كانت عبلة تتمدّد على بطنها عارية تمامًا بعد أن تلقت أجرتها حتى آخر قطرة عرق. الظرف البني الكبير احتوى على أكثر من عشرين ورقة بخطّ عباس. قام سمير وأحضر قنينة النبيذ الثانية، فتحها، سحب كرسيًا وثيرًا إلى الشرفة وأخذ يقرأ ما ودّ له عباس أن يقرأه.

“قبل أن تقرأ التفاصيل الواردة في الأوراق التي بين يديك أودّ أن أوضح أمرًا هامًا. يمكنك أن تسمّيه اعترافًا. لا أعرف للآن ما إذا كان عليّ أن أكرهك أم لا. في لحظات الضعف المدمرة أودّ لو أقطعك إربًا أنتَ وأميرة وأتمتع بإلقاء القطع واحدة واحدة إلى المرحاض. ولكن في لحظات الصّحو والصفاء القليلة أعذركما على ما فعلتماه وأحاول اختلاق التبريرات والأعذار وكأنّي وكيلكما ومهمتي الدفاع عنكما أمام نفسي. أعتقد أنه ليس باستطاعتي أن أكرهك. حتى لو أردت ذلك واقتنعت كل الاقتناع بخيانتك لي وغدرك القاسي. من الواضح لي أيضًا أنني أكره أميرة الآن. أكرهها أكثر من أيّ شيء في الوجود. لن أستطيع مسامحتها يومًا أو تفهمها.

“لن نعود أصدقاء أبدًا، حتى لو حافظنا على علاقة اجتماعية مُسالمة لكلينا، ولكنني على ما أظن، لن أستطيع فقدان الثقة التي أكنها لك. قد يبدو الأمر مناقضًا للمنطق السليم: تخونني مع حبيبتي وتضربني في صميم قلبي وحبّي لكليكما ومع ذلك أظلّ أثق فيك. لا أملك تفسيرًا ولن أجتهد في ذلك.

“بالنسبة لبقية الأوراق. تلقيت قبل ثلاثة أيام مكالمة هاتفية تلقيت فيها تهديدًا بالقتل إذا لم أكفّ عن ملاحقة قضية الرشاوى. لا أعتقد أنّ الأمور ستتحوّل إلى فيلم بوليسي، ولكنني آثرت توثيق كل المستجدات وحفظها في مكان آمن، كخطوة احتذارية. عندما تقرأ الأوراق ستعرف مدى خطورة المعلومات التي زودتني بها العميلة، ناهيك عن كونها مثيرة للغاية. إذا حصل لي مكروه، سلّم الأوراق لكلّ الصحف وللشرطة، ولكن هذا مستبعد. سأواصل إرسال مثل هذه الأوراق إليك وبإمكانك التخلص من الأوراق التي تحوي معلومات في حالة نشرها. شكرًا.

“بعد إلقاء القبض على مئير چولدمان، مشغّل غريغوري، ويوسي ميخائيل تمّ التحقيق مع الاثنين واستمرّ لأكثر من اسبوع. التحقيق كان صعبًا للغاية وكان يديره طاقم خاص من ثلاثة محققين. المنفذ الوحيد أمام المحققين لكشف الشبكة كلها وتجريم “الرؤوس الكبيرة” هو صفقة مع چولدمان يكون بموجبها شاهدَ ملك، يشهد على الشرطيين المتورطين في القضية وعلى العاملين معه في مجال الدعارة. مقابل ذلك يحظى هو بستة أشهر عمل في خدمة الجمهور. بعد مداولات طويلة وافق المدعي العام على الصفقة وهكذا كان. قُدمت لوائح اتهام ضد الشرطيين الأربعة المتورطين في القضية وضد المشغلين الإثنين الآخرين وسبعة من العاملين معهما. بالاضافة تمّ طرد أكثر من أربعين فتاة عاملة من البلاد وإغلاق كلّ “المكاتب” التابعة للشبكة في حيفا. التقديرات التي وصلتني بما يتعلق بعددها تفي باثني عشر “مكتبًا”. وهنا تبدأ القصة.

“الصفقة التي أبرمت مع چولدمان تناقض الاتفاق المبرم مع غريغوري سابقا. بحسب الاتفاق السابق والذي أبرم مع طاقم محققين قديم في بداية التحقيق وتنفيذ الخطة يحظى غريغوري بعفو تام وبتذاكر سفر له ولعائلته إلى أيّة دولة يرغبون في السفر إليها. بحسب الاتفاق الجديد الموضوع على يد طاقم المحققين الجديد يُحكم على غريغوري بثلاثة أشهر عمل في خدمة الجمهور بالإضافة إلى تعهّد بعدم مغادرة البلاد إلا بإذن من الشرطة. هذا الأمر أثار غضب غريغوري وحقده على رجال الشرطة، فتشاجر مع المحققين وشتمهم وحاول ضربهم، فألقي به إلى الحبس الانفرادي لمدة أسبوع. في نهاية الأسبوع أخرج إلى التحقيق مجددًا ولكنه استغل تهاونًا وإهمالاً في الحراسة ففرّ من الحبس، بعد إغلاقه الزنزانة على الشرطي.

“هذا الأمر أعطاه المتسع الكافي من الوقت للذهاب إلى بيته، والأرجح أنه أخذ منه نقودًا وجواز سفره. التحقيق مع أفراد الأسرة فيما بعد لم يُفضِ إلى أية نتيجة. قضية فرار غريغوري والاتفاق المبرم معه غير معروفيْن لأحد سوى لطاقم التحقيق. بعد يوميْن اتضح للعميلة السرية أنّ اختفاء غريغوري لا يقلق الشرطة وحدها، بل يقلق محكمة الصلح في حيفا أيضًا. فسكرتير المحكمة كان يتصل كل ساعتين للسّؤال عن التطورات وعن مجرى البحث عن غريغوري. هذا الاهتمام بدا غريبًا لكلّ من له صلة بالقضية وطُرح الموضوع في الجلسة الاسبوعية مع المفتش العام للشرطة حول القضية. كان هذا كافيًا للطلب من الشاباك بالتدخل في القضية واكتشاف سرّ اهتمام المحكمة في مصير شخص لم تُقدم ضده حتى الآن لائحة اتهام. نسخة عن تقرير الشاباك مرفقة بالأوراق وسأكتفي بخلاصته: شموئيل هسيفري، أحد القضاة في المحكمة، هو الذي وكّل سكرتير المحكمة بمتابعة التطورات لأنّ غريغوري يمتلك شريط ڤيديو يوثّق القاضي في إحدى زياراته لأحد “المكاتب”. وممّا زاد الطين بلة أنّ الشريط يعرض مشاهد مخجلة للقاضي الذي كان متنكرًا فيها لقرد مطيع!

“لم يترك هذا الكشف مجالاً للتساهل في قضية فرار غريغوري. البحث عنه دخل في وتيرة قصوى وأصبح القبض عليه من أولويات الشرطة على الإطلاق. ممّا عرفته حتى الآن يتّضح أنّ البحث عنه لم يُفضِ إلى شيء البتة. غريغوري ما زال طليقا وبحوزته شريط الڤيديو. العميلة السرية أخبرتني أيضًا بالاجتماع الطارئ بين المفتش العام للشرطة وبين القاضي هسيفري قبل يوميْن. في الاجتماع تمّ الاتفاق على إبقاء أمر الشريط سرّيًا في أضيق نطاق ممكن وتسليم الشريط للقاضي فور إلقاء القبض على غريغوري وبعدها يستقيل القاضي بهدوء ومن دون فضائح وجرائد. في نفس اليوم وصلت معلومات إلى أحد المحققين في الشاباك مفادها أنّ غريغوري غادر البلاد يوم فراره من السجن. هذه المعلومة تأكدت بعد أن قامت زوجة غريغوري بحجز تذاكر سفر لها ولعائلتها بعد يوميْن من اختفاء غريغوري. لم تستطع الشرطة إصدار أمر منع مغادرة ضد العائلة، والعائلة ستكون في طريقها إلى روسيا مساء الاثنين.

“من التفاصيل المتوفرة حتى الآن لا يمكن الخروج بتقرير مثبت لأنني لا أملك الشريط ولا أعرف طريقة للوصول إلى غريغوري. كل نشر عن الموضوع سيعرّضني والجريدة لطائلة دعوى قضائية. أنا انتظر الآن معلومات جديدة من العميلة ولكن هذا ليس مضمونا لأنها نُقلت إلى قضية أخرى.

“تأكد من أن يبقى كل ما قرأته سرًّا بيني وبينك ولا تطلع أيًّا كان على فحوى الأوراق. تأكد أيضًا من سلامة نقطتي الشمع عند زاوية الظرف لئلا تكون عبلة قد فتحته من قبلك”.

(إلى صفحة الرواية)