لن يهمَّني بعد اليوم أيُّ شيءٍ. على مؤخّرتي كُلُّ ردّات الفعل التي سأصطدمُ بها وستصطدمُ بي. أبي لا شكّ سيستهجنُ وسيستنكرُ وسيُحوقلُ وسيُبَسْمِلُ وسيَسْتعوذُ. لا يهمُّني. فليفعلْ. هذه ذقني وأنا حُرٌ بها. أريدُ أن “أربّيها” ولو لمرةٍ واحدةٍ. الذقنُ الفرنسيةُ الصغيرةُ التي تتربّعُ على أسفلِ وجهي الآنَ لا تُعجبُني. أراها في الصّباح مثلَ “فاسوقةٍ” غيرِ مُقنعةٍ، دخيلةٍ، هجينةٍ، لا علاقةَ لها بالسياق أو بالحيثياتِ أو بالإسقاطاتِ، أو حتى بالإنزياحاتِ؛ فقررتُ أنْ أُربّي ذقني ولتنفلقِ الدُّنيا، فإمّا أن تُربّيني وإمّا أن أُربّيها!

أريدُ أنْ أُحسَّ بما يُحسُّ به إنسانٌ مُتديّنٌ يمسحُ على شعرِ ذقنِهِ الطويل الناعم ويهُزُّ رأسَه وقارًا وهيبةً أمامَ مُستمعه، فيَنهزُّ. قلتُ: إذا ربّيتُ ذقني ازددتُ مَهابةً، فتهيّبتُ وتوكّلتُ. ثم ربّيتُها.

لم تكُن ردّات الفعل كما توقّعْتُ. بعضُها كان عنيفًا (“الله يشحرك، زي الإخوان المسلمين”)، وبعضها كان مُهادنًا مع بعض التحفظ (“أنا عارف، يعني على طول؟”)، وبعضُها مُتفهّمًا (“آه، جَرّبلك كم يوم”)، وبعضُها مُرحّبًا (“هيك أحلى”)، وبعضها مُهللاً (“آه، هيك من زمان. صُرت بنادم عالأقل. الله يهديك ويهدي جميع العباد معك”). ولأنّ ردّات الفعل تفاوتت، تملّكني بعضٌ من الثقةِ، قتوثقتُ. إرتديت معطفي والشّالَ الجديدَ والكنزةَ الجديدةَ، وهرولتُ نازلاً نحو المقهى لأحتسيَ قهوتي الأولى فيه وأنا مذقونٌ في كلِّ مَسامِّ وجهِي.

لم أشكّ يومًا في صفاءِ نوايا النادلةِ اليهوديةِ ابنةِ الحيِّ، ولم أعاملها يومًا من منطلق أنها “الآخر” (ولو كان الآخر رجلاً لقتلتُه!). ولكنها حين دخلتُ المقهى الآيلَ للنعاسِ أجْفلتْ قليلا ثم عادتْ إلى ابتسامَتِها الصباحيةِ المُعتذرةِ، فعدتُ إلى جريدتي، فعادتْ إلى مطبخها، فعُدنا سويةً إلى صمْتِنا وَصَمَتنا. مَضتْ بقيةُ الصّباحِ على خير؛ وبعد أن دفعتُ دمَّ قلبي لقاءَ كوبيْ القهوةِ والبيضتيْن المخفوقتيْن بفقعٍ وجبنةٍ بيضاء، يمّمتُ شطرَ محطة القطارِ قاصدًا تل أبيب ما غيرها، مُتوجّسًا من طول المسافةِ بين حيفايَ الكسولةِ أبدًا، وبين مدينة الخطايا والتكايا، وسقوط البنطالِ على البنطالِ، فيما غرُب من الأحوالِ.

كانَ الحارسُ على مدخل المحطة أولَ من توجّس من ذقني. رمَقني بنظرةٍ يهوديةٍ خائفةٍ، فرمقتُه بنظرةٍ عربيةٍ خائفةٍ مُتنكرةٍ لنظرةٍ عربيةٍ مُرتعبةٍ، فارتعبَ. قلتُ له في سرّي: يا حمار. من زمان لم تعُد الذقن الطويلة مثارًا للخوف. ألا ترى صور أخوتي المنفجرين في الجرائد؟ يحلقون ويتعطرون ويلبسون ملابس إخوتك الجنود أحيانًا، ليضحكوا على ذقونكم. ولكنه لم يسمعْني. طلب مني هويتي. وهويتي زرقاء ترفع الرأس، فارتفع. فأحسستُ بأنني أطيرُ برقبتي من فوقِهِ فأشبكه بذقني الطويلة كالسّمكة العالقة في شباك الصياد من “ألف ليلة وليلة”. ولكن سمكتي لا تتقيأ الخواتمَ والمجوهراتِ، فعدتُ برأسي إلى فوق كتفيَّ وردّدتُ رقم هويتي الذي أحفظه عن ظهر قلب، بناءً على طلبه. فلما اعتذرَ مُعللاً فعلته النكراءَ بأنّ الصورة في الهوية لا تشبهني، هززتُ رأسي متفهمًا وقلت في سرّي: من زمان وأنا لا أشبه صورتي في الهوية. من زمان وأنا لا أشبه العربي الباسم في هوية الدولة الزرقاء. من زمان وهالقمر ما بان!

والقمرُ الذي لم يبنْ من زمنْ هو مُراقب التذاكرِ في القطار. كان يصطدمُ بي وأعتذر له مرتيْن في الأسبوع، يومَ كنتُ تلميذًا مجتهدًا وفقيرًا في تل أبيب، أتعلم كتابة الأفلام، وأبجدياتِ الحبِّ المختلطِ وتوفيرَ أجرةِ القطار ذهْبةً (هذه كلمة إخترعتها الآن؛ فيحق للفلسطيني ما لا يحق لغيره، أو بالعكس، لا أذكر) وجيْئةً لئلا أخلِفَ يومًا، فيخلّفوني. منذ أن انتهيتُ من تلمَذَتي لم أعُدْ مُجتهدًا ولكنني ظللتُ فقيرًا. حتى الجمعية الميسورة المدعومة باليورو والأخضر والتي عملتُ فيها نيّفًا من الشهور طلّقتُها، بعد خناقةٍ مُروّعةٍ ذهبَ ضحيتَها معاشي الأخير وكرامةُ المدير، فقلتُ في سرّي كما قال أبو النحس: “منيح اللي هيك، ولا غير هيك”. فلما سألتُ نفسي: وماذا كان سيكون أسوأ من هيك، أجبتُ نفسي: لو كنتُ أعرف الإجابة على هذا النوع من الأسئلةِ لصرتُ من زمان، كاتبًا صوبه بنان.

الهامُ أنّ مراقبَ التذاكر لم يعرفني، مع أنني كنتُ في ذلك السابق من الآنِ، أبتسمُ له في كل مرة يثقب فيها تذكرتي، فتنثقب جيبي، فيثقبها مرة أخرى في الإياب، فتنثقب جيبي مرة أخرى، وهكذا دواليكَ، حتى انثقبتْ مؤخرتي فقلت كَفى. فصرتُ أتعمشقُ مثلَ القرودِ على أسيجةِ المحطةِ وأندحشُ في المرحاض القطاريِّ حين ألمَحُه يقتربُ من القاطرةِ المجاورةِ، فرأيتُ أنه حسنٌ ما أفعلُ. وصارَ يومًا أنني وقعتُ في تعَمْشقي القروديِّ فانجرحتُ. وبعد مِضِيٍّ من الزمنِ أنشدتُ للجّرحِ المُندملِ على يدي، ما أنشدَهُ العاشقُ البتولُ:

لخولة أطلالٌ ببرقةِ ثهمدِ                                     تلُوح كباقي الوشمِ في ظاهرِ اليدِ

وظللتُ أنشدُ لخولة التي لا تأتي إلى أن أمسكني هذا المراقب ذات يوم وصار يضرب بقبضته الحديدية الصهيونية على باب المرحاض القطاريِّ الذي كنت أختبئ فيه، فقلتُ: يا أرضُ، إنشقّي وابتلعيني. فما هي إلا ثوانٍ إلا وصوتُ انفجارٍ يهزُّ السكةَ الحديديةَ هزًا. فتوقف القطارُ عُنوةً وعَلتِ الجلبةُ والضوضاءُ، فقلتُ: تسخّمْتُ! فإذا لم يقبض عليَّ “التذكرجيّ” فيُودعُني الحبسَ، فإنّ الجُموعَ الغاضبةَ من أبناء عمي ستمزّق جثتي إنتقامًا من:

“… حادثة التفجير المُروّعة في محطة السكة الحديد، قبل دقائق معدودة. ننتقلُ إلى مُراسلِنا الموجودِ هناكَ. مراسلُنا، هل لديكَ تفاصيل أولية عن الحادث؟

مراسلنا: لقد وصلنا في التوِّ إلى موقع الحادث. من التفاصيل التي جمعتُها حتى الآن من مصادرَ في الشرطةِ وفي “الشاباك” تتضحُ الصورةُ التاليةُ: محمد أحمد محمود هو الإرهابي الفلسطيني الذي فجّر نفسه في محطة القطار في الخضيرة. نحن تلقينا قبل قليل بيانًا على جهاز “البيبر” تُعلن فيه كتائب عز الدين القسّام مسؤوليتها عن العملية، التي تأتي –على حدّ قولهم- إنتقامًا على مقتل عشرة أطفال ويزيدون في غزة جراء قصف مبنى سكني بقنبلة وزنها طن من المتفجرات.

هي: ولكن مراسلَنا، هل تعرف عن وقوع إصابات في الأرواح في هذه العملية؟

مراسلنا: ما أستطيع قوله بالتأكيد في هذه اللحظات وبناءً على مصادر شرطية إنّ هناك جثة واحدة على الأقل في القطار..

هي: في القطار؟؟ في القطار؟؟ ألم تقل إن التفجير كان في…

مراسلنا: في المحطة أجل.. ولكن الجثة التي في القطار هي لعربي من عرب إسرائيل، ويبدو أنه كان على إتفاق مع المخرب الفلسطيني لتنسيق عملية أكبر من هذه التي…

هي: تقول من عرب إسرائيل؟.. معنا على الخط الوزير..

مراسلنا: لو سمحتِ لي “هي”… أودُّ أن…”

وهكذا…

ولكن لم يقع أيُّ إنفجار. كانت تلك قبضة مراقب التذاكر العنيدة، الجّسورة، تقرعُ بابَ المرحاض القطاريِّ، مُندّدةً مُتوعّدةً. فلمّا تيقنتُ من مُحالِ المآلِ فتحتُ البابَ وقلتُ: أستسلمُ، فاستسلمتُ. “ساعة؟”، صرخ في وجهي التذكرجيّ، وهممتُ بالردِّ عليه، وإذ به يشحطُ من ورائه عجوزًا مُسنًا بالكاد يقوى على الوقوفِ، فازاحَني التذكرجيّ جانبًا بظلافةٍ وأدخلَ العجوزَ وأجلسَهُ على الكرسيِّ وعلّمَه كيف يشدُّ اليدَ الحديديةَ التي فوقَ، حين يُفرغُ، فابتسمتُ لغبائي، واستدرتُ وعُدتُ إلى مقعدي، ولم أنتبه لمراقب التذاكر إلا وهو فوق رأسي يطلب بجفاءٍ: “تذكرةً!” فلم أتذكّر هَفوَتي إلا وأنا أُخرجُ من محفظتي ثمنَ التذكرة وفوقها غرامةٌ نقديةٌ محترمةٌ تأديبًا من سلطةِ القطاراتِ والموانئِ على “غفلتي” عن شراء التذكرةِ، فغفلتُ حتى وصلنا تل أبيب.

إذًا، فإنّ هذا المراقب لم يتذكرني حين وقفَ فوقي وصاحَ برتابة: “تذكرةً.” معذورٌ. فأنا مذقونٌ على غير عادةٍ. أعطيته التذكرة فثقبها، فانثقبتُ. ولم أنتبه إلا وهو عائدٌ مع رجل أمنٍ ثانٍ فوقفا فوقي وطلبَ رجلُ الأمن “الهويةَ!” فقلتُ: روتين. فأخذَها ونظرَ إليّ ثم أردف: “ما رقمُها؟” ولأنّ أمي لم تذكر أمامي يومًا ما إذا كان ترداد رقم الهوية في اليوم مرتين هو فأل خير أم فأل سوء، ردّدتُها وأمري لله. فلما اطمأنّ إلى لكنتي وأرقام الهوية، إنزاحت الغشاوة الأمنية عن عينيه، فنظر ثانية إلى الصورة ونهر مراقب التذاكر: “ألم ترَ أنه يشبه الصورة؟ إنزع عنه اللحية قليلاً وهاكَ. هو، طبق الأصل!” ثم مضى، فاحتميتُ بالكتاب الذي في حضني علّي أنام قليلاً، قبل أن أنام.

في تل أبيب سألني سائقُ التاكسي عمّا أحمله في الحقيبةِ. وددتُ لو أتجاهلُه، ولكنني كنتُ سمعتُ عن مغامراتِ العرب من أبناء جلدتي مع سائقي تاكسيات من خريجي الوحدات القتالية في “جيش الدفاع الإسرائيلي”، فقلت: كُتبًا وأوراقًا. وخلته يهمّ بسؤالي: “وماذا في ذقنك؟”، إلا أنه لم يسألني، فتطوعتُ كعربي جيد ومُخلص للدولة: ربّيتها قبل أسبوعيْن، قلتُ أجرّبُ. لم أربِّها من قبل أبدًا. “إنتبه، يا ابن الزانية! إلى أين تنظر، إلى مؤخرة أختك؟!”، صرخ السائق من الشباك من دون إحمٍ، فاحتميتُ بحقيبتي واحتضنتها بحرارة، فشعرت بأنني في بيتي الدافئ، فقلت كما قالَ من قبلي: وطني حقيبة سفر. فقال السائق: “عشرين شيكلا”. فنقدتُه وخرجتُ، ووقفتُ أتأمّل المبنى العالي الذي يجبُ أن أدخلَه الآنَ، وربّما كان عليَّ أن أردّدَ رقم هويتي الزرقاء مرة أخرى أمامَ رجل الأمن الروسيِّ الذي بدأ يرمُقني منذ الآن بنظراتٍ أمنيّةٍ مُتوجسةٍ، فتوجّستُ.

“هي: أنا أسمعُك مراسلَنا، هل من معلومات جديدة عن المخرب الهارب الذي يتجول في شوارع تل أبيب حرًا طليقًا؟..

مراسلنا: للأسف “هي”.. حتى الآن لم تستطع الشرطة و”الشاباك” القبض عليه وخردقة رأسه بالرصاص، ولكن المصادر المطلعة في طاقم البحث قالت لي قبل أقل من دقيقة.. شو دقيقة، قولي عشرين ثانية، أو أقل حتى، يمكن عشر ثوان.. قالت المصادر بوضوح وبتأكيد: نحن سنقبض عليه!

هي: وهل سمعتَ من هنا أو من هناك عن مواطنين يقظين حريصين بلّغوا عن فلسطيني أو عربي مشبوه يتجوّل في شوارع تل أبيب مع حقيبة ممتلئة؟

مراسلنا: لحظة “هي”، المعلومات التي تصلني الآن إلى جهاز “البيبر” تقول…”

وهكذا…

فلمّا وقفتُ أمامَ الحارس الروسيِّ فاتحًا له الحقيبة المُمتلئة بالكتبِ وبالأوراقِ رَمقني بما يَجدرُ في مثل هذا الموقف، ثم قال: “الهوية!” فقلت: 29234960. فرمقني أكثر، فأعدتُ أكثر: 29234960! فلم يقتنع، فقلتُ: 2.. 9.. 2.. 3.. 4.. 9.. 6.. 0… فرمقني حتى اقتنعتُ برمقته، فأخرجت البطاقةَ الزرقاءَ، فنظر حتى ابتلت عروقُه، ثم قال: “الهوية!” فأخذتها منه ودخلت العمارةَ ثم المصعد ثم الطابق المَرجُوَّ، ثم المكتب، ثم الغرفة، ثم جلستُ واسترحتُ، وقلت: قهوة.

فلما عاد إليَّ بالقهوة، جلس وبدأ بالحديث عن الفيلم الذي سنكتبه عن التعايش بين اليهود والعرب، ثم توقف فجأة وقال: “مراسلنا سأل عنك”. فقمتُ للتوِّ وأخرجتُ بطاقتي وصرختُ بأعلى صوتي: 29234960!! فضحك ملءَ خوفي وقال: “لا تهتم. لا تقلق أبدًا. إطمئنّ”، فاطمأنيتُ، وجلستُ قبالته ألعبُ بشعر ذقني الطويلة أمامه وأتلذّذ بالهيبةِ والوقارِ اللذين يرشحان مني، فيقعان على وجهه بردًا وسلامًا.

ولم أزَلْ أفركُ ذقني وقارًا حتى اليوم، وأنا مُتحيّنٌ لتتمّةٍ ستأتي!