safoor_2

(نُشر هذا النص بالتزامن في موقع مشروع مكتبة الفانوس)

من المتعارف عليه في عالم الترجمة، أنّ الترجمة لا تعني نقل كلمات وجمل من لغة إلى لغة أخرى- فهذا يمكن لأيّ قاموس أو “غوغل ترانسليت” أن يفعله. الترجمة في أساسها عملية إعادة كتابة تهدف لنقل روح النصّ وأهدافه ومضامينه بصياغات لغة الهدف، حتى لو كان ذلك يعني تغيير بعض المصطلحات أو الجمل، وتعديل المبنى النصيّ والإنشائيّ، وخيانة بعض الكلمات العصيّة على الترجمة. أنا أعتقد أنّ هذا يصحّ أكثر وأكثر في الترجمة للأطفال، لأنّهم على عكس البالغين غير قادرين على الجَّسر بين الفروقات اللغويّة أو الثقافيّة، والتكهّن بما تعنيه هذه الصياغة مقارنة بلغة الأصل، وبالتالي يجب على النصّ المترجم أن يصل إليهم متغلّبًا على وَساطة اللغة، ومتجاوزًا الفروقات الثقافيّة التي قد تمنعه من فهم القصة أو هضمها والتفاعل معها.
وهكذا، حاولت في ترجمة قصّة “على مهلك يا صَفّور” (النص الأصليّ بعنوان Oh Dear, Geoffry! لجيما أونيل)، أن أحافظ على أيقاع النصّ، بسجعه وموسيقاه، من دون أن أنتج نصًّا منتحلًا، مزيّفًا، ينقل النص الأصليّ بحذافيره ولكنه سيخسر كونه نصًّا عربيًا متماسكًا.
في البداية كان يجب تغيير اسم الزرافة: فاسم جوفري لن يكون قريبًا من الطفل(ة) العربيّ(ة) بأيّ حال من الأحوال. وقد انتهبت في السنوات الأخيرة من اهتمامي بهذا الأدب، أنّ الأطفال يحبّون الكلمات على وزن “فعّول”: زرّوف، شطّور، هَبّول، وغيرها، ثمّ اخترت اللون الأصفر كعلامة فارقة للزرافة، ولاءَمتُه مع مبنى “فعّول”، لتقريب الاسم إلى الأطفال، جمهور الهدف.

الأطفال يحبّون السجع أيضًا، والجمل الموسيقيّة التي تضفي أيقاعًا على القراءة (أو الاستماع لها)، وبالتالي يجب البحث دائمًا عن صياغات ترجمة تؤدّي هذه المهام، من دون أن تقع في فخّ القوافي “الباردة” التي لا تكون مستندة إلى موسيقى في الجملة أو تفعيلة أو إيقاع، وبالتالي تكون جامدة وغير مثيرة، مثل وضع الفعل في نهاية كلّ جملة لتثبيت قافية مفتعلة ومصطنعة (البنت استيقظتْ، وللمطبخ ذهبتْ، وحليبها شربتْ!). هذه صياغة كارثيّة بنظري لأنها كسولة وتفتقر لأيّ جماليّة لغويّة، وهي غاية أساسيّة بنظري في الكتابة للأطفال: تحبيبهم باللغة وتقريبها منهم عبر الصياغات الرشيقة والسهلة والمرحة (قدر الإمكان).

وقبل البدء بالترجمة الفعليّة، كان عليّ أن أحدّد مميّزات شخصيّة صفّور الرئيسة في القصّة: ما الذي يزعجه ويقلقه؛ ما الذي سيجلب له السعادة؛ ما الخطة التي يتبعها لتحقيق هذه السعادة؛ ما هي المعوّقات الأساسيّة أمامه؛ وهل هو شخص مرح أم نَكَديّ، ذكيّ أم لا؟ عاطفيّ أم بليد؟.. هذه كلّها أسئلة تتعلق بالسّرد القصصيّ وبناء الشخصيات، لكنها –بنظري- أسئلة هامة أيضًا في عمليّة الترجمة. ففهم الشخصية المركزيّة وفهم خطواتها وأفعالها يجعلان من الترجمة أسهلَ وأصدقَ. وعليه، لاحظت الأمور التالية: صفور صادق، مُحبّ، ساذج، مثابر ويحبّ الحياة الاجتماعيّة، ولكنه من جهة أخرى أخرق (مُفَركَش، همّته ثقيلة)، غير متوازن، ينقصه الذكاء الاجتماعيّ والقدرة على التأقلم. هذه هي الصفات الأساسيّة لصفور، وبالتالي فإنّ الأحداث التي تجري معه في القصّة تتحمّل الصياغات المرحة والكوميديّة من جهة، من دون فقد التعاطف معه. هذه “كوميديا رحيمة” إذا صحّ التعبير، هذا ما أنجزه النصّ الأصلي بالإنجليزيّة، ولذلك كان يجب البحث عن صياغات عربيّة تؤدّي هذه المهمة.

القصّة تبدأ بوصف صفور بأنه عالٍ ورقبته طويلة، و”أحيانًا تكون همّته ثقيلة”. هناك كلمات تصعب ترجمتها مثل كلمة Clumsy، ولذلك يجب البحث عن كلمة أو اثنتين تفيدان المعنى العام ولكن من غير التقيّد حرفيًا بالكلمة الأصليّة. مثل هذه التساؤلات تشاركتُ فيها أثناء الترجمة مع مديرة لجنة الفانوس، منى سروجي، ومحرّرة الترجمة التي عملتُ عليها. في البداية اقترحتُ في الترجمة “حركته ثقيلة” لتوضيح الكلمة الأصليّة، ثم اقترحت منى “همّته ثقيلة” لأنّها كمصطلح عاميّ أكثر تداولًا وأقرب إلى الطفل- وهكذا كان. هل هذا المصطلح هو الأدقّ من ناحية قاموسيّة؟.. الحقيقة أنّ هذا السؤال لا يهمّ في الترجمة؛ ما يهم حقًا: هل عثرنا على الترجمة الأدقّ من ناحية السياق الاجتماعيّ والثقافيّ التي سيفهم الطفل مقصدها في اللغة الهدف (العربيّة)، تمامًا كما فهمها الطفل في اللغة الأصليّة؟
مثال آخر: وجود كلمتي tall وlong بالإنجليزيّة لوصف الزرافة، لكن بالعربية هناك كلمة طويل فقط. كان الحلّ في استخدام كلمة عالٍ للدلالة على طول رقبة الزرافة للأعلى (ارتفاع)، وكلمة طويلة لوصف رقبته نفسها (طُول الرقبة).

بالمقابل، كانت هناك حاجة للبحث عن مفردات وصياغات تشابه النص الأصليّ من ناحية استخدام أفعال متلاحقة تعبّر في لفظها وبُنيتها عن حالة الخربطة والتعثّر التي يمرّ بها صفّور، ثقيل الهمّة. وهكذا، عملتُ على بناء تسلسل أفعال يوضح المعنى ويجعل من هذا التسلسل ما يشبه “الرسم اللفظيّ” أثناء القراءة لما يحدث مع صفور: “لِذلِكَ فَهُوَ دَائِمًا يَضْطَرِبُ، يَتَعَثَّرُ، يَقْفِزُ إِلَى الْأَمَامِ، وَيَنْقَلِبُ…”. وفي مواضع أخرى: “…لَكِنَّهُ يَنْزَلِقُ، ثُمَّ يَنْدَلِقُ”؛ “… وَصَفُّورُ يُطَرْشِقُ، وَيَرْشُقُ”؛ “… صَفُّور بَرْدَانٌ، وَمَبْلُولٌ، وَمَوْحُولْ”؛ “نَظَرَ تَحْتَهُ، فَرَأَى قُرُودًا تَتَفَرْفَشُ، تَتَسَلَّقُ سَاقَيْهِ وَتَتَعَرْبَشُ!”
وكان علينا أن نحسم أيضًا بخصوص كلمة “ميركات”. بعد صدور الكتاب وبدء توزيعه في الروضات، وصلت رسالة من المعلمة السابقة لشذا ابنتي، تسأل فيها عن كلمة استخدمتها في الترجمة وهي الميركات. والميركات هي “قطط الصخور”، حيوانات صغيرة بريّة غير موجودة في طبيعة وبيئة بلادنا. هل نستخدم الترجمة القاموسيّة أم الكلمة الأصليّة؟.. وحتى لو استخدمنا “قطط الصخور” فهل سيحلّ هذا الإشكال الأساسيّ أصلًا: ما هي قطط الصخور هذه؟.. لذلك، قرّرنا في هذه الحالة الإبقاء على الكلمة الأجنبيّة لهذا الحيوان الذي لا يعرفه الطفل، وأعتقد أنّ هذا أمر حسنٌ، أن نجد في قصة أطفال كلمة أو اثنتيْن تستوجبان السؤال أو البحث. ومع العالم الرقميّ الإنترنتيّ الذي نعيشه اليوم، يمكن للأب والأم أو للحاضنة والمربيّة أن يدخلوا الإنترنت أمام الأطفال وأن يبحثوا عن هذه الكلمة وأن يُعرّفوا الأطفال عليها عن كثب. وفي هذا مردود إضافيّ سنحققه أمام الأطفال: الإنترنت ليس لمشاهدة اليوتيوب فقط.