طلبتْ مني أن أشتري لها أولويز ذات الأجنحة. العلبة الخضراء شددتْ. خرجتُ الى العالم البارد وبدأت أمشي نحو الصيدلية. في طريقي الى هناك حاولت أن أتخيل كيف تكون تلك الأجنحة. ومع أننا مارسنا الجنس هنا وهناك وهي مُحاضة، إلا أنني لم أرَ الفُوَط الكبيرة ذات الأجنحة التي تُستعمل في الأيام الأولى. وهكذا حملت جهلي الى العالم البارد غير المكترث بجهلي الفاحش، وخرجت.

وأقول “جهلي الفاحش” لأنه ليس من المنطقي أبدًا ألا أنتبه الى نوعية الفُوَط التي تلبسها وأنواعها، عندما يدهمها الحيض. فالحيض جزء منها وأحد مكوّناتها. وأنا بذكورتي المفرطة تعاملت كل الوقت مع حيضها كفترة زمنية بدون جنس. لم أكن لأنتبه الى ذلك لو أن كلمة أجنحة لم تجذبني. وسأحاول أن أصف قدر المستطاع ما جال في رأسي وأنا في الطريق الى الصيدلية. هذا هو الوقت المناسب لأقول إنني لم أعرف حتى تلك اللحظة التي وقفت فيها أمام الصيدلي المبتسم بتفهم، ما هو سعر علبة فُوط أولويز ذات الأجنحة.

يمكن للأجنحة أن تحمل الانسان فوق الطائر الميمون الى بلاد بعيدة تجلب له البدايات والسعادة المفترضة. ويمكن للأجنحة أن تحمل للإنسان الدمار والقنابل والمتفجرات التي تحمل له النهايات والسعادة أيضًا، ربما. ويمكن للأجنحة أن تكون في رمشة عين، أمنية نطلقها للعصفور المغادر الى بلاد دافئة مخلفًا لنا وراءه بردًا وحزنًا وأقساط أيجار الشقة.  وللأجنحة سحر خاص: أجنحة الملائكة البيضاء، أجنحة الذباب الشفافة، أجنحة الكذب (فالكذب أسرع من الكونكورد كما أذكر)، أجنحة حمامة السلام، أجنحة الفنادق الفخمة وما تحتويه- والأخيرة أكثرها سحرًا وغموضًا. فتصوروا لو أن أحدنا (في هذه المرحلة من الهذيان كنت قد قطعتُ نصف الطريق الى الصيدلية) فاز بنهاية أسبوع في أحد الأجنحة الفخمة في أحد الفنادق الفخمة: الطعام المتقن، الشراب المفعم بالكحول الجيد، البركة النظيفة، المايوهات المعتذرة لاضطرارها لوضع شيء ما من القماش الملوّن القليل، الأمسيات الهادئة، رائحة السجاد النظيف، رائحة الفراش العبقة، الجنس الليلي بلا توقف لأن لا عمل غدًا صباحًا.

وهكذا، وقبل أن أصل الى باب الصيدلية، التقيت بـ “ش”.

“أهلا، كيف الحال؟”

“لا بأس. أنت مختفٍ في الآونة الأخيرة.”

“كلا أبدًا.. أنا مشغول جدًا في الدراسة.”

“أية دراسة بالضبط؟.. نحن في منتصف الصيف.”

“نحن في منتصف الصيف، بالطبع، ولكنني تسجلت لأحد الدروس التي لم أنجح بها في الفصل الأخير، وأنا أتعلمه في هذه الأيام.”

“آ، فهمت. أنت لا تُحسد على ذلك.”

“معك حق.”

“هل داخل الى الصيدلية؟”

“أجل.”

“سأدخل معك.”

دخل قبلي. لم أعرف ما إذا كان علي أن أستمر في المخطط لشراء أولويز ذات الأجنحة أم أن علي التخلي عن ذلك ريثما يختفي عن ناظريّ -أو أختفي عن ناظريه. لأن شراء أولويز ذات الأجنحة أمامه سيثير تساؤلاته وسخريته ربما. لا أخاف من سخريته ولكنني أخشى أسئلته: لمن تشتري أولويز ذات الأجنحة؟.. منذ متى أنتما سوية؟.. هل تشتري لها الفُوط دائمًا؟.. اذا كانت تُرسلك لشراء الفُوط فانكما تمارسان الجنس بلا شك… في الداخل أخذت أدور بين الرفوف. لمحت دون أن أنظر حقًا، رف الفُوط الصحية. ها هي علب أولويز ذات الأجنحة الخضراء. عدت للنظر الى الأماكن الأخرى.

“ماذا ستشتري؟”

“نيروفين. عندي صداع منذ الصباح.”

بدا لي الجواب عبقريًا. فأنا تذكرت في تلك اللحظة التي تعادل واحد بالمئة من الثانية أنه من المفروض أن أشتري لها أيضًا مخففًا للأوجاع، وفي تلك البرهة تذكرت أيضًا أن اسم الدواء المطلوب هو نيروفين. في الواقع أنني لم أتذكر اسم الدواء، ولكنني لفظت اسمه دون وعي. لا شك أن اللاوعي يقذف بمحتوياته عند الأزمات.

اتجهت الى رف الأدوية المسكّنة وأخذتُ علبة نيروفين. كانت الفتاة التي طبعوا صورتها على العلبة تضع يدها على أسفل بطنها وكانت هناك ثلاث حلقات من اللون الأصفر والبرتقالي حول تلك المنطقة، تشير كما فهمت الى موضوع فاعلية الدواء. الشاب الذي كانت مطبوعة صورته من الجهة الأخرى كان يمسك برأسه وكانت الحلقات الثلاث تتمركز حول جانب رأسه. نحن الرجال تؤلمنا رؤوسنا لأنهنّ مركبّات أكثر من اللازم وهُنّ يؤلمهنّ أسفلهنّ لأننا مُسطحين أكثر من اللازم.

“سأذهب الآن. إبقَ على اتصال.”

“بالتأكيد. سلام.”

خرج ولم يعد. توجهت الى رف الفُوط الصحية وأخذت علبة خضراء، كما طلبتْ مني. توجهت الى الصيدليّ اللطيف وابتسمتُ له بدوري.

“الوضع متأزم؟”

“جدًا”، أجبت مبتسمًا.

في تلك اللحظات اعترتني موجة من الغضب المشوب بالخجل واستسخاف الذات. نحن رجلان اثنان، يقفان متقابلان ويبتسمان كمن يعرف سرًا مشتركًا، حميميًا. يجب القول إن (90%) من سكان الكوكب الأرضي يعرفون ما هي الفوط الصحية ولِمَ تُستعمل. حسنًا، (60%)، ولكن هذا كثير في كل الأحوال. وكنّا، أنا وهذا الصيدلي، الذي لم يعد لطيفًا في نظري، نبتسم كالأبلهين وهو يُتكتك على الآلة الحاسبة المحوسبة.

“اسمع”، قال “ش” من وراء ظهري، “قد أزورك الليلة”.

كان من الصعب عليّ أن أستوعب للوهلة الأولى أنه يقف فوق رأسي وأن هذا الصيدلي الأبله لم يُدخل علبة الأولويز ذات الأجنحة بعد الى الكيس الملوّن.

“نعم، بالطبع”.

“في أية ساعة؟”

“متى تشاء. أنا في البيت أدرس الليلة.”

كانت نظرته الى العلبة التي لم يُدخلها الصيدلي ابن الزانية بعد الى الكيس، محتمة. نظر، ثم نظر اليّ. ابتسمتُ رغمًا عني. ابتسم هو رغمًا عنّي.

“تعرف…”، قلت بغباء مترهل.

“لا عليك. النوع الأخضر جيد.”

ابتسمت أكثر. اذًا هو متورط في هذا الفعل أيضًا. يشتري الفوط الصحية لأمرأة عصبية ما في هذا الكوكب. وللتو تبادر الى ذهني السؤال الذي تبادر الى ذهنه على الفور: من هي؟.. لم أسأله بالطبع، وهو لم يسألني. وعندما غادر كنت أعرف ما عليّ فعله فور عودتي الى الشقة: سأطلب منها أن تعود الى شقتها قبل حلول المساء. يجب ألا يراها “ش” عندي الليلة لأنه سيعرف بالطبع أن علبة أولويز ذات الأجنحة الخضراء التي أدخلها الصيدلي ابن الزانية الآن الى الكيس هي لها. وهو سيتذكر ذلك للأبد. إن هذا من تلك الأمور التي لا ننساها. تبقى محفورة في زاوية ما في الذاكرة، مخصصة لتشكيلة واسعة جدًا من المعلومات غير المهمة أبدًا عن الناس الذين نعرفهم ولا نعرف من هم في الحقيقة. وكيف أنها لم تقل لي، الزانية بنت الزانية، أن ثمن علبة فُوط أولويز ذات الأجنحة الخضراء، يكفي لتغطية نصف العجز في ميزانية نيكاراغوا؟…

لشراء النسخة الإلكترونية لأجهزة التابلت والمحمول، يُرجى زيارة هذا الرابط.