“لماذا تأخرتَ بحق السّماء؟”

صاح عباس غاضبًا وهو جالس في “المقهى الصغير” في السابعة مساءً من يوم الجمعة. كانت كل نشرات الأخبار في الراديوهات في البلاد تتناول “الكشف الخطير الذي تمّ على يد الصحفي عباس الجنوبي، عن قضية رشاوى وفساد لا مثيل لها في الشرطة الإسرائيلية”. القناة الثانية للراديو أجرت معه لقاءً مطولاً عن القضية والقناة الثانية للتلفزيون عرضت عليه الذهاب إلى نشرة الثامنة مساءً. عباس رفض “لأنه لا يريد أن تتحوّل القضية إلى إنجاز شخصي فقط. القضية أخطر من هذا”- كان يحاول إقناع منتجة النشرة برفضه الغريب. ما يهمّ أنّ عباس الجنوبي تحوّل بين ليلة وضحاها إلى الشخصية الثانية الأكثر شهرةً في الدولة بعد دانا إنترناشيونال.

“لم أتأخر”، قال سمير بما يشبه الاعتذار.

“حسنا إجلس. ماذا تشرب؟”

“كالعادة.”

أشار عباس إلى النادل الذي جلس في الداخل وصاح بأعلى صوته:

“بيرة هاينيكين!”

“لن تتغير أبدًا”، حاول سمير استفزازه، “أصبحتَ نجمًا وعلَمًا وما زلت تصرخ كالمجانين.”

“دعكَ من هذه الترهات واستمع لما سأقوله لك.”

“أنت الذي ستستمع إليّ.”

“هل التقيت بك لأستمع اليك؟.. ما حاجتي إلى قصصك السخيفة؟”

حسنًا، عباس هائج حقا. ربما عليه تأجيل أسئلته ريثما ينتهي عباس من اعترافاته.

“تفضل يا أخي.”

“لقد انفصلنا، أميرة وأنا.”

“…..”

“اليوم صباحًا.”

“اليوم صباحًا؟..

(ماذا عليه القول الآن؟؟)

“ما بك كالأبله؟ أقول لك إنني انفصلت عن أميرة وتردد الكلمات من بعدي؟.. هذا كل ما عندك لتقوله لي؟

“أقترح أن تهدأ قليلا. الموضوع جدّي وشائك ولا يحتمل عصبيتك المفرطة.”

“ربما أنتَ على حقّ”، حشرج عباس.

جاء النادل بقنينة البيرة. أعطاه عباس كأسه الفارغة وقال:

“عرق”.

هزّ النادل رأسه.

“ماذا حصل؟”

“ذهبتُ إليها اليوم صباحًا. كانت سعيدة جدًا من أجلي بسبب التقرير الذي أقام الدولة وأقعدها. شربنا القهوة واستمعنا إلى الراديو والردود السياسية من كافة الأحزاب. الردود تراوحت بين الاستغراب وبين المطالبة بعزل المفتش العام للشرطة وإقامة لجنة تحقيق حكومية. المهم، قلت لها إنني أودّ الحديث معها لإيضاح بعض النقاط الهامة. أجابت بأنها هي أيضًا تودّ الحديث عن بعض الأمور الهامة. كنت أودّ الحديث معها عمّا ضايقني منها في الفترة الأخيرة وعن الضغوضات التي تواجهها ربما، بسبب الزواج المقترب. طلبت هي أن تبدأ الحديث.”

توقف ليأخذ كأس العرق من النادل. اجترع نصفه دفعة واحدة، وسهم قليلا.

“و؟..”

“قالت إنها لم تعد تحبّني وإنها تودّ الانفصال عني.”

كان عباس ينهار تدريجيًا. احمرّ وجهه واستطاع سمير رؤية بدايات دموع في عينيه. لم يرَ عباسا من قبل بمثل هذا الوضع. ماذا عليه أن يفعل الآن؟..

صمتَ الاثنان طويلا.

“حاولتُ بعد ذلك أن أقنعها بالتفكير مُجددًا بقرارها. قلتُ إنّ هذا بسبب الضغط الناتج عن الزواج المقترب وإنّ فترة هدوء لن تضرّها الآن. اقترحتُ عليها أن نتوقف عن اللقاء بضعة أيام، لتفكر على مهل. ولكن يبدو أنها كانت قد فكّرت مليًا في الموضوع. لم تكن هناك حاجة للتفكير أكثر.

عليه أن يقول شيئا لصديقه الوحيد الذي يتمزق أمامه. ولكن ماذا عليه أن يقول؟.. “كيف تشعر الآن”؟.. “لا تهتم، ستجد أفضل منها”؟.. ربما عليه الاعتراف أمامه بأنّ أميرة تركته لأنها تحبه هو.

يا إلهي، حتى التفكير بهذا الاعتراف يشلّ لسانه!

“لا أعرف ما الذي عليّ فعله الآن.. في اليوم الذي أحقق فيه الإنجاز المهنيّ الأكبر في حياتي، أفقد الإنسانة التي أحبها أكثر من كل شيء، ماذا تقول عن ذلك؟”

إنه يريد جوابًا! عباس إغفر لي، أتوسل إليك!

“ليس هناك ما يُقال، لا أعرف ما الذي يجب أن أقوله.”

صمت. إنه لا يحبّ أميرة. لا يخال نفسه يقضي العمر معها. لن يعرف أبدًا ما الذي جعله يستجيب لتلميحاتها، ثم لأقوالها الصريحة. لماذا لم يفكّر بصديق عمره قبل أن يقفز إلى الفراش مع خطيبته؟.. هل يغار منه؟.. هل هي الحاجة الكبرى التي لا تقاوم في الاثبات لنفسه أنه يستطيع الحصول على ما يحصل عليه رفيقه؟ لم يجد صعوبة يومًا في إثارة انطباع أية فتاة قابلها، لم يُعانِ هذه المشكلة، فلِمَ عليه اثبات ذلك لنفسه؟ لا شك في أنه لن يجرؤ بعد هذه اللحظة على النظر إلى عيني عباس ولو لثانية. إلى أية درجة من الحقارة يمكنه أن يصل بعد؟

“أعتقد أنني سأغادر حيفا لبعض الوقت. ربما سأعود إلى القرية لبضع أيام. ولكنّ العائلة لن تكفّ عن السؤال عن أميرة. قد أسافر إلى اليونان. أجل سأسافر إلى اليونان.”

“فكرة جيدة… على ما أعتقد”، تمتمَ سمير.

صمت.

“ما الذي رغبتَ بالحديث عنه؟”، فاجأه عباس.

“لا، دعك من ذلك الآن.”

“قل، ما يهمك؟”

“أمر يتعلق بالتقرير.”

“أيّ أمر؟”

“غريغوري ڤيسوتسكين.”

(إلى صفحة الرواية)