من مخيم قندهار في فلسطين..

 علاء حليحل

 (1)

الأنقاض في مخيم جنين، يوم الأحد من هذا الأسبوع، كانت ما زالت على حالها. اللهم الا جرافة وشاحنة كبيرتين تحاولان فتح الطريق من فوق الى تحت، ومن تحت الى فوق. لم يقرروا بعد ما الذي يجب فعله. البعض يريد تحويله الى متحف ولكن الكثيرين يريدون إعادة البناء وبسرعة. لا أحد ينظر الى الأنقاض، سوانا. نحن الصحفيين والمصورين. ينظرون الينا بشبه استسخاف. الاستسخاف الذي يسيطر على من مرت جهنم على صدره قبل قليل، وهو ينظر الآن الى هؤلاء الزوار المدججين بكاميراتهم ودفاترهم الصفراء وأحذيتهم التي لم تعتدْ أبدًا على هذه الكمية الخانقة من الغبار. الغبار هو سيد الموقف اليوم في مركز مخيم جنين. الغبار الذي ينثر معه الجدران المحطمة والشوارع المهشمة والنوافذ التي كانت تطل على الاكتظاظ واليأس وانعدام المستقبل. تحت الانقاض ترتمي خجلى بقايا محتويات البيوت. أفرشة، أغطية، معدات مطبخ، ألعاب للصغار، كنبات لم يبق منها الا إسمها. وأطنان من الغبار. أطنان لا نهائية من الغبار.

 (2)

أدور حول الانقاض. على الجدران المسترخية على بعضها بحياء شعارات بالانجليزية والعربية: “We will stay here coz we are the stronger”، “Give me liberty or give me death”، “لن نغفر ولن ننسى ولن نرحم. عائدون”، “خطر الاقتراب والسكن”. شعارات البقاء الى جانب تعليمات البقاء. قبل يومين انفجر لغم وقتل ولدًا وجرح اثنين آخرين. ينتابني شعور منغّص بأنني سائحٌ فوق الردم. تنقبض نفسي. كنت أنوي البحث عن بقايا أغراض تشهد على الحياة التي كانت هنا. بدت لي هذه المهمة مستحيلة وأنا أسرع في الهروب من هذا المشهد. لم أسجل شيئًا من هذه البقايا. كل ما هناك يشهد على جرائمهم، ويشهد على عجز من هم خارج المخيم. مجموعة من الأطفال تتجمع حولي. وعدتهم بتسجيل أسمائهم في الجريدة: محمد ياسر (6 سنوات)، هيثم عبد (10)، محمد ناصر (9)، أحمد ياسر (9) وأسعد (11). مراد عبد الحكيم (16 عامًا) داس على لغم قبل يومين وقتل على الفور. يقولون لي إنه أخو هيثم. هيثم يهز رأسه تأكيدًا: “… سمعت الانفجار. بقيت واقف. بعدين رحت شفتو. لقيتو مستشهد. بعدين حملتو السيارة وودتوا عالمستشفى. رحت قلت لأبوي. قلتلو إنو استشهد ورحنا دفناه. كنت صحاب أنا وياه كتير…”. هيثم روى القصة بجفاء وبدون تردد. الجمل كانت تخرج من فمه عادية وحيادية. كان يتحدث عن اثنين آخرين، ليس عن أخيه وعن نفسه. لم أستطع رؤية بوادر دموع في عينيه. لم أستطع رؤية شيء يمكن تسجيله في عينيه. “وماذا الآن؟”، سألته بحذر. “هلأ حرب، ما في سلام”.

 (3)

نزلت الى البقالة الصغيرة بخجل كئيب. بعد نصف ساعة فقط من الوصول انتابني تعب فظيع. دخلت لأشتري قنينة ماء. ثم تراجعت. قبل أسبوعين كنا عند الحواجز نحاول إدخال الماء والغذاء الى هنا. هل إذا سألته عن الماء الآن سينظر إليّ باستهزاء؟ هل سيقول: “مي؟ منين المي؟”. ألقيت السلام. كانوا ثلاثة. بلال عبدالله دمج، من سكان المخيم، أدار الحديث: “بيتي تهدم. أنا كنت ساكن هون… هذا المكان المهدم إسمه حارة الحواشين. الأهل كلهم بخير”. أسأله عن فكرة المتحف. “الناس لن يقبلوا. إنظر الى هذا المنظر. بالاضافة الى الحشرات والجرذان والأمراض. أريد أن أعمر بيتي وأن أسكن هنا ثانية. لقد عشت في هذا البيت 35 سنة وتريدني أن أحوله الى متحف؟”. أسأله عن تخليد الجريمة. يقول: “تخليد الجريمة هنا في القلب وفي الذاكرة. بعدين هذه ليست أول مجزرة نمر بها. تذكر دير ياسين، صبرا وشاتيلا.. هذه ليست أول مرة. كما أننا نريد أن نربي أولادنا. كيف ستربي الأطفال وسط هذه المناظر؟ هل يقوم ابني كل يوم ويرى بيته الذي كان يعيش فيه أنقاضًا؟”.

البقالة مظلمة. بدون كهرباء. الحاجيات على الرفوف مغبرة وليس هناك أي دليل على أنها تحمل في أغلفتها قوتًا للحياة. “ماذا مع عرب الداخل؟ كيف تراهم اليوم؟”. يقول: “عرب الداخل إخوتنا. بعد ما حدث مؤخرًا ازدادت العلاقة وتوطدت. نحن شعب واحد بدون شك. الترابط إزداد كثيرًا… أنظر، عرب الداخل عايشين بين اليهود ولكن الشعور بالوطنية عندهم كبير. لقد وقفوا معنا وقفةً لن ننساها”. يسألني من أين أنا، فأجيب. يقول بتلهف: “وأنا أيضًا من حيفا. من الحليصة. بيتنا الى جانب جامع الحاج عبدالله. لقدام شوي. أنا أشتاق لحيفا. كان لدينا بيت كبير جدًا. عندما كنت أعمل في اسرائيل كنا نميّل أحيانًا وننظر الى البيت”. بلال لا ينتظر الأسئلة مني. أستسلم له كليةً: ” نحنا ما شفنا الـ 48، لكنا شفنا الـ 2002… بعدين كل الوعود بإعادة الاعمار، هي مجرد وعود. منذ أيام وهم يجمعون الأسماء. لجنة الطوارئ تجمع أسماء من تهدمت بيوتهم. أنا مستأجر الآن في المدينة (جنين). لقد سمعنا أن العراق سيرسل 25000 دولار لكل بيت مهدوم. انشالله. بعدين في مشكلة البيوت نفسها. يعني قبل الهدم كانت هناك بيوت بمساحة 60 مترًا وبيوت بمساحة 200 متر. كيف سيبنون الآن لا أحد يعلم. هذا أمر مهم جدًا لنا”. أسأله لماذا لم يأتِ أبو عمار الى المخيم. “يعني أبو عمار كان مقرر ييجي على المقبرة وعملوا له منصة في المخيم. عشان هيك صارت أزمة ناس لا تُصدق. فراح على البلدية والتقى ببعض أسر الشهداء وبعدين لفّ بالطيارة من فوق وروّح. نحنا سمعنا من مسؤولين في السلطة إنو كان في خوف على الرئيس من الألغام”. بلال يقول في النهاية مع شبه ابتسامة ومع الكثير من الفخر: “المخيم عنا هون صار اسمو في العالم مخيم قندهار، ومخيم بلاطة صار إسمو مخيم تورابورا. نحن نسميه هكذا أيضًا”. أسأله عن الشارع والوحدة الوطنية الآن. يبتسم بحرقة: ” أثناء الاجتياح كنا يد واحدة. ولكن ما يخربنا الآن هي الأموال التي تصلنا. الأموال تصنع فتنةً وفسادًا. بعدين دايمًا في أخطاء…”. وماذا مع الانتخابات المقررة الآن؟ بلال: “نحن لن نشارك في الانتخابات. هناك غضب كبير الآن. هناك شعور كبير بمؤامرة. مثل تسليم المعتقلين والمقاتلين في رام الله وإبعاد الأخوة في بيت لحم… واستقالة العشرين وزيرًا؟.. الحقيقة أن عرفات شالهُم.. ولا وزير يتجرأ على تقديم استقالته لوحده. ولا وزير”.

 (4)

محمد (إسم مستعار) في الثالثة والعشرين من عمره. على خاصرته مسدس ووجهه يحمل آثار حروق سوداء. محمد هو الشخصية الأبرز اليوم في حركة المقاومة في مخيم جنين. منذ الاجتياح، وبعد سقوط المخيم، يعيش محمد في الخفاء. حول البيت الذي جلسنا فيه مجموعة من الشبان والأولاد، تترقب وتبلّغ عن كل حركة مشبوهة. محمد لا يتوقف عن الابتسام. لا يتوقف أبدًا الا إذا اغرورق في الضحك. أسمرٌ، وجسمه متينٌ وصلب. آثار الحروق لا تشغله أبدًا والأيام الثلاثة التي قضاها تحت الردم في المخيم لا تستأهل عنده أكثر من جملة عابرة، مع ابتسامة معتذرة وخجولة. ربما كان يحاول أن يعتذر عن أنه يتحدث عن الموضوع، أو أنه بقي على قيد الحياة بعد مقتل زملائه. محمد: “هل يعتقدون أن المقاومة انتهت؟ المقاومة ليست نحن، ليست الشبان الذين قاتلوا. يمكنهم الآن أن يقصفوا هذا المبنى وأن أموت. هل ستنتهي المقاومة؟ المقاومة هي أكبر بكثير. هي هؤلاء الفتيان أيضًا..”. هؤلاء الفتيان كانوا مجموعة من الأطفال يتحرجمون حول الشباك الكبير المهشم الذي كان يطل على الشارع الذي تُمعل فيه الجرافة حربتها المسننة. محمد حارب ستة أيام مع زملائه ثم هدمت جرافات الاحتلال البيت عليهم. بقوا تحت الردم ثلاثة أيام. الآن بدا متفائلاً أكثر من أي وقت: “ماذا سيفعلون أكثر من ذلك؟ فليأتوا مرة أخرى”. أسأله عن العمليات الفدائية داخل الخط الأخضر التي توقفت حاليًا (في طريق العودة الى حيفا سمعنا في الاذاعة عن عملية في سوق نتانيا). “أنظر، الجميع ممن أعرفهم يريدون الخروج والاستشهاد. ليس هناك أي قرار من التنظيمات المختلفة بوقف العمليات. العمليات لا تتم بقرار فوقي. هناك منظم العمليات الذي يتوجه اليه شاب يرغب في الشهادة. يرتب له الأمور ويخرج الشاب الى هدفه. وأحيانًا يخرج الاستشهادي لوحده وبتدبير منه فقط. مثل العملية قبل أيام في مجيدو. الشاب حمل 3 كيلوغرامات من المتفجرات وهذا قليل جدًا قياسًا بما هو متبع”.

وماذا مع العرب في الداخل؟

محمد: “العرب في الداخل أهلنا ونحن حذرنا ونحذر العرب من التوجه الى أماكن مأهولة باليهود”.

وماذا مع مطعم “ماتسا” في حيفا قبل أسابيع، قُتل هناك عربي…

محمد: “الشاب الذي نفذ العملية عمل هناك من قبل ولذلك توجه الى المطعم. والشاب العربي الذي قُتل هو شهيد مئة بالمئة”.

يذهب محمد ويعود بالقهوة. أسأله: وماذا مع أبو عمار؟ يجيب مبتسمًا: “أبو عمار غير مرغوب فيه هنا. قبل أيام أراد القدوم الى المخيم. قبل أن يصل فجرنا لغمًا وأطلقنا الرصاص في الهواء. عرفات فهم البلاغ وتوجه الى البلدية. ذهبت الى هناك. على الباب طلبوا أن أبقي مسدسي في الخارج فقلت له اذهب من أمامي. في الداخل طلبوا أيضًا وصرفتهم. عند الحلقة الضيقة من الحراس حول عرفات لم يسمحوا لي بالاقتراب اكثر. دار جدال بيننا. سمعه أبو عمار. طلب منهم أن يسمحوا لي بالاقتراب. سألني عن إسمي وحاول أن يقبل يدي فرفضت. ثم أرغمني على أن يقبل رأسي. ثم سألته: وين كنتوا يا ياسر؟.. وذهبت”.

محمد مخطوب. عمر خطيبته (16) عامًا. لا يعرف متى سيتزوج. محمد يراوح في حياته بين الخفاء وبين العلانية، وهذا أمر صعب جدًا في مثل هذه الظروف. أسأله إذا كان يخاف من العملاء على حياته. محمد: “أبدًا. هناك جواسيس طبعًا. ولكنهم غير منتشرين عندنا في جنين. لم يحدث أن اغتالوا قياديًا من الطائرة إلا مرة واحدة فقط. ليس كما في رام الله. رام الله مليئة بالجواسيس. والمقاومة هناك ضعيفة جدًا. لماذا؟.. لأن رام الله مليئة بالبارات والبيرة وحياة الصياعة. كيف سيقاومون هؤلاء؟ عندنا في جنين لم يُفتح حتى الآن أي مكان لشرب الخمرة. الصبايا عندنا لا تمشي في الليالي في الشوارع. ما زال عندنا تمسك بالدين والشهادة. هذا هو الفرق”.

وأنت مع قتل العملاء؟

محمد: “أبدًا. هذا أمر سيء جدًا. أولاً على العملاء أن يعيشوا في خوفٍ دائمٍ من الموت في أية لحظة. هذا يرعبهم أكثر من الموت نفسه. ثانيًا: يمكن أن تُستغل هذه العملية من أجل تصفية حسابات بين التنظيمات أو الأفراد. من السهل أن تتهم واحدًا بأنه عميل وأن تقتله بسبب ذلك. هذا سيؤدي الى فوضى كبيرة وربما الى حرب أهلية”. وماذا الآن، أسأله. محمد: “الآن مقاومة ومرة أخرى مقاومة. أنا مهجر من الداخل، هل سأنسى بلدتي؟”. يعني أي اتفاق سياسي لن يرضيك؟ محمد: “على العكس. سأرضى باتفاق سياسي حتى بدون حق العودة. نحن في 3% وبنينا مقاومة، فكيف بحدود الـ 67؟ اذا أصبحت لدينا دولة فستشكل قاعدة لمقاومة أكبر في المستقبل. الاتفاقات التي لن تضمن لي حق العودة هي مرحلية فقط”.

 (5)

جوليانو مير-خميس هو ممثل معروف جدًا. في المعايير الاسرائيلية هو نجم غير منازع. أبوه، المرحوم صليبا خميس، قيادي ومناضل شيوعي مخضرم، وأمه آرنا مير، يهودية شيوعية يسارية. جوليانو انتقل من النقيض الى النقيض. من الخدمة في الجيش الاسرائيلي الى التفرغ الكلي لخدمة ابناء مخيم جنين. في عام 1988 أقامت أمه آرنا ورشات عمل فني في مخيم جنين. وخلال سنوات تطور المشروع الى مسرح مع قاعة وعروض مسرحية يقدمها أبناء المخيم. في هذه العروض برز ممثلان يافعان: أشرف أبو الهيجا ويوسف سويطي. الاثنان قتلا في الأشهر الأخيرة. يوسف في عملية في الخضيرة قتل فيها أربع نساء وأشرف في المقاومة في المخيم، بعد أن نفدت الذخيرة وقتل من معه، فربط على خصره حزامًا من المتفجرات وألقى بنفسه من الشباك على الجنود، وقتل منهم عددًا. الاثنان توثقا منذ طفولتيهما في أفلام وثائقية وفي المسرح في المخيم. جوليانو يعمل في هذه الأيام على تجنيد الأموال لانتاج فيلم يروي قصة هذين الشابين، اللذين كانا يعشقان الحياة في الطفولة، وصارا يعشقان الموت (الشهادة) في كبرهما. كل ذلك نتيجة الاحتلال. مثل هذا الفيلم هو إنتاج هام جدًا للقضية الفلسطينية، خاصةً في العالم الذي لا يقرأ إلا عناوين الصّحف وينتقل بين مشاهد المخيم المدمر وآثار العمليات داخل الخط الأخضر في نشرات الأخبار المسائية. جوليانو هو إبن بيت في المخيم. الصغير والكبير يعرفه، وأمهات الشهداء اللواتي زرناهنّ في المخيم فتحن قلوبهنّ له حتى النهاية. حتى أنهن عندما أرَدْنَ أن يقلن أمرًا مخجلاً بعض الشيء كُنّ يتأكدن من أننا (العرب) لا نسمع ما يقلنَه لجوليانو. وعند الجهة الأخرى من الحاجز، حاجز مجيدو، كان الجنود الاسرائيليون يتهافتون على جوليانو لأخذ توقيعه على ورقة. جوليانو كان يوقع لهم وهو يعرف أنه بهذه الطريقة يضمن الدخول المستمر الى المخيم، الذي يبدو أنه سيعود اليه كثيرًا في السنوات القادمة. مشهد آخر من مشاهد مخيم جنين، مخيم قندهار في فلسطين.

تعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *