هنا جنين: استقرار ومرارة

الاقتصاد يسير إلى جانب الأمن: حافلات مجانية من الناصرة إلى جنين ونابلس لتشجيع التبضع، وآلاف كثيرة من الجنود والشرطيين الفلسطينيين خريجي معاهد الجنرال دايتون العسكرية في الضفة الغربية. نحن “عرب إسرائيل” هنا. يحبوننا ولكنهم يبغضوننا في نفس الوقت. نوع من الأخوَّة المشوّهة

مدخل

الجنود على الحاجز يعرفون جيدًا الممثل جوليانو خميس، مدير ومؤسس مسرح “الحرية” في جنين. عندما نتوقف عند حاجز الجلمة المؤدي إلى جنين ينظر الجندي إلى الكرسي الخلفي في السيارة، حيث جيني (زوجة جوليانو) وابنه جيه جيه (جهاد)، فيقول له جوليانو: “هادا ابني الصغير… البنت مش معي اليوم”. يهزّ الجندي رأسه ويسجل رقم السيارة في السجل الطويل الذي معه ويعيد إلينا بطاقات الهوية. نحن نحمل بطاقات هوية إسرائيلية، زرقاء، وهي مُرحّب بها في جنين اليوم، بعد سنوات طويلة من منع حامليها من دخول مناطق “أ” الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية “الكاملة”. إنه عصر جديد من تشجيع سياحة عرب الداخل إلى جنين ونابلس ورام الله. الأسباب اقتصادية بحتة: فليأتِ عرب الداخل الذين يلتقطون قوتهم بصعوبة في دولة اليهود ولينفقوه في الضفة الغربية.

الاقتصاد يسير إلى جانب الأمن: حافلات مجانية من الناصرة إلى جنين ونابلس لتشجيع التبضع، وآلاف كثيرة من الجنود والشرطيين الفلسطينيين خريجي معاهد الجنرال دايتون العسكرية في الضفة الغربية. نحن “عرب إسرائيل” هنا. يحبوننا ولكنهم يبغضوننا في نفس الوقت. نوع من الأخوَّة المشوّهة. أخوة اثنان في عائلة واحدة، يعيشون جنبًا إلى جنب ولكنهم يعيشون على تفاعلات عاطفية وتاريخية غريبة، مستعصية.

أعود إلى مخيم جنين للمرة الأولى بعد زيارة قمتُ بها في اجتياح العام 2002 مع جوليانو نفسه، التقينا وقتها زكريا زبيدي، المطارد رقم واحد وقتها. اليوم، يحيا زكريا في حياة جديدة بعد اتفاق الهدنة الموقع العام 2007، عندما تنازلت المقاومة الفلسطينية عن السلاح في مقابل وقف ملاحقة المقاومين الأمنية وتصفيتهم. شاب آخر يدرس التمثيل في مدرسة التمثيل في مسرح “الحرية” في مخيم جنين، يقول لي على فنجان قهوة في مقهى “ديليكيت” في مركز جنين: “قاومت سبع سنين”، يرفع بلوزته ويرينا القُطَب التي على خاصرته. أكثر من عشرين قطبة. “أنا بكِلية وحدة اليوم… بس بتعرف؟ هاي الانتفاضة الثانية كانت دمار كبير رجّعنا مية سنة لورا.”

بعد يومين في جنين لا تعرف كيف تهضم هذا الهدوء المَشوب بالملل. هل نامت جنين ومخيمها بعد البطولة إياها؟ ما الذي يبحث عنه الناس هنا؟ خيار المقاومة بات باهتًا، بعيدًا، أشبه بذكرى حلوة ومقيتة في نفس الوقت. لا تغرنكم الشعارات والكلام الكبير عن المقاومة والصمود، رغم إنها شعارات صحيحة؛ فالمقاومة والصمود كانا عجيبيْن فعلاً وقتها، لكن الشعارات تُغفل التفاصيل. التفاصيل اليومية، القصص، الفساد، التعفن، التعب، الخمول، اليأس، التسليم باللاجدوى. ليس هذا كلامًا للنفي أو للتقريظ الفارغ؛ إنه حال جنين اليوم، جنين البطولة والصمود.

أحارسٌ لأختي أنا؟

يقوم مسرح “الحرية” بأهمّ ما يمكن للمسرح أن يفعله في أية حاضرة متمدنة أو عريقة: ينبش الجروج وينكأها. لا شيء ممنوع أو محرم. يقول لي المقاوم في المقهى: “الاحتلال هنا”، ويضع سبابته على جانب جبهته بقوة. يغرز أصبعه مرة تلو الأخرى في جانب جبهته ويردد: “الاحتلال هنا، الاحتلال هنا”. أصدّقه وأقبل نظريته، لا لأنها تلائم نظريتي، بل لأنها تصدر عن مطارد نام في الكهوف والشوارع وتشرد بين بيوت جنين لسبع سنوات. الممارسة لديه سبقت النظرية، وليس مثلنا، نظرياتنا تنتظر الممارسة بفارغ صبر.

سيذهب إلى رام الله لتمثيل فيلم. سيلعب دور البطولة. تُبرق عيناه وتلمعان بفرح طفولي. مقاوم مسلح يبحث عن فلسطين في عدسة الكاميرا بعد أن يئس من فوهة البندقية. هل هو الذي يئس منها أم هي التي يئست منه؟

يحذرني جوليانو والمخرج أودي ألوني (من مؤسسي وقياديي حملة المقاطعة الثقافية ضد إسرائيل) من عدم كتابة كل شيء. أوافق. لست صحافيًا الآن يريد أن يصدم القارئ بسبق تصريحيّ يدوم لساعتين قبل تنحّيه جانبًا. سمعت وسأسمع قصصًا مريبة، غريبة، وأخرى تبعث على الاشمئزاز من تحوّل المقاومة إلى مهنة كأية مهنة. من أنا لأحكم عليهم؟ ألا يستحق المقاوم معاشًا يشتري به السجائر والطعام والذخيرة؟ ولكن المعاشات سيطرت، ومنابع النقود التي كانت تصل من “رموز” السلطة تحوّلت إلى مستنقع كبير آثم.

يتلمس ألوني طريقه بحذر وسط الشوارع. نتحدث بالإنجليزية خوفًا وحذرًا. مع أنّ ألوني من المبادرين لحملة المقاطعة الدولية على إسرائيل من منطلقات مناهضة للصهيونية، إلا أنّ المكان لا يتفهم مثل هذه التفاصيل. إنه يهودي يمشي وسط جنين وعليه أن يتعكز على العربي الذي معه كي يكتسب شرعية السائح “الصديق”.

حدثتني المتطوعة الألمانية فقالت: “جئت إلى هنا كي أتطوع لثلاثة أسابيع، ووجدت نفسي أمدد الفترة لثلاثة أشهر أخرى. أعمل مع فرق من الشبان والشابات، أحبهم وأتعلم منهم الكثير. ولكنني أظلّ غريبة رغم أنني هنا، في المكان والحدث. بعد تجربة عسيرة تعلمت ألا أمشي وحدي في الشارع. من الصعب أن تقنع الشباب الذين يقتعدون الأرصفة والمقاهي أنني لست أجنبية “سهلة”، سائبة، يمكن العبث بها وبجسدها. لقد تعلمت أن آخذ حذري، أن أتصرف وفق أصول ورموز المكان الاجتماعية والثقافية.”

هل يزعجك هذا؟ هل يحبطك، أتساءل. “في البداية انزعجت جدًا، ثم اقتنعت بأنني يجب أن أكون هنا رغم كل شيء. أنا هنا لفعل شيء محدد، واضح، سأفعله لأنني مقتنعة به. أحسّ بعدم الراحة اجتماعيًا كأجنبية، ولكنه ثمن بخس أدفعه مقابل ما يمرون به هنا.”

القصص التي يخرج بها الممثلون هنا عنيفة، صدمة، مرعبة. قصص عن نساء تُقتل ونساء تُشوّه بالكبريت والنار. حالة اجتماعية مخيفة، تصدمك رغم توقعك بأنّ الحال هنا “أكثر محافظة” من الداخل. ولكنّ حجم الظاهرة يشلك. كيف يمكن أن نتحدث عن حق المرأة على جسدها بينما يناضلون هنا على حق المرأة بأن تخرج من البيت لرؤية مسرحية؟ في جنين سينما جديدة، “سينما جنين”. أنشأها ويديرها عدد من المتطوعين الألمان. الجميع يُجمع هنا وبلا تردد أن مسألة حرقها مسألة وقت لا أكثر. عندها ستصيبنا الخيبة جميعا: محبي المسرح والسينما والثقافة، الغرب، العالم، سنبرم أبوازنا وسنقول كلمات مثل “تخلف”، “تأخر”، ولكنّ المتطوعة الألمانية أذهلتني عندما رفعت سبابتها وألصقتها بجانب جبهتها وقالت بهدوء: “الاحتلال هنا”.

هل هذا استنتاج شائع هنا؟؟

يهودي! يهودي!

بدأت الأسبوع الماضي العمل على كتابة فيلم روائي طويل عن اجتياح إسرائيلي لجنين. عليّ كي أكتبه كما يجب أن أقضي الكثير من الأوقات مع أهل المخيم كي يكون الوصف والتفاصيل قريبة قدر الإمكان من حقيقتهم، لا حقيقتي. ليلة الأربعاء/الخميس كنت أقف مع أكثر من 15 شخصًا فوق سطح البيت الذي يقطنه جوليانو مع زوجته وابنه الطفل في جنين وألتقط الصور لبحر الأضواء المنزلية التي تملأ المرج الواسع المظلم. العفولة في الواجهة، خلف جنين، ونحن نتحدث عن بشاعة “بلدات التطوير” التي بنتها إسرائيل ليهود شمال أفريقيا لاستيعاب هجرتهم في الخمسينيات. نتحدث عن بشاعة الخضيرة أيضًا، ونتانيا وأوفكيم وغيرها. نتحدث عن البشاعة واليأس طيلة الليل.

ألفّ مع جوليانو في أزقة المخيم. أذكره شذرًا لكنه يحفظه عن ظهر قلب. الدعوات لتناول القهوة تصدر بكرم، لكنّ بعض الأطفال يشيرون إليه: “يهودي، يهودي”… يقترب جوليانو منهم ويتحدث إليهم عن اليهود والمسلمين وسرعان ما يحتضونه جميعًا في صورة تذكارية. أقرب ما يمكن إلى “الديسونانس” الخارق.

سأروح وأجي إلى المخيم كثيرًا في الشهرين القادمين وسأكتب بما استطعت من الصراحة، رغم الكثير من الحبر السريّ. عليكم أن تبحثوا عن الكلمات المختئبة من وراء هذا الحبر…

(نشرت هذه المادة في مدونة علاء حليحل في تاريخ 16 تشرين الأول 2010)

تعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *