كانت ساعة الحائط تشير إلى السابعة والربع مساءً. عليه الذهاب للقاء جولي ثم العودة سريعًا لأنّ أميرة ستكون بانتظاره في الشقة. هذا ما كان سيفعله بعد ذهاب ليليان إثر زيارتها المفاجئة لولا المكالمة التي تلقاها من د. حكيم.

“سمير عليّ لقاؤك سريعًا.”

“غدًا صباحًا.”

“ماذا غدًا؟..الآن!”

“لا أستطيع، فقد حدّدت موعدًا مع”-

“لا يهمّني حتى ولو كان مع رئيس الوزراء. أنت ستأتي إليّ حالا.”

“ولكن دكتور..”

“بلا ولكن، والأفضل أن تتحرك الآن، أنا في مكتبي في الجامعة.”

ماذا عليه أن يفعل الآن؟ الدال نقطة ابن الزانية يبدو جديًا هذه المرة. الأمر لا يتعلق مؤكدًا باكتشاف جديد له عن ڤان كوخ أو هوكني- الأمر يتعدّى ذلك. ولكن ماذا مع جولي وأميرة؟.. رفع السّماعة وغذى الهاتف برقم أميرة. لا أحد يجيب. بعد قليل: “مرحبا وصلتم إلى شقة أميرة وسلمى، أتركوا خبرًا بعد سماع الشارة”. نفس الفحوى ولكن بالعبرية تلت الجملة الأولى، ثم الشارة.

“مرحبا أميرة. قد أضطرّ للتأخر قليلا قبل العودة إلى الشقة، معذرة.”

والآن كيف يحصل على رقم هاتف جولي؟.. من غير اللائق أن يخلف بالميعاد الأول مع امرأة جميلة، بالإضافة إلى أنها قد تشتري المعرض بأكمله فيدفع أخيرًا ضريبة البلدية. أيكون هذا ما تبتغيه من اللقاء؟ مفاصلته على المعرض؟ للحظة بدا له الدال نقطة حقيرًا ووضيعًا وغير ذي قيمة. الدال نقطة، طبعًا. هو يعرف بالتأكيد رقم هاتف جولي. كيف فاته ذلك؟ سيتصل بجولي من عند الدال نقطة. فُرجت.

جرس الباب يُقرع.

“عبلة؟”

“مرحبا فنان. أراك كمن لسعتك عقرب.”

“لا، أبدًا، إنما لم أتوقع زيارتك بعدَ…”

“بعدَ ماذا؟”

“يعني، أنت عروس جديدة و… تعرفين..”

“هل يمكنني الدخول؟”

“في الواقع..”

كانت عبلة قد خطت نحو الداخل وتركته يحاول إكمال الجملة. لحقها إلى الصالة. كانت قد خلعت شالها الخفيف الأخضر الجديد واجتلست الكنبة المفضلة لديها.

“شال جميل.”

“شكرًا. من ڤيينا.”

“قهوة؟.. بارد؟”

“لا شيء. لا تتعب نفسك.”

جلس قبالتها. ماذا الآن؟.. ما الذي تريده عبلة حمزة (طه سابقًا) منه؟.. هل زيارة المهزوم في عقر داره متعة لا تسمح لفسها بتفويتها؟ ثم أنه ليس مهزومًا. من قال إنه مهزوم؟ عبلة ركعت أمامه مراتٍ لا حصر لها وتوسلته أن يتزوّجها. هو الذي لم يقبل. ثم ماذا حصل؟.. تقوم عبلة في أقلّ من شهر بالزواج من خالد حمزة، أحقر الشخصيات وأوضعها على الاطلاق في الحركات الوطنية المتشتتة في الجامعة. بعد الجامعة بنى لنفسه شركة قوى عاملة تستورد العمال الأجانب من الفلبين وتايلاند والبقية معروفة. غنًى ورفاهية وزيارات دائمة إلى الشرطة، أيضًا. لم يصدق عندما حمل له عباس النبأ: “عبلة ستتزوج”. كان سمير وقتها مُنكبًا على التحضير لمعرضه الأخير. كان منغمسًا كله في العمل المضني حتى ساعات الصباح الباكرة. بدا له الخبر من فم عباس كأيّ خبر آخر يكتبه عباس في الجريدة: “عبلة ستتزوج”. من هي عبلة وماذا يعني الزواج؟

بعد مغادرة عباس، فقط، والذي كان متفاجئا لأبعد الحدود من رد فعل سمير الهادئ واللامكترث (“وماذا يعني إذا تزوجت؟”)، أخذ سمير يحسّ بهول الضربة التي وجهتها إليه عبلة. ضربة من تحت الحزام إذا أراد لنفسه أن يكون صادقًا.

“معرض جميل.”

“أشكرك.”

“لم أره عندما عملت عليه. المعرض السابق كان أروع بالنسبة لي.”

“ربما لأنك كنت المستشارة الوحيدة وصاحبة حق النقض، بحكم…”

“بحكم ماذا؟”

“يعني، تعرفين.”

“أعرف ماذا؟”

نهض بسرعة.

“هل تودين شرب القهوة؟”

“أعرف ماذا؟”

“إسمعي عبلة (قعد بسرعة) ما كان كان ولا أعتقد أنّ مجيئك الآن إليّ كان بالأمر الصواب.”

“وما هو الصواب بعينك؟”

 “الصواب أن نتصرف كبالغين وأن نساعد بعضنا البعض على الاستمرار قدمًا، كلٌ في طريقه.”

“عن أيّ طريق تتحدث؟”

“ماذا تعنين؟”

قامت بسرعة، وأخذت تلفّ الصالة وتتكلم ببطء وسخرية.

“يمكنني أن أذكّرك بالطريق التي رسمتها لي في علاقتنا.. شهران أو ثلاثة من الجنس والسكر والعربدة ثم توضح لي بما لا يقبل الشكّ أنّ ما بيننا لم يعُد حقيقيًا وأنك بحاجة إلى “مساحة ومُتسع” لتفكّر وحدك.. أتذكر؟”

“أنظري عبلة، نحن شخصان بالغان و”-

“وأنا بالرغم مما سببته لي من إهانة وحزن حاولتُ أن أتفهمك وأن أصغي إليك. أعطيتك المساحة (فتحت يديها واسعًا وبدا أنّ هذه الكلمة بالذات قلبت هدوءها وسخريتها إلى غضب يتأجّج تدريجيًا) التي طلبتها، وماذا فعلتَ بهذه المساحة؟”

“فكرتُ جيدًا.”

“فكرتَ جيدًا؟.. فكرتَ جيدًا! (هنا لم يعد مجال للشكّ، عبلة ستنفجر) تقول إنك فكرت جيدًا؟.. كيف يمكنك أن تفكّر جيدًا وأنت لم ترفع رأسك من بين رجلي أميرة طيلة أسبوعيْن كامليْن؟!”

تعرفونها هذه الصدمات. المفاجئة. الرهيبة. ابنة الزانية. كأن تعتقد كلّ الوقت أنّ المحاضِرة لا تنتبه إلى أنك تطالع الجريدة الموضوعة داخل الكتاب الكبير الموضوع على الطاولة، وفجأة  تحاول ألا تحمرّ خجلا حتى الموت وأنت تحاول أن تتجاهل الثلاثمئة عين في القاعة بعد أن سألتك المحاضِرة عن حالة الطقس؛ كأن تكتشف أنّ والدك يقف قربك صامتًا وأنت تشاهد فيلمًا إباحيًا في الثالثة صباحًا، وأشياء أخرى؛ كأن تكشف لك صاحبتك السابقة أنها كانت تعلم أنك تضاجع واحدة أخرى (صديقة مشتركة) عندما كنت “تفكّر” في مصير علاقتكما.

عادت عبلة للجلوس في كنبتها المفضلة. كانت تلهث غضبًا وسيجارة في فمها وتبحث عن القداحة عبثًا. مدّ لها سمير القداحة.

“شكرًا!”

حسنا، ماذا الآن؟.. أجل أنا نذل حقير. أنا مهووس جنس، أنا خائن. لِمَ لا تقومين وتذهبين؟.. ماذا عليّ أن أفعل الآن؟ أن أعتذر؟.. فلتذهبي إلى الجحيم!

“ماذا تقول؟”

“أقول؟”

“نعم. ماذا تقول عمّا قلته الآن؟.. ألن تنكر؟.. ألن تنتفض لأنني أتهمك أنت الفنان الحضاريّ بالخيانة والوضاعة؟”

“هل ستصدقينني اذا أنكرت؟”

“حاول، ربما أقنعتني.”

“بربك عبلة، دعينا من هذه الألاعيب الآن. أود أن أكون وحدي.”

“لا تستعجل ذلك، ستكون كذلك في نهاية المطاف.”

قامت، أطفأت السيجارة في المنفضة. كان الحزن باديًا عليها وكانت تكفكف الدمع وتمنعه بصعوبة. فاجأ ذلك سمير بعض الشيء. قبل ثوانٍ كانت تحتفل بنصرها المُذلّ عليه. قبل ثوان كانت تقلبه على نار حامية. لماذا تبكي الآن؟.. ألا زالت تحبه؟.. اتجهت نحو الباب. كانت تهم باقفاله عندما استدارت نحوه وقالت بصوت متحشرج:

“كنت أشكّ فقط بما قلته عن أميرة، لم أكن أعلم شيئًا أكيدًا، كل الامر كان هواجس وأخيلة… كيف استطعتم فعل ذلك لي؟.. وعباس؟”

(إلى صفحة الرواية)