أريد أن أعتذر من العالم

أريد أن أعتذر عن وقاحتنا، نحن الفلسطينيّين، لأنّنا نرفض اتفاقيّات الهدنة المهينة، ولأننا لا نتعلّم أبدًا. يدكّوننا بالمدافع والصواريخ الذكيّة والثقيلة، يقتلون منا 15 شخصًا وطفلاً كي يغتالوا شخصًا واحدًا- ولا نتوب

علاء حليحل

أريد أن أعتذر من العالم، الغربيّ بالأساس، ومن إسرائيل، لأننا لسنا فوتوجينيك بما يكفي كي تتضامنوا معنا. غالبيتنا رجال مع لحى، ونساؤنا يرتدينَ الحجاب والنقاب؛ ملابسنا باهتة وليست ذات ماركات دوليّة برّاقة. ملابس “عربية” تقليديّة، ترونها في كلّ تقرير يُبثّ من أحد شوارعنا. شاطئ غزة مهمل وبائس، بلا ملاهٍ أو زركشات صيفيّة مليئة بالألوان الفرحة. أريد أن أعتذر باسمي وباسم كلّ الفلسطينيّين لأننا نرفض الخضوع للجبروت الإسرائيليّ، ونجبركم على تحمّل صورنا وأخبارنا المنغّصة.

كنا نلعب على الشاطئ. كنا أربعة أطفال. سئمنا المكوث في البيت وعدّ الطلعات الجويّة والصواريخ الذكيّة التي تشهد على تقدّم الحضارة البشريّة التي ما زلنا متخلفين عنها. الدنيا صيف، والصيف يحبّ البحر. بحرنا مالح كسائر البحور، والشاعريّون منا يقولون إنه مالح بسبب دموعنا. أمي تقول ذلك الآن. أسمعها من داخل كفني المرتجل الصغير وأنا لا أصدّق أننا لم نكمل لعبتنا عند الشاطئ، فقد كنت على وشك أن أنتصر على أخي نصرًا غير مسبوق في “الزقيطة”.

ركضنا بسرعة. الأطفال يركضون بسرعة، فأجسادهم خفيفة والانفعال عادةً ما يسيطر على حركاتنا. نحن معتادون على الركض بسرعة بين أزقة غزة الضيقة. نعرف كل منحنياتها والمناطق العصيّة فيها. نحفظ عن ظهر قلب كل الأماكن الصغيرة والغائبة عن النظر التي يمكن أن نختبئ بها أثناء لعبة “الغميضة”. نعرف أصحاب كلّ البيوت المهترئة المتراكمة على بعضها، رغم أنها متداخلة وجميعها متشابهة: بناؤها لم يكتمل ولونها كالإسمنت الجاف. صدقوني، نحن نعرف بالجماليّات ودرّسونا في الصفّ عن ليوناردو دي فينشي، لكنّ غزة تفتقر للإسمنت والطلاء، وحتى إن وُجدا- فالفقر أقوى.

أريد أن أعتذر من الطفل الخائف في سديروت وأشكلون، وأن أقول له إنني لم أقصد أن أسرق منه أضواء العالم التي تحبّ أن تضيئه 24 ساعة يوميًّا. صدّقني أيّها الطفل الخائف أنني لم أقصد ذلك، فقد كنا نلعب “الزقيطة” لا أكثر. وكنتُ أتمنى قبل أن أموت أن أعرف ما يشعره المرء في ملجأ آمن بالإسمنت المسلح، أو وهو ينام تحت غطاء “القبة الحديديّة”. يقولون إنّها تعمل بشكل ساحر، إنّها أخّاذة ومثيرة للخيال. صواريخها تسرح وتمرح في السماء بدقّة مخيفة. ليت لي طائرة ورقيّة أستطيع التحكّم بها فلا يعلق خيطها في شجرة ولا تتمزق على عمود كهرباء.

أريد أن أعتذر عن وقاحتنا، نحن الفلسطينيّين، لأنّنا نرفض اتفاقيّات الهدنة المهينة، ولأننا لا نتعلّم أبدًا. يدكّوننا بالمدافع والصواريخ الذكيّة والثقيلة، يقتلون منا 15 شخصًا وطفلاً كي يغتالوا شخصًا واحدًا- ولا نتوب. أعرف أننا عنيدون مثل صخرة، وأنّ العقل المتنوّر العقلانيّ الذي يستطيع حساب تكلفة الآيفون الجديد بالأقساط المريحة بـ 36 شهرًا، في أقلّ من ثلاث ثوان، لا يستطيع أن يفهمنا تمام الفهم. فنحن عصيّون على الفهم. نحن لسنا عقلانيّين بما يكفي.

اِسمحوا لي أن أعتذر من جميع من أفسدنا عليه فرحة العملية “العقلانيّة” والمحسوبة، وقدرة إسرائيل على أن تكون إنسانيّة وهي تقتلنا. لقد أفسدنا عليكم فرحة “التضامن الدوليّ” مع ألم إسرائيل، وها نحن ثانية، كما ترون، نُصرّ على أن نموت في الوقت غير المناسب. حتى عندما نموت نكون غير منطقيّين وغير عمليّين. أيوجد عدوّ مثلنا، قاسٍ وغليظ لهذه الدرجة؟

 (نشرت هذه المادة في موقع قديتا بتاريخ 18 تموز 2014)

تقديم تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *