تحدثنا أمس، صديقي ماهر وأنا، عن الاعتداء على مقهى ليوان في الناصرة، وكان ماهر قاطعًا وواضحًا: الاعتداء بقنبلة صوتية على حدث ثقافي لا يزيد خطورة أو تميزًا عن سطو مسلح على مصلحة تجارية أو شخص خارج من بنك. العنف هو عنف.

حسنًا. مبدئيًا صحيح؛ لكنّ هل هناك فرق مبدئيّ وجوهريّ بين استهداف رجل ما لسرقة 100 ألف دولار منه، وبين استهداف حدث أدبي- ثقافيّ لترهيب الناس وتخويفهم من “الاختلاط” بين الذكور والإناث معًا؟ سيقول قائل: بالتأكيد؛ الحالة الأولى دافعها ماديّ ذاتيّ بحت لا علاقة له بالحيّز المجتمعيّ العامّ، ولا بالصراعات الدينيّة- الثقافيّة التي غزت مجتمعنا منذ سنوات. لكن: أليس استهداف مصلحة تجاريّة ضمن منظومة “الخاوا” هو خلل مجتمعيّ لا يقلّ خطورة عن الصراعات الدينيّة- الرجعيّة- التقدميّة؟

ثم يأتي السؤال فورًا: وماذا يمكن لأهل الثقافة والأدب أن يفعلوا غير الاستنكار والتضامن على الفيسبوك؟ هل بوسعهم إلقاء قنابل صوتيّة بالمقابل، أو الانتصار في طوشة عموميّة على المعتدين؟ الجواب طبعًا واضح، ولكن هل يعني ذلك السكوت والخنوع والاستسلام سلفًا؟ وإذا كانت المعركة محسومة سلفًا (أﭙـْريُوري) لصالح ضَرِّيبة القنابل والعصيّ، أنموت من دون معركة وعراك؟

أحد أصدقائي المقرّبين كتب سيناريو عن مجموعة فنانين ومثقفين يتحوّلون إلى مافيا مُسلّحة لحماية المركز الثقافيّ في البلد من… مافيا مسلحة أخرى! موقف عبثيّ مليء بالكوميديا الحالكة والأسئلة المُلحّة: أهو الصبر وحسن الانتظار ما سيُمكّننا من الحفاظ على مساحة حريّة في الحيّز العام لفعاليات ثقافيّة- ترفيهيّة- الدليل الأبرز على حيويّة وفاعليّة المجتمع (باستثناء المجمّعات التجارية!)؟

ماهر متشائم- وأنا أيضًا. فكرة إنشاء منظمة “زعران الحركة الثقافيّة” طُرحت في جلسة ساندويش الباذنجان وكرات اللحم بعكا بكثير من اليأس والمزاح الثقيل، واستشهد ماهر بالقوى الضاربة التي نشطت حول الحزب الشيوعيّ عندنا سابقًا.

لكنّ إنشاء هذه المنظمة بحاجة لأدويشنات ومقابلات عمل، يستعرض فيها الممثل قدراته على بطح الأعداء من دون مونولوج شكسبيريّ، ويجب فيه على الكاتبة أن تثبت أنّها قادرة على تغيير مسار الحبكة أمام “جْلوبْ” داعشيّ أو رجعيّ من دون مبالغات دراماتيكّة.

(لتدوينات الـ “300 كلمة” السابقة)