المعلم

حتى لو لم تكن قصائد محمود درويش معروفة لعامة الناس الذين حزنوا عليه ورافقوا موته وتشييعه، إلا أنّ تأثيره عليهم ناجز لا محالة. فدرويش أثر على جيل كامل من الصحافيين والكُتاب وأهل الرأي والثقافة، وهو بهذا ثبّت مكانته أكثر من أيّ شاعر عربي معاصر، كونه وصل إلى العامة (من قراء الشعر) وإلى خاصة، وهؤلاء يصيغون يوميًا وأسبوعيًا ذائقة الناس ومضامين حيواتهم واهتماماتهم.

ولا ينحصر تأثير درويش في إسهامه الشعريّ والأدبيّ فحسب، بل يتجاوز هذا نحو التأثير على مبنى وشكل الرواية الفلسطينية، أي على شكل وكيفية روايتنا لقصتنا، لأنفسنا وللعالم. وهو في هذا “روائيّ” من الطراز الأول، مع أنه لم يكتب الرواية ولم يمتهنها. فهو روائيّ في تطويع القصيدة أمام السّرد، وتحويلها –أي القصيدة- إلى سردية ملحمية، لا تخاف من الواقعية، بل ترفعها إلى مصافّ الواقعية “الأركيولوجية”.

فالطبقات التي كتب فيها درويش إنبنت وتكشّفت في “حفريّات” سعت للكشف عن الذاكرة، وفي نفس الوقت لصياغتها في كلمات وتفعيلات وقصائد، أي لإخراج الذاكرة من فعل التذكر الخامل إلى فعل الإستعادة والصوغ الفعّالين. كل من حاول إحياء ذاكرة ذهنية في كلمات مكتوبة يعرف صعوبة هذا الفعل. وكل قارئ (مخلص، مثابر) لدرويش تبنى روايته عنا، عن نكبتنا وعن قصتنا، من دون أن يشعر ومن دون أن يقاوم. فهذا ما يخلب اللبّ في كتابة درويش: إنه سيّد النص وسيّد القارئ، إلا أنه أذكى من أن يمارس سيادته هذه بفظاظة أو عنوة.

عندما قرأتُ للمرة الأولى “مديح الظلّ العالي” لم أفهمها كما يجب. كنتُ أظنها مرثية للفلسطينيين بعد خروجهم من بيروت، مع أنها في واقع الحال (في نظري طبعًا) تسجيلات مدروسة ودقيقة ليوميات البحث عن بدايات لا تنتهي (“بحر لأيلول الجديد”)؛ فهي تفاؤلية رغم مأساويتها، وهي تدعو للمضيّ قدمًا رغم حجم الإنكسار. ولا يغيب عن القراء الفطنين أنّ كتابات درويش في الثمانينات مهّدت (له وللقارئ) للولوج في كتابته الجديدة، المعاصرة، المتخلية عن هيمنة البلاغة والإيجاز، والمتمثلة في كتبه الأخيرة، وخصوصًا “لماذا تركتَ الحصان وحيدًا”.

كصحافي يبحث دائمًا عن العنوان، عن جملة سريعة لا تزيد عن ثماني كلمات (إذا أمكن) توجز ما يجب أن يعرفه القارئ السريع والكسول كي يكون “على دراية ما بواقعه” (كأضعف الإيمان)، أرى في درويش فنان العناوين بلا منازع. فهذه قدرة فطرية لا تنصهر إلا بالممارسة، ولكن أكثر منها، بالاختزال الذي يمكن أن يتأتى بطريقة واحدة لا غير: الشطب والحذف. درويش يكتب بالعكس: يملأ اللوح بالألوان الكثيرة ثم يكتب بالممحاة، يهذب ويحذف حتى تكتمل الهرمونيا بين ما هو مطلوب قوله وبين ما هو مطلوب كتابته.

درويش هو معلم وأستاذ، ورحيله في أوجّ مشروعه الشعريّ الذي أعلن قبل فترة أنه سيخصّصه للحب والغزل والإنسانيات (كم خسرنا نحن!) هو رحيل تجربة لا تتكرر، لا في سياق المحطات المُعاشة ولا في سياق التجربة المكنوزة. وككاتب في بداية طريقه بدأت التعلم من درويش أن أنتبه إلى ذكاء المعنى، الذي لا يفسد غيابه عن القارئ مَسرّة القراءة، إلا أنّ اكتشافه مع القراءة هو حدث مؤسّس للقارئ، كما للكاتب. هذه قدرة يسعى إليها كل كاتب، والقليلون ينجحون فقط.

لقد أخذ درويش العادي، المتيسّر، الشائع، وأدخله في خلود القصيدة. في لقاء صحافي معه قبل سنوات سألوه عن حبّه وشغفه بكرة القدم، فأجاب من ضمن سائر الأمور أنّ “كرة القدم هي أشرف الحروب”. بساطة بليغة تختزل حياة المليارات من البشر، وترفع كرة القدم من رجال يركضون وراء كرة إلى مجاز يركض وراء المعنى. من وقتها توقفت كراهيتي لكرة القدم!

(نشرت هذه المادة في مدونة علاء حليحل في تاريخ 15 آب 2008)

تعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *