علاء حليحل

لا يمكن للمسرحيتين الأخيرتين اللتين أخرجهما المخرج المسرحي منير بكري أن تبقياك محايدًا بأيّ شكل؛ فإلى جانب التمثيل الجيد في العملين، يمكنك أن تلاحظ بسهولة أنّ العملين يعكسان توجهًا جديدًا لدى بكري في التعامل مع الممثلين والنصّ الذي يعمل عليه، مقارنة بأعمال أخرى سابقة له. أشبه ما يكون بـ “مرحلة جديدة” (معذرة من التناصّ الانتخابي)، يمكن تسميتها بسهولة “قفزة” لدى منير، إلا أنها ليست كذلك؛ فالقفزة تأتي من الأسفل إلى الأعلى، وبكري لم يكن كذلك قبل هاتين المسرحيتين، بل هي ربما “إعادة نظر” أو “ترتيب أوراق”، وأكاد أجزم بأنّ هاتين الأخيرتين من أمتع الأمور إطلاقا لدى كلّ مبدع، وفي الغالب الغالب لا تعود إلا بالمتعة للمشاهد والقارئ.

في المسرحية الأولى بين الإثنتين اللتين أتحدث عنهما، “حْواش” (تأليف نهد بشير)، كسر بكري القالب المسرحي المتعارف عليه (الإيطالي)، الخشبة الأمامية والجمهور، ليخلق مساحة غير مُلزمة لا للممثل ولا للمشاهد. قد يكون هذا تأثير أجواء “المسرح الآخر” حيث عُرضت المسرحية في مهرجان المسرح الآخر في عكا قبل شهر ويزيد. ومع أنّ “حواش” لا تخلو من مشاكل في المُنجَز، إلا أنها تظلّ علامة متميزة في مسيرة بكري المسرحية، حيث أنه هزم فيها ما سأسميه “مُنزلق المسرح الآخر”، أي الفخ الذي يقع فيه الغالبية من حيث استسهال “المسرح الآخر” بافتعال الفوضى أو العبثية غير المفهومة وغيرها من الزركشات غير المفيدة التي يعتقد الكثيرون أنها تنتج مسرحًا “آخرَ” (مهما كان تعريفه).

السرّ في نجاح بكري، في نظري، في الحفاظ على “الأخروية” من جهة وعدم الخوف من التعامل المسرحي المتبع مع الشخصيات. وأقصد بالمتبع العناصر الاساسية والدرامية المعروفة التي لا يمكن الاستغناء عنها: الحالات المسرحية لكلّ شخصية، الأفعال والعمق الحالاتي. من هذه الناحية برزت “حْواش” كمسرحية شخصيات أكثر منها كمسرحية حدث أو تسلسل حدثي. ولكن بكري لم ينجح في التغلب على المأزق الأكبر في المسرحية وهو شخصية الابن (نهد بشير)، التي ظلت غير مطوّرة وغير لازمة أصلا للمسرحية. ويبرز هذا الضعف أكثر وأكثر في مقابل الشخصيات النسائية الممتعة في المسرحية: الجدة (سلوى نقارة) والأم (ربى بلال) والأخت (سماء واكيم)، وأعتقد أنّ هذا الإخفاق يعود في الأساس إلى إهمال النص نفسه لشخصية الابن والإصرار على وجوده رغم ضحالة دوره، كتابيًا ودراميًا.

في المقابل، لم يخفق بكري بالمرة في التعامل مع نصّ الكاتب البولندي سلافومير مروجاك في مسرحية “المغتربان”، إنتاج “اللاز- مسرح مازن غطاس”، والتي أنتجت وعُرضت في مهرجان الميدان الأخير، وعُرضت نهاية الأسبوع الماضي في قاعة “اللاز” في عكا ضمن نشاطات “ائتلاف أهالي عكا”. فالنصّ الجميل والمثير شكّل متكأً متينًا للإخراج والتمثيل، حيث بدا واضحًا تكامل الطاقم وعمله، خصوصًا في نجاح الممثلين صالح بكري وإيهاب سلامة في بناء “بينغ بونغ” بين الشخصيتين، صمد طوال المسرحية وأنصف النصّ. في هذا العمل برز بكري كمخرج يتقن قراءة النصّ المسرحي وفهم أبعاده وما تحته (السّبتكست)، بحيث يرتفع بالنصّ إلى مستوى أكبر، من دون أن يطغى عليه أو يقاومه.

كما أضفى تصميم الفضاء المسرحي (نبيل دوحا) على تثبيت عنصر الفراغ والاغتراب الذي يلفّ شخصيتي المغتربين، من جهة تصميمه، كما أتكهن، تحت عنوان “المؤقت”؛ فكل شيء على الخشبة مؤقت، معلق بأشرطة شفافة على علاقات ملابس، تجعل من الخشبة مسرحًا يمزج بين المكوث غير المؤكد من جهة، وبين ديمومته الفعلية من ناحية الشخصيتين. كما أنّ أداء الممثليْن (بكري وسلامة) المتميز شكّل رافعة ممتازة للمسرحية، ولا أذكر أنني شاهدت الاثنين في عمل مسرحيّ يسعى للتكامل مثل هذا العمل. فهذا العمل يشكل رجعة ممتازة لإيهاب سلامة إلى الخشبة كممثل، بعد انقطاع غير قصير. في قلب هذا الحضور المتميز لمنير بكري، يصبح العمل القادم له تحدّيًا أكبر للحفاظ على ما أنجزه أو لدفعه قدمًا.

(نشرت هذه المادة في مجلة “ترفزيون”، تموز 2003)