“الوهم أوّل الملذات”

(أوسكار وايلد)

دلفت المرأة المُتشحة بالسّواد عبر سوق عكا، قرب بسطة السّمك المزدحمة بالشُّراة والقريدس الطازج. كانت ترتدي جلبابًا طويلا وبرقعًا أسوديْن غطيا جسدها ورأسها ووجهها كليًا. لم يظهر منها إلا حذاؤها الأسود الخفيض. سارت المرأة المبرقعة في السّوق ببطء، لكنّ العيون من حولها كانت ترقبها بحرص. كان البعض من الباعة وأهل البلدة القديمة يُمعِنون النظر فيها علّهم يتكهّنون زوجة أو ابنة مَن تكون من العكيّين “التي هداها الله”، لكنّ الجلباب الفضفاض والبرقع حالك السّواد لم يتركا أيّ أمل لأيّ أحد بتتبّع تفاصيل جسدها أو وجهها، وعندما التقى نظر بائع السّمك بوجهها من دون أن ينجح في رؤية عينيها وإشباع فضوله، شعر ببعض الإحراج من وقاحته المتفرّسة، فتمتم وهو يفتح بطن سمكة الفرّيدن:

“أهلين خيتا…”

مقابله، وقف سائحان يبدوان أجنبييْن يتأملان منظر المرأة المُتشحة ببرقعها وجلبابها، وعندما همّ السائح الهرم الأشقر، الأحمر بفعل التسفّع، برفع كاميرا “كانون” السّوداء الكبيرة صوبَ المرأة المبرقعة، أمسكت زوجته الشقراء المتسفعة الهرمة بيده بسرعة وتمتمت صوبه ببعض الغضب، فأنزل الرجل المتسفع الكاميرا مُذعنًا حين علت وجهه فجأة بعضُ علائم الخوف، فتطلع من حوله مرتابًا بعض الشيء.

لم تبدُ المرأة المبرقعة غريبة عن المكان والحيّ، فقد كانت تمشي ببطء نسبيّ ولا تتلفت حولها باحثة عن مُستَمْسَكات جغرافية تعينها على المسير في السّوق المضلّلة للغرباء. بل كانت تسير بثقة من يعرف المكان بتفاصيله، التي تكفي على الأقل للسّير في زقاقه المكتظّ بلا وجل، بين أكوام الملابس الرخيصة والحلويات العربية والأسماك والدجاج والبهارات والسوفونير على أنواعها.

دلفت ثانية إلى اليمين لتدخل في زقاق أكثر ضيقًا من زقاق السّوق، تحيطه من الجانبين أبواب بيوت قديمة مهترئة، بعضها حديديّ وبعضها خشبيّ. كان يبدو واضحًا أنها تعرف الطريق جيدًا، فتوقفت أمام أحد البيوت القديمة وأدارت مفتاحًا قديمًا في ثقب الباب الخشبيّ الكبير المطليّ بالأخضر الغامق. دخلت بسرعة وطرقت الباب وراءها.

من على إحدى الشرفات المقابلة للباب الأخضر كانت رتيبة المُسنة تجلس وهي تُقمّع البامية، ناظرة إلى المرأة المبرقعة تدخل البيت القديم في الأسفل.

“ولك يا تهاني…” صرخت رتيبة صوب الداخل.

أتت تهاني على عجل.

“مين هاي اللي فاتت على بيت أبو رامي؟”

“والله علمي علمك يمّا. أكيد قرايبو.”

“مش حكوا إنو نسيبهن أخد البيت للشغل تبعو؟”

“هيك حكوا.”

لم تُشبع الإجابة فضول رتيبة، فسألت:

“معك رقم إم رامي؟”

دلفت كارلا صوب غرفة الصالة الكبيرة، وهي لا تزال تلتفّ بالبرقع والجلباب الأسوديْن. كنتُ أصغي في هذه اللحظة إلى زوجتي في الهاتف:

“وينتا راجع؟”

“مش عارف. عم بشتغل.”

“بدنا حفاضات لدُشَّة.”

“بكرا.”

“ما إنتي عارفها قديش بتشخّ. فش عنا غير اتنين.”

“طيّب. الساعة سبعة. بكفوها للصبح.”

“وين إنتي؟”

“بالبلد. بالاستوديو.”

“استوديو؟؟ اللي بسمعك!”

“إيش بدك إسا؟”

“وينتا راجع؟”

“مش عارف. عم بكتب.”

إقتربت كارلا من ورائي وأحاطتني من الخلف. شعرتُ بملمس جسدها الملتفّ بالبرقع والجلباب.

“تعال إكتب هون.”

“أكم مرة حكينا عَالموضوع؟”

“أي موضوع؟”

“وبعدين مع الله؟؟”

“بعدك بتحبني؟”

(تتمة…)

لشراء نسخة مطبوعة من المجموعة: