قبل نحو عاميْن رأت الفنانة الفلسطينيّة منال محاميد في حديقة الحيوان في كريات موتسكين (بين حيفا وعكا)، أمام القفص المخصص للغزال، يافطة كُتب عليها بالعبريّة “غزال إسرائيليّ”، وبالعربيّة كُتب “غزال فلسطينيّ”. من هذه المفارقة وُلد المعرض الجديد لمحاميد تحت عنوان “Gazella, Gazella, Palestinian Gazella” (جامعة المعرض: رلا خوري)، والذي اُفتتح مساء أمس السبت (11/11) في قاعة “منجم- مختبر حيفا للثقافة”، التي اُفتتحت هي الأخرى مؤخرًا.

معرض “غزالة” من أكثر المعارض الفلسطينيّة التي رأيتها، تماسكًا وجماليّة، من حيث التناغم الكبير والمتين بين الثيمة والأعمال، وبين المقولة والتقنيات. فتقنية الطباعة على الورق بواسطة الحفر على الزنك، هي تقنيّة ممتازة لخلق حالة من “التسطيح البصريّ”، تجعل من التصويرات والصور المطبوعة عناصر ثنائيّة الأبعاد، تفتقر للعمق التلوينيّ، وبالتالي فهي تشدّد على الاغتراب من جهة، وعلى غياب الوجود المحسوس الفعليّ. كأنّ الغزلان بقع حبر مرتّبة بإتقان ليس إلّا. وهكذا، ترى الغزلان المطبوعة في أعمال عديدة بالمعرض وحيدة، حزينة، بلا حياة، رغم أنها تتكرّر في نمط دائريّ يغلب هو الآخر على الأعمال.

أمّا شريط الفيديو في المعرض فهو ببساطة ممتاز! تلتقط محاميد تمثالًا صغيرًا أبيض لغزال وتبدأ بالركض. تركض في عشرات المواقع، براري فلسطين التاريخيّة، كأنّها غزال بنفسها، يتنقل بين البراري والجبال والتلال ومواقع المياه، بخفّة وتلقائيّة. فيديو بلا نصّ، أصوات “الطبيعة” فقط، مسارات يركضها الغزال وحده، من دون توجيه سياسيّ مفروض من فوق (لا توجد حواجز ولا جدران في الشريط)، ثم تعود العدّاءة بغزالها الأبيض إلى نقطة الانطلاق في البحر الميت، لتضعه وسط أقرانه التماثيل البيضاء. التماثيل ذاتها المرتّبة في زاوية بقاعة المعرض على الأرض، تجسّد ببساطة قوية وكبيرة نقيض الغزال بكلّ كيانه: وقوف ثابت، بارد، وحيد، بلا قلق أو جُفول- مميزات الغزال الأبرز.

وهناك قرن الغزال الكبير الأبيض المنتصب في منتصف القاعة، يلعب اللعبة المختالة أبدًا ودومًا: تكبير عضو واحد من جسم ما، خارج أيّ تناسبيّة معقولة، من أجل طرح معانٍ جديدة للجسم الأصليّ: هل الغزال لطيف ودمث وخفيف الظلّ كما نعتقد حقًا؟… (مقالة موسّعة عن المعرض لاحقًا…)

(لتدوينات الـ “300 كلمة” السابقة)

Related Posts

  • 39
    عليه أن يقترب عدة خطوات فقط ليطعنه في قفصه الصدريّ، ناحية اليسار بإصبعيْن، كما قالوا له. بإصبعين لا أكثر ولا أقلّ وعندها سيموت فورًا. سيطعنه كما علّموه في الرّزداق قرب حيفا أمس، حيث أعطوه هذه السّكين الكبيرة، الفرنساوية، وقالوا له: هذه مُميتة. هذه ستقتل أكبر ثور
    Tags: إلى, يا, الكبير, حيفا, حليحل, علاء, فلسطيني, ثقافة
  • 38
    نُشرت هذه الشهادة الأدبية في مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد 96، خريف 2013، ضمن ملف خاص تحت عنوان “نحو أدب فلسطيني جديد” علاء حليحل لسوء حظيّ الشديد، كانت طفولتي سعيدة. ليست لديّ ذكريات دراماتيكية ولا قصص محزنة تختزل الوجع الإنسانيّ كي أرويه للعالم وأبتزّ تضامنه (وأبيعه نسخًا كثيرة من الروايات). أقول…
    Tags: أو, إلى, فلسطيني, حليحل, علاء, ثقافة
  • 38
    كانون الأول الأحد، 21 كانون الأول، 18:00 رام الله، متحف محمود درويش. الجش يُعلن لاحقًا. مجدل شمس يُعلن لاحقًا. ترشيحا  يُعلن لاحقًا.  تشرين الأول الأربعاء، 15 تشرين الأول، 20:00 القدس، بار "البير"، أريسطوبولوس 4، مركز المدينة. الخميس، 16 تشرين الأول، 18:00 رام الله، مركز خليل السكاكيني. الجمعة، 31 تشرين الأول، 20:00…
    Tags: لاحقًا, قاعة, المعرض, السبت, حيفا, علاء, حليحل, ثقافة, فلسطيني
  • 36
    في منتصف شباط 2005 أصيب الكاتب الراحل سلمان ناطور بنوبة قلبيّة تجاوزها، وها هو الآن، بعد عشر سنوات بالضبط، وفي منتصف شباط، يُصاب بنوبة قاتلة لم تمهله. نُشرت هذه المقابلة معه في مطلع آذار 2005 في صحيفة "المدينة" في حيفا، ونعيد نشرها بعد رحيله المفاجئ والموجع، وفيها خططه للسنين القادمة…
    Tags: أو, إلى, أكثر, ثقافة, علاء, حليحل, فلسطيني
  • 35
    من غرائب القضايا التي قرأتُ عنها أخيرًا: الجيش الأمريكيّ يدّعي ملكيته على رسومات رسمها معتقلون في معسكر غوانتانمو! ففي أكتوبر المنصرم أجري في نيويورك معرض لرسمات أنجزها معتقلون حاليون وسابقون في غوانتانمو؛ 30 لوحة عُرضت ضمن "مَغناة للبحر: فن من خليج غوانتنامو" في كلية جون جيه للعدالة الجنائيّة. في أعقاب…
    Tags: المعرض, الأعمال, أيّ, كلمة, فن, معرض, تحت, المفارقة, لتدوينات, الـ