بدأت الساحة المتربة بالتحوّل إلى ساحة موحلة، وصار اللعب بكرة القدم المرتجلة المصنوعة من القماش في مثل هذا المطر صعبًا للغاية. أسرع حماده تاركًا رفاقه في منتصف لعبة كرة القدم في الساحة المتربة وبدأ يركض نحو الخيمة. كان حماده يحرس المرمى وعندما اختفى فجأة استغلّ المهاجم ابن السّابعة من الخيمة المقابلة أنّ المرمى شاغر فوجّه الكرة نحو المرمى المبني من حجرين وُضعا في طرف الساحة، ليسجّل هدفًا سهلاً وسريعًا. في تلك اللحظة صرخ أكبر الفتيان عمرًا في فريق حماده بأعلى صوته:

“حماده!!”

لكنّ حماده كان قد ابتعد عن الساحة الموحلة ليدخل في الطريق الضيقة بين الخيم الكبيرة التي أطلق عليها سكان المخيم “شارع يافا”. من “شارع يافا” توجّه حماده راكضًا والمطر يبلله نحو “شارع الكويكات” ثم نحو “شارع المَجدل”، لينتهي ركضه أمام خيمة كبيرة في “شارع قديتا”. كان سكان المخيم –وما يزالون- يطلقون أسماء القرى والمدن على الممرّات الضيقة، وفق المكان الذي أتى منه ساكنو الخيم في كلّ ممرّ. علا اللغط من داخل الخيمة، ثم رأى أخته نجاح ابنة الثانية عشرة تخرج من الخيمة مُسرعة وبيدها دلو معدنيّ مملوء بالماء، لتبتعد قليلا عن مدخل الخيمة حيث أفرغت المياه التي تجمّعت في الدلو، وعادت أدراجها نحو حماده الذي كان يقف عند مدخل الخيمة من دون أن يدخلها، قائلة له بتأفف وهي تنظر إلى الخيمة:

“كمان مره…”

تردّد حماده قبل أن يلحق بنجاح ولكنه في النهاية، واتقاءً للمطر الذي أخذ يشتدّ، دلف إلى الخيمة ببطء وحذر ليرى والده يقف في طرف الخيمة البعيد ويحاول إزاحة الدلو الفارغ ليضعه تحت سيل الماء الذي كان ينهمر من ثقب في سقف الخيمة. كانت والدته وأخوته الثلاثة الآخرون يجلسون صامتين في الزاوية، يحاولون تصنع الهدوء قدر المستطاع، تفاديًا لغضب والده الشهير بسرعة تعكّر مزاجه. حين نظر الوالد صوب حماده، صرخ باتجاهه:

“وين كاين؟”

“بالملعب.”

“كل النهار بالملعب. إفتحلك شي كتاب!”

“فش كتب بالمخيم…”

“أقعد بالزاوية!”

إستجاب حماده لطلب والده الحادّ والنهائيّ وحشر نفسه بين أخوته الصغار الملتصقين بأمهم، ملاذ العائلة حين يغضب الأب. مسحت أمه على رأسه بحنان، فرفع رأسه ليجدها تبتسم له.

“كمان مره؟” سأل حماده وهو يعرف الجواب.

نظرت الأم إليه بيأس حائر، ثم مسحت على رأسه مرة أخرى:

“أكلت يمّا؟”

لم يجب حماده الذي نسي تناول وجبة الغداء قبل ساعتيْن، وهي في الواقع وجبة العشاء أيضًا، فنظر ثانية صوب والده. كان الوالد يجلس القرفصاء إلى جانب الدلو الذي أخذ يمتلئ رويدًا رويدًا بالماء، ويلفّ التبغ في ورقة سجائر بيضاء. أشعل السيجارة فسيطرت على الخيمة فورًا رائحة التبغ البلديّ التي يألفها جميع أبناء العائلة، فتزحزح الأطفال قليلا ليبتعدوا عن حضن الأم. كان الجميع يعرف أنّ إشعال السيجارة مؤشر واضح على انتهاء موجة غضب الوالد، وهي إشارة للجميع بالعودة إلى الحياة الطبيعية. قام الأطفال الثلاثة وتفرّقوا في الخيمة بحذر كبير، فيما أخذت نجاح ترتب الفراش والفرشات في الخيمة التي بعثرتها هي وأمها بسرعة بعيدًا عن الثقب الذي انهمر منه الماء.

قام حماده وجلس إلى جانب الأب. مسح الأب شعر حماده برفق وهو يدخن، ثم سأله بحنوّ:

“أكلت؟”

لم يجب حماده لأنه لم يرغب بإغضاب الأب ثانية، حيث ينسى مرارًا تناول الطعام حين يكون مشغولا بلعب كرة القدم، رغم تنبيهات وتحذيرات أبيه وأمه المتكررة والغاضبة. لكنه لم يرغب بالكذب أيضًا، لأنّ الكذب سيودي به إلى الجحيم قطعًا، حسبما نبّهته أمه مرارًا، أيضًا.

“يا عرص!” قال الأب بغضب مفتعل لم يستطع إقناع حماده، رغم أنّ الأب دفع رأس حماده إلى الأسفل حتى أحسّ حماده بأنّ رأسه سيلتصق بمعدته الخاوية، لكنه ضحك رغم كلّ شيء وهو يعي أنّ أباه يفتعل الغضب. ضحك الأب فجأة وأمسك بأذن بكره الصغير ابن الثمانية أعوام وهزّها بلطفٍ، فضحك حماده معه.

“حُطيلو ياكل”، قال الأب للأم.

“تعال.”

قام حماده إلى طرف الخيمة حيث غطت والدته طنجرة حديدية بغطاء ثقيل، فلما رفعتها تأفف حماده:

“دايمًا مجدّرة؟!”

“إحمد ربك وَلا! غيرنا مش طايل الميْ!” نهره الأب.

“لازم نحكي مع المسؤول. ييجي يشوف قصة هالخيمة”، قالت الأم وهي تصبّ المجدرة في الصحن المعدني صدِئ الأطراف.

“ولك قبل تلات أيام صلحها. رجعت انخزقت!”

“شكلها من الكاجا.”

“رايح جاي هالمسؤول على الخيمة”، قال الأب بصوت أكثر انخفاضًا، ولم يرَ وجه الأم وهو يتضرّج احمرارًا.

هزّ الأب رأسه ثم وقف وألقى عقب السيجارة في الدلو الذي امتلأ حاليًا بالماء، فحمله وخرج به مسرعًا إلى خارج الخيمة، وعاد بعد ثوان بالدلو الفارغ ليضعه تحت الثقب مباشرة. كان صوت الماء المنهمر من الثقب يصدر ضجيجًا معدنيًا مزعجًا، إلا أنّ الأطفال الثلاثة كانوا يعتقدون أنه مُسلٍّ وجميل. عندما جلس الأب بجانب الدلو رآهم ينظرون بفرح صوب الدلو، فأشار لهم بيده:

“تعالوا…”

(تتمة…)

لشراء نسخة مطبوعة من المجموعة: