساحة بيتنا القروي القديم ما يزيد على العشرين شخصًا من أبناء وبنات صفي، الصف السابع (أ) في مدرسة الجش الابتدائية، لسنة 1984. جاءوا حاملين أكياس الهدايا المتواضعة وجلسوا كالمهذبين الظراف حول الطاولة الكبيرة، التي كانت ارتجالا فظًا تشكّل من ثلاث طاولات صغيرة ولوح دكت كبير، لم يستطع شرشف النايلون أن يطمس آثار جذوره وهويته عند الزوايا الغامقة المطلية بزيت الماتورات المحروق. ومن حولهم كان أفراد العائلة الكُثر يروحون ويجيئون بلا هوادة. كانت أمي قائدة الحملة وكانت تشرف على كل صغيرة وكبيرة، ولا تكفّ عن ضرب أكتاف أبناء وبنات صفي حاثةً إياهم على المضغ والشرب والتصفيق، مما كان يثير فيَّ الخجل والخزي الكبيريْن من هذا الموقف المحرج أيّما إحراج.

من بعيد كان أبي يجلس مع عمي وزوج خالتي يقضمون البذورات ويشربون كولا “شتراوس” من الحجم العائلي. الى جانبي كان يجلس أخي الأوسط الذي يصغرني بأحد عشر شهرًا، وكان يصدر مع إبن خالي الذي يكبرني بسنة، ضجيجًا صامًا، ليس سوى ضربات غير متناسقة على الطبلة والدف، ومحاولة من الاثنين لجذب انتباه اثنتين من بنات صفي اللواتي جلسن بدورهنّ بهدوء وخجل من دون أن يبدو عليهنّ أنهن يعرفن سبب قدومهن الى ساحة بيتنا الأمامية في بيتنا القديم. عندما دعوتُ أبناء وبنات صفي إلى عيد ميلادي كان تخطيطي أن أخرج أهلي وأخوتي من البيت، كما يفعل جميع أبناء صفي، وأن نجري عيد ميلاد رومانسيًا نُفصح فيه في العتمة، وبلمسات حذرة متوجسة، عن بركان الهرمونات الذي كان يختلج في صدورنا، وتحت بناطيلنا.

إلا أنّ أمي أفسدت هذا المخطط. ففكرة أن يختلي عشرون مراهقًا ومراهقةً في بيت مغلق ومُعتم لم تكن واردة في حسبانها بأيّ شكل من الأشكال. حتى أنها صرفتني من أمامها مُهدّدةً بأن تخبر والدي بما نفعله في أعياد الميلاد في صفّنا، فانكفأتُ على وجهي خارجًا من البيت على غير هدًى ومترقبًا ليوم غد الذي سيأتي فيه أبناء وبنات صفي ليجلسوا تحت الكرمة الكبيرة في الساحة التي أمام بيتنا ويستمعون إلى خربشات أخي على الدربكة.

أبناء وبنات صفي اعتقدوا أن العيد سيكون مثل العيد السابق الذي كنا فيه، حيث رقصنا “السلو” المختلط لأول مرة. كانت تلك المرة الأولى التي أحتضن فيها أنثى في حياتي، وأنا على دراية كاملة بأنها أنثى وبأنني ذكر، وبأنه يمكن لمثل هذه الرقصة المخجلة أن توقظ عضوي التناسلي أمام الجميع. من هنا يمكنكم بسهولة أن تدركوا مدى الاحباط الذي ساد الجميع، وأنا بينهم، من هذه الحفلة السخيفة.

كانت أمي فخورة بالكعكة ذات الطوابق الأربعة التي أنجزتها، مطلية بالكريم الأبيض ومزركشة بثمار الكرز المعلبة الحمراء، وكنتُ انا أرغب في حمل هذه الكعكة ورميها صوب الشارع والقفز من على السطح لشدة خجلي أمام أبناء وبنات صفي، خاصةً وأنّهم جلسوا جميعًا مثل الجالسين في مأتم، وكأنّنا في جنازتي ولسنا في عيد ميلادي. بالنسبة لأمي، وأعتقد بالنسبة لأبي أيضًا، كانت هذه الحفلة حدثًا خاصًا وفريدًا يمنحونه للبكر الفتيّ الذي كان يحاول ألا يبرم بوزه في وسط ما يجري، لئلا يفسد على الوالدين فرحتهم.

كان الوقت يمرّ بطيئًا وثقيلا. رقصنا بعض المرات القليلة، الفتيان لوحدنا. بقيت بنات صفي جالسات لأنهن كنّ بحاجة الى صاروخ من نوع “قسام” أو “الحسين” أو حتى “عباس” ليزيحهنّ عن مقاعدهنّ، وهُنّ يعلمنَ أنّ كلّ العائلة المُبجّلة تنظر إليهنّ وتصفق لهنّ طربًا. ومع الوقت أخذت ابتسامتي المفتعلة تنمحي وقلّ نشاطي وهمتي، ووجدت نفسي في نهاية الحفلة جالسًا قبالة أبناء وبنات صفي وأنا أحاول ألا أنفجر بالبكاء، خجلاً وعارًا، في ضوء الفضيحة الكبيرة التي ورّطتُ نفسي بها. فغدًا سيعرف الصف كله، والمدرسة كلها، وخاصة أولاد وبنات الصف السابع ثقيلي الدم والسمجين، سيعرفون كلهم أيَّ عيد ميلاد كان لي. كنت أخالهم يضحكون كالشريرين ويتهامسون من وراء ظهري وأنا في الصف أو في الساحة. ولا شك في أنها، التي أحبها، ستصغي لما يقوله الجميع وستستخف بي منذ تلك اللحظة الى الأبد.

كنت أشعر بالفشل والخزي والعار وأنا أودّع أبناء وبنات صفي. وما أن انصرف آخرهم حتى عدوتُ الى أعلى ودخلتُ الى غرفتي وفقعتُ بالبكاء. بكيتُ بحرقة ولم أهدأ إلا بعد أن نضبت دموعي. فقمتُ الى الحمام واغتسلتُ. ثم وقفتُ عند المغسلة الخارجية أنشف وجهي وشعري، فرأيت أبي يحتضن أمي من الخلف، في غرفة نومهما وهو يقول لها إنّ العيد كلف الشيء الفلاني، وإنه لن يكون بوسعهم أن يشتروا البوظة لنا قبل بداية الشهر القادم. وقفتُ مشدوهًا وأنا أفكر للمرة الأولى بأنّ عيد ميلادي كلّف نقودًا كثيرةً وأنّ أهلي في الواقع لا يملكون هذه المبالغ أبدًا. رأيت أبي يقبل أمي على عنقها وهي تمسح بيدها على وجهه وتقول له بحنية: ستُفرج.

أغلق أبي الباب من دون أن يراني وبدأتُ أنا أمشي نحو غرفة نوم أخوتي وأنا، ووجدت نفسي أبكي بهدوء لأنني كلفت والديّ النقود الكثيرة ولأنهما كانا سعيديْن على الرغم من ذلك، وأنني في النهاية لم أبدِ أي شكر لهما. بل على العكس، كرهت كل ما فعلوه. دخلتُ الى الغرفة وألقيتُ بنفسي على السرير وصرتُ أبكي بهدوءٍ وبخجلٍ فظيعٍ من نفسي، الى أن نمتُ.

وبعد أن نمتُ حلمتُ بأنّ كلّ الطلاب في المدرسة يقفون في صفيْن متوازييْن ويصفقون لنا، أنا والتي أحبها، بسعادة وفرح، ونحن نمشي بين الصّفين، وهم يغنون لي: عيدك يا علاء أحلى الأعياد…