أجرت الحوار: عناية جابر

علاء حليحل كاتب ومسرحي ومترجم فلسطيني حصد الكثير من الجوائز الأدبية والفنية عن نتاجاته آخرها مجموعته القصصية «كارلا بروني عشيقتي السريّة»، التي أثارت لدى صدورها ضجة استحسان مدوّية في الأوساط الأدبية، وتحمل في طياتها اللغة الرشيقة والمقاربات الذكية في كل من قصصها التي تكشف مشاهد من حياة فلسطينيي الداخل والخارج إن صحّ التعبير، كما أن أصداءها وصلت مسامع الرئيس ساركوزي، الذي استنكر (على ما قيل) عنوانها الفاضح في الشكل، بعيداً عن إسقاطات الكاتب على هذا العنوان. عن جديد حليحل، ومعه هذا الحوار:

ما الذي دفعك إلى تسمية كتابك تسمية مُستفزة كهذه؟ هل من أجل الانتشار؟

^ قصة «كارلا بروني عشيقتي السرية» التي يحمل الكتاب عنوانها هي قصة ثيمتها «البوست كولونياليزم» (ما بعد الاستعمار). فالعصر الذي نحياه يختلف عن الكولونيالية التقليدية التي سادت حتى مطلع ومنتصف القرن العشرين. الكولونيالية انتقلت من القوة الصلبة إلى القوة الناعمة (في معظم حالاتها)، ونحن كمُستعمَرين أو مُستعمَرين سابقًا، علينا أن نطرح الأسئلة من جديد: هل تغيّر الاستعمار؟ هل تبدّل؟ هل ينظر إلينا بطريقة مختلفة؟ وهل نتعامل نحن معه بطريقة مختلفة خارجة عن إطار المقاومة الفعلية المُسلّحة؟ مثل هذه الأسئلة هي الأساس والقاعدة اللذيْن عليهما تقوم قصة «كارلا بروني». فاختيار مغنية وعارضة أزياء سابقة وزوجة الرئيس الفرنسي (سابقًا) نيكولا ساركوزي، هو جيد بنظري، لأنها شخصية جاهزة تحمل كلّ الرموز التي أريدها من دون حاجة إلى الشرح الزائد. إنها رمز ثقافي وترفيهي وسياسي في الوقت نفسه، وهي معروفة جدًا على مستوى عالمي. بروني هي التجسيد الفعلي لظاهرة العولمة المعلوماتية ولظاهرة ما بعد الكولونيالية بتوجّهاتها الجديدة الناعمة.

فكارلا بكل الشحنات التي ذكرتها تأتي إلى عكا (في قصة وهمية) وتتوق إلى الشرق الإكزوتيكيّ وإلى الرجال العرب السُمر مفتولي العضلات، فيما يتوق الكاتب السّارد إلى باريس. إنها الرغبة ذاتها القديمة، لكنها تكتسب ملامح آنية جديدة ومثيرة للتساؤل: هل حقا يرغب السّارد بترك عكا من أجل باريس، وهل لا تزال باريس تحمل الوهج ذاته بالنسبة إلينا؟ هل علاقة المستفيدين منا من الغرب وما بعد الاستعمار (المجتمع المدني بالأساس) شبيهة بعلاقة كارلا والسّارد حين رمت به إلى الكلاب من أجل عكّاويّ جديد جذّاب؟

«كارلا بروني» في عنوانها قد تكون «سكوب» للإعلام.. إلى أيّ حد أنت مسكون في حلم يشبه هذا السكوب؟

^ لا أنكر طبعًا أنّ اسم بروني في عنوان كهذا هو أمر مثير وقد يكون استفزازيًا للبعض. هذا مَربح جانبيّ أستفيد منه لا شكّ، لكنه يأتي كشيء جانبيّ إلى جانب ما قلته للتوّ عن الاختيار. وفي هذا السّياق لا مانع من أن أقول وبوضوح إنّ انتشار الكاتب أو الأدب هو أمر جيد وممتاز ويجب أن لا نخجل به. نحن نتذمّر دائمًا من أفول نجم الكاتب كبوصلة أخلاقية وثقافية ولكننا نتعفّف من محاولات توسيع رقعة الأدب وقرائه بعناصر جذب مختلفة، منها العناوين الجذابة. هذا تناقض نقع فيه دائمًا ويجب أن نتجاوزه. نحن بحاجة اليوم إلى عناصر جذب وطرق تفكير جديدة للحفاظ على الأدب ووجوده وانتشاره، طبعًا من دون أي تسوية على المستوى والمضمون، وإلا لأصبحنا مجرد بائعي كلام للاستهلاك.

كم يشبهك أسلوبك الكتابيّ الساخر الناقد اللاذع؟

^ لا أحبّ الرموز. قد يُستهجَن أن يقول فلسطينيّ ذلك، لكنني أنفر منها لأنني فلسطينيّ بالذات. الرموز والشعارات المحيطة بها هي اختزال مريب للواقع. أن تُنصّب شخصًا ما كرمز يعني أن ترفعه من منزلة الإنسان الذي يُخطئ ويتردد ويسهو إلى إله صغير (غودو) لا يمكن نقده أو تناوله بسلبية. هذا أمر مُدمِّر. تنصيب عرفات رمزًا هو أمر سيئ للغاية ومسيء للقضية الفلسطينية. نحن يجب أن نتمتع بالحرية المطلقة في حبّ عرفات وتقدير مسيرته النضالية الطويلة، لكن بالحرية أيضًا بنقده ونقد محطات سيئة وأحيانًا مُعيبة في حياته ومسيرته. هذا ليس إنقاصًا من شأنه، بل رفعًا من شأننا. فالشعب الذي يستسلم للرموز هو شعب سهل أن يُركب وأن يُقاد وأن يُهان.

من هذا المنطلق، فأنا لا أرى أنّ الأدب يجب أن يحترم أيّ رمز. الأدب هو السكين التي يجب أن تذبح جميع البقرات المقدسة (ومعذرة على الكليشيه). الجنس والسياسة والدين هي الأمور التي يجب أن يتناولها الأدب، وبقساوة إذا لزم الأمر، ولا يمكن لهذا أن يتمّ إذا كان الكاتب(ة) يتعامل مع نفسه على أنه «كاتب وطني» أو «ملتزم» أو «مُجنَّد». كلّ هذه الصفات تعني مع بعض الاختلافات والمراوحات في التفاصيل، أمرًا واحدًا: خصي استقلالية الكاتب (ة) ككائن بشري وظيفـته الأولى أن يصرخ: الملك عارٍ! لا يمكنك أن تصرخ بأنّ الملك عارٍ إذا كان الملك رمزًا بالنسبة إليك. الوطنية بنظري لا تعني الدفاع عن عرفات أو حماس أو منظمة التحرير بشكل أعمى؛ الوطنية تعني لي أن أتجند لحماية هؤلاء ضد أيّ هجوم يبغي تقويضهم كي يكسرني كفلسطينيّ، وفي الوقت نفسه أن أنتقدهم من قلب البيت الفلسـطيني والعربي. هذه وطنية من الدرجة الأولى، لكنها في الغالب ليست وطنية «مقبولة» لدى كُتاب الصياغات في التيارات الوطنية، اليمينية واليسارية.

نصوصي مثلي تمامًا. هذا هو الشيء الوحيد الحقيقيّ في أدبي. ما تبقى هو خدع سردية وتوليفات درامية تسعى لبناء كذبة جميلة وقوية، كي أقول الحقيقة بواسطتها.

لاجئ

قصة «الخيمة» تختزل الوجع الفلسطيني في المخيمات. كيف تمكّنت من وصف الحال بهذه الدقة، مع العلم أنك لم تعِشْهُ أو تعايشْه؟ وهل من يعيش في خيمة يفكر بغير الوسادة والغطاء واللقمة؟

^ صحيح، أنا لم أعش تجـربة اللجوء والمخيمات، مع أنني بنفسي نازح. أي أنني لاجئ فلسطيني في داخل حدود فلسطين التاريخية، حيث أنّ قريتي قديتا دُمّرت وهُجرت في النكبة وطُردت غالبية عائلتي إلى سوريا ولبنان والأردن، إلا أنّ جدّيّ ظلا هنا ووُلدت أنا هنا. ومع ذلك كانت هناك حاجة لإجراء بحث واستقصاء. أنا أقرأ وأتابع شهادات للاجئين عاشوا في المخيمات. أقرأ من المصدر الأول، وأتعرف على هذه الأمور الصغيرة عبر هذه الشهادات، منها الشفوية ومنها المكتوبة.

تبدو متماسِكاً فنياً ولغوياً في كلّ قصص مجموعتك. هل من تأثر بكتابات عربية أو أجنبية أغنت كتابتك؟

^ أرى أنّ التأثر بالكُتاب هو أمر غاية في الأهمية. لا أعتقد أنّ أيّ كاتب يمكن أن يكتب في 2012 نصًا لم يُكتب من قبل. نحن نعيد إنتاج الثيمات والمواضيع مرة بعد أخرى، لكن في سياقنا اللغويّ والتاريخيّ الخاصّ. وعليه، فأنا أبحث دائمًا عن كُتاب سبقوني وتوصّلوا إلى إنجازات يمكن أن أتعلم منها. مثل: أنطون تشيخوف، يوسف إدريس، سعيد الكفراوي، إميل حبيبي ، محمود شقير، يوسا، ماركيز، ميندوثا، بورخيس، هامينغواي وغيرهم كثر. أنا أحبّ السّرد الرشيق وغير المتكلف، وأكره التوصيفات المفرطة واستعراض العضلات اللغوي. «تحدّث كما يتحدث البسطاء، وفكّر كما يفكر الأذكياء»- قال أرسطو مرة وأنا أوافقه تمامًا».

قصة «هواء البحر» مضمون القصة يكبّر العنوان خصوصاً أنها تتناول قضية التعصب الديني.. الحجاب الإلزامي؟

^ العنوان في هذه القصة بسيـط للغاية، رغم أنه يتعلق بالصراع المركزي في القصة: من يستحق تنفس هواء البحر بكلّ رئتـيه؟ هذا سؤال له علاقة بصميم التعصّب الدّينيّ، خصوصًا في سياق المرأة وحريتها على فكرها وجسدها.