ليس من السهل على أحد اليوم أن يستعيد ما جرى بالتحديد. حتى محاولات محطة التلفزة الأمريكية الشهيرة باءت بالفشل. فالحديث لم يكن يدور عن جمع شهادات أو وثائق أو أي شيء يمكن أن يؤدي الى طرف خيط ولو بسيط، وعندها تبدأ الحقيقة بالتكشّف؛ والأمر لا يقتصر على هذا الغموض فحسب؛ فالمكان الذي وقعت فيه هذه الواقعة لا يعرفه أحد. كانت هنا وهناك بعض التخمينات والافتراضات حوله، ولكن أحدًا لم يجرؤ على الوقوف والإشارة بسبابته الى جهة معينة والاعلان: هنا!.. لا أحد. لا أحد بتاتًا.

وإذا اعتقدتم لوهلة أن الوضع بالنسبة للزمان أفضل فقد أخطأتم. لا أحد، أيضًا، يستطيع الوقوف والاعلان: حدث هذا قبل إكس من الزمن.. لا أحد يملك الجرأة على مثل هذه المجازفة، لا أحد.. وحتى الذين يُحسبون شهود عيان على ما حصل لا أحد يعرفهم ولم يسمع بإسمهم أحد. مرةً راجت شائعةٌ بأن شاهد عيان قد خرج الى النور، وبأنه سيدلي بشهادته قريبًا. ولكن أحدًا لم يسمع مثل هذه الشهادة يومًا. وبعد مدةٍ لم يعاود أحد السؤال.

وكنتُ أنا أجلس كثيرًا عند عتبة بيت الحاج محمد، جارنا وصديق والدي المقرب، وكان الكثير من جيراننا وأهل البلد يجلسون عند عتبة جارنا الحاج محمد. وكنتُ أتعاطى الأرغيلة عنده وكان هو يتستر علي. فوالدي لم يكن ينظر الى هوايتي المفضلة بعين الرضى. وكنت وأنا أتعاطى الأرغيلة وأراقب دق الطاولة الذي يقترب من قمة التوتر، أستمع يوميًا الى القصة ذاتها مع بعض التغييرات والتلميح والتبهير هنا وهناك. الوحيد الذي لم يكن يتعاطى الأخذ والرد فيما يتعلق بهذه القصة هو الحاج محمد الذي كان يتجاهل الحديث عادةً ويستحث أحد اللاعبين الذي يندمج أكثر من اللازم في رواية القصة، على الاستمرار في اللعب.

وذات يوم، وبينما نحن على حالتنا اليومية المذكورة، توقفتْ أمام العتبة سيارة غريبة عن الحي. مرت بضع دقائق ولم يحدث شيء. لم يخرج أحد من السيارة ولم يدخل اليها أحد. وبعد بضعة دقائق أخرى علت صيحة مدوية: “إنهم هم.. إنهم هم..”.

وفجأة انطلقت السيارة بسرعة رهيبة.

“إنهم هم، إنهم هم!”، استمر الصوت في المناداة.

“سجل الرقم”- نهرني الحاج محمد.

خرجت بسرعة الى الشارع وكنت أرقب السيارة وهي تبتعد بسرعة. بحثت في جيوبي منذهلاً وبحثت أكثر وأكثر ولكنني لم أعثر على قلم. ثم اختفت السيارة.

“هل سجلت الرقم؟”، سألني الحاج محمد وهو يعرف الجواب. ربما أراد معاقبتي. كنت مطأطئًا صامتًا.

“لا يصح ذلك”، جاء صوته معاتبًا، قاسيًا…

رفعت رأسي إليه وعيناي مغرورقتان بالدمع. أردت أن أسأله عن الشيء الذي لا يصح ولكنني لم أستطع.

“لا يصح أن تكون إبن ثانوية ولا تحمل قلمًا”.

عاد الى الداخل وركضتُ أنا بعيدًا. انقضى عليّ أسبوع من الحزن والشعور بالخزي، ولكنني تدريجيًا عدت الى العتبة والى قعدات العتبة. واهتممتُ منذ اليوم الأول لعودتي بأن أحمل قلمًا في جيب قميصي. وكنتُ أهتم بأن يكون مشكولاً في جيب القميص أو البلوزة، بارزًا للعيان. فإذا جاءت السيارة مرةً أخرى، فانه سيكون بامكاني تسجيل رقمها. ولكن السيارة لم تأتِ. ولأنني أخذت أعتاد على حمل القلم، فإنني صرتُ في البيت أعيد كتابة القصص التي أسمعها عند عتبة الحاج محمد، ثم صرت أتخيل قصصًا بيني وبين نفسي وأكتبها. وهكذا صرتُ كاتب قصةٍ.

لشراء النسخة الإلكترونية لأجهزة التابلت والمحمول، يُرجى زيارة هذا الرابط.