هاني أبو أسعد أنتج فيلمًا يروي حكاية فلسطينية بمعادلة غربية ولمشاهدين أجانب. وقامت الدنيا ولم تقعد! ■ هل ما زلنا عاجزين كفلسطينيين عن تقبّل اجتهادات إبداعية لا تؤلّه “الأبيض” الناصع الذي نحبّه ولا تحتكم لإجماع “موقدة القبيلة”؟

علاء حليحل

يضع فيلم “عمر” لكاتبه ومخرجه هاني أبو أسعد المشاهد الفلسطيني تحديدًا في ورطة قد تكون شديدة على البعض: إنه يتناول “الرماديّ” ولا يجنح نحو الأسود والأبيض. ونحن الفلسطينيين اعتدنا على الأبيض والأسود: إمّا تناول أبيض ناصع نلتهمه وإما تناول أسود نشتمه ونبصقه. هل عمر بطل الفيلم مقاوم “نظيف” مئة بالمئة؟ هل سيعتبره البعض عميلا لعلاقته مع محقق الشاباك الرماديّ؟ هل هكذا تسير الأمور في جماعات المقاومة المسلحة؟ هل هذا هو واقعنا الفلسطيني الحقيقي؟ أسئلة عويصة يحتاج الردّ عليها لمساحات أخرى أطول من النقاش، لكنّ ما هو مؤكد أنّ فيلم “عمر” يطرح هذه الأسئلة بقوة وبدون مواربة ولهذا فهو برأيي عمل جيّد وجدير بالاهتمام.

أبو أسعد مخرج مجرّب وخبير، وله صولات وجولات، خصوصًا في هوليوود، والتجربة التي امتدّت فيها لخمس سنوات بعد شريط “الجنة الآن” مدّته بالخبرة والدراية، مع أنها لم تكن فرصة جيدة لإنتاج الأفلام التي كتبها وعمل على إنتاجها خلال هذه السنوات الخمس. من يدخل هذه الماكينة المُركّبة يقف برأيي أمام خيارين: إمّا الانخراط فيها والعمل وفق قوانينها –حتى لو كان يسعى لتغيير هذه القوانين لاحقًا أو كسب مكانة قوة وسيطرة فيها- أو العزوف عنها ورفض العمل وفقها. هذه معضلة كونية وليست حصرًا على أبو أسعد أو السينمائيين الفلسطينيين: الغالبية الكبرى من المخرجين الذين ينجحون في أوروبا والشرق الأقصى يُجلبون إلى هوليوود للإخراج والعمل، وعندها يختار كلّ منهم خياراته. أبو أسعد عاد من هوليوود مصممًا على استثمار خبراته التي كسبها على جلده من أجل السعي لتأسيس سينما فلسطينية مستقلة، سواء من ناحية التمويل أو الإنتاج أو العناصر المهنية، وهذا أمر شجاع وطلائعيّ في أيامنا هذه.

كي أطرح وجهة نظري بخصوص شريط “عمر” عليّ أن أسجّل موقفًا مبدئيًا من السينما: السينما صناعة وتجارة قبل كلّ شيء. وُلدت كصناعة تقنية وكانت جزءًا من الماكينة الترويجية في أوروبا وأمريكا (نشرات إخبارية وأفلام تسجيلية بدائية) ثم بدأ فنانون من المجال البصري والمكتوب باستغلال هذا الوسيط الجديد من أجل صوغ مقولة فنية وجمالية عن الحياة، وبعضهم أبدع أيّما إبداع. ويجنح الكثيرون لتصوّر أنّ هذين أمران لا يجتمعان: فإما أن تكون رائجًا جماهيريًا وإما أن تكون “آرتيستك”. كأنّ الحرفية والفنية لا تجلب الجمهور من مرة لأخرى (أمثلة سريعة وقائمة جزئية جدًا: سائق تاكسي، الثور الغاضب، أبوكاليبس الآن، سينما براديسو، سايكو، الرسالة، عمر المختار، وغيرها وغيرها). أنا شخصيًا أعتقد أنّ أبو أسعد يسعى إلى مثل هذه السينما: فنية وحرفية وشعبية برواجها. ومن أجل ذلك عليك أن تقوم ببعض الاختيارات الحصرية: ممثل/ة وسيم بعينين براقتين (حتى لو لم يكن ممثلا جيدًا كما في حالة “عمر”)؛ قصة سهلة للهضم والمتابعة، وهذا يتطلب شخصية واضحة وغير معقدة أكثر من اللازم؛ صراعًا بارزًا يضع البطل بين أمرين اختيار أحدهما أمر معقد أخلاقيًا ومشاعريًا؛ وما تيسّر من المعضلات الأخلاقية الكونية التي يمكن لأي مشاهد من أيّ ثقافة أن يتماثل معها ويأخذ موقفًا منها (وطني أم حبيتي؟). وشريط عمر يحوي هذه العناصر الثلاثة بوضوح.

إذًا، هو شريط تجاريّ يتناول مسألة إنسانية-سياسية من الدرجة الأولى ويتخذ فلسطين المحتلة مسرحًا لها. هذا خيار واضح للمخرج لا لبس فيه. في المقابل، ستجدون مخرجين فلسطينيين مثل إيلي سليمان، يعمل بطريقة مختلفة: أيلي –برأيي- هو رسام بالأساس. يبلور اللقطات ويرسم المشاهد بعناية فائقة تجعله اليوم من مصاف صانعي الأفلام الفنية في العالم. وهذا خيار أيضًا وجدير بالاحترام والتأمّل. لا توجد وسيلة واحدة لرواية القصة الفلسطينية. وويل لنا إذا رضخ سينمائيونا لمطالب المشاهدين الغيورين والمتعصبين للقضية، لأننا عندها سننتج معلبات جامدة من الكليشيهات والشعارات المسيئة للقضية التي نحبها.

وحتى اليوم، ومن ضلع مرة في إنتاج شريط سينمائي، يعرف أنّ العمل في السينما هو عمل تجاري/ مالي بالأساس: ديكورات وتصميمات وإضاءة وكاميرا وممثلون ومساعدون وشاحنات كبيرة وعشرات الأشخاص يحاولون السيطرة على مجرى العمل كي ينجح المخرج في تصوير 3-4 دقائق ناجحة في يوم التصوير الواحد. عمل مُضنٍ ويستند بالأساس إلى عقلية إنتاجية تستوجب العمل في ضمن ميزانية محدودة. الفن الأكبر في السينما هو ترجمة نصف مليون دولار (مثلا) إلى أيام تصوير ثابتة، على اختلاف مواقعها، وإطعام نحو 50 شخصًا ثلاث وجبات يومية وتدبير مبيتهم والتعامل مع منغصات البيئة المحيطة أحيانًا. السينما هي فن الممكن والممكن فقط. لا يمكن إنتاج فيلم جدير بناء على أحلام غير واقعية يقوم بعكس “واقع” فلسطين الحقيقي. هذا مستحيل لعدة أسباب أهمها: لا يوجد واقع فلسطيني واحد ومشترك، وهذا لا يسري على الضفة/ غزة/ الداخل/ الشتات فقط، بل على مناطق الضفة نفسها أو الداخل أو غزة. ثانيًا: هذا غير مثير سينمائيًا في الأفلام الروائية. قد يكون هذا من طموحات السينما التسجيلية أن ترسم الواقع “كما هو” (إحدى المحاولات الممتازة في هذا السياق “طريق 181″ لميشيل خليفي وإيال سيفان). لكنّ الواقع الممكن الوحيد في لعبة التخييل هو الواقع الذي يبحث عنه المخرج ويريده، سواء في السينما التسجيلية أو الروائية. إنه واقع منتقى وانتقائيّ مئة بالمئة. إذن أيّ واقع هذا الذي نراه في الأفلام؟ ببساطة يمكن القول: الواقع الذي يخدم القصة والحبكة.

أحد القوانين الصارمة في كتابة السيناريو يقول ببساطة: ضع المعلومات التي تفيد الحبكة وتطوّر الشخصيات فقط ولا غير. هل يعرف أحد منكم كم أخًا لعمر المختار في الفيلم؟ هل تطرق شريط سائق تاكسي إلى عائلته؟ أي أكلة يحب القاتل في سايكو؟ هذه معلومات غير ضرورية لبلورة الشخصية ودفع الحبكة إلى الأمام، ولذلك ممنوع وضعها في الشريط. أيّ إقحام لها بدون حاجة سيكون مترهّلاً وغير مهنيّ وسيعود بالضّرر على مقوّمات التشويق في الفيلم، وعلى الأغلب سيسقط في غرفة المونتاج. لا يهمّ أي تفصيل زائد عن أيّ شخصية في “عمر” ما دامت غير مفيدة للشخصيات والحبكة، حتى لو كان ذلك يعني عدم تصوير دبابة احتلالية أو فلاش باك لعمر وهو يلقي الحجارة على جنود الاحتلال الذين دمروا بيت عائلة جاره. من يريد أن يعرف نسبة البطالة في المخيم الذي يعيش فيه عمر فليفتح “جوجل”. هذه النزعة القائمة لدى الكثير من الفلسطينيين (بحكم كوننا شعبًا مع قضية) مُميتة. أتحدّث عن النزعة التي نصيح باسمها: نحن نريد في كل شريط فلسطيني أن نرى النكبة والاحتلال الهمجي وطائرات الإف 16 والدبابات وأن نرى غطرسة الإمبرياليّ وبعض المقولات البوست كولونيالية. حين يكون ذلك ضروريا لسرد القصة فإنّ هذه الأمور ستكون بالطبع، ولكن عندما تكون غير لازمة فيجب إخراجها من الشريط فورًا، حتى لو كانت السياسة (والقضية) تستوجب ذلك. السينما أهمّ من السياسة. السينما ليست أداة كفاحية بالمعنى الحرفيّ ونحن بحماستنا الفلسطينية (المبالغ بها أحيانا) نأخذ مواقفنا من الإبداع الفلسطينيّ (بكلّ أنواعه) وفق قائمة جاهزة سلفا: هل ظهر الصهيوني كشيطان؟ هل ظهرنا كضحايا أبرياء؟ هل كانت النكبة/ النكسة/ الانتفاضة بارزة وحاضرة بقوة في الشريط؟ هل حللنا الوجود الاستعماري كما يجب؟ وهكذا… هذه مُشاهَدة نمطية وسطحية، وهي تسعى لتسطيح إبداعاتنا الفلسطينية وعلى مبدعينا/مبدعاتنا أن يواجهوها بشجاعة.

لقد علّمنا الواقع منذ الاحتلال الأول عام 1948 ثم الاحتلال الثاني عام 1967 أنّ عدد العملاء الفلسطينيين في فلسطين التاريخية يفوق كلّ توقع وكلّ احتمال وربما كلّ شعب آخر غيرنا خضع للاحتلال. الفلسطينيون أنجبوا أبطالا لا حصر لهم، ولكنهم أنجبوا عددًا لا يستهان به من المتعاونين والعملاء والأنذال واللصوص والنصابين أبطال الفضائح المالية والأخلاقية. هذا معطى مصيريّ لفهم الواقع الفلسطيني بمركّباته. إزدواجية البطل/العميل هي من أساسيات ومكوّنات كلّ مجموعة تناضل في وجه قوة استبداديّة. وبين البطل والعميل يقبع الرماديّ الذي افتتحتُ به هذه المقالة. الرماديّ العصيّ على التعريف في أحيان كثيرة، أو التصنيف أو وضع لاصقات “الجيّد” (Good guy) والسيئ (Bad guy) عليه. غالبيتنا نعيش في الرماديّ الصعب ولأننا كذلك فإننا نتوق إلى معادلة الخير (الأبيض) في وجه الشرّ (الأسود) كي تنقذنا من رمادية الحياة التي نحياها في ظلّ هيمنة المشروع الصهيونيّ في كافة أنحاء فلسطين التاريخية. تمامًا كما يحبّ الأطفال انتصار بابا سنفور على شرشبيل وباتمان على أعدائه. أيّ عمل يثير فينا الرماديّ، يناوشه وينكشه، كأنه يهين هذا التوق للأبيض الناصع. فالأبيض الناصع الذي ينتجه المبدعون الفلسطينيون لنا هو الأبيض الوحيد الذي تبقى لنا. إنه شعور بالفجيعة والخسران، توق غير ملجوم لرؤية كم نحن صادقون وكم هم ظالمون. هذه نزعة إنسانية مفهومة وطبيعية، لكنّ مهمة الإبداع الأولى تحدّيها وطرح الأسئلة عنها، وليس الاستسلام لها. أيّ استسلام لهذا التوق الفلسطينيّ هو تسوية مُسيئة بحق الإبداع والمبدعين ولدورهم الطليعيّ المفترض في طرح الأسئلة والنقاشات.

أمّا من الناحية الفنية فإنّ شريط “عمر” ليس شريطًا متميزًا في المجمل، وأنا أحكم عليه بالمعايير التي بُني عليها: الشخصية الرئيسية تشهد تقلبات عميقة وبسرعة كبيرة غير مقنعة ممّا يجعلها شخصية “ورقية” بعض الشيء، تتقلب حسب حاجة الحبكة وليس من منطلقات داخلية عميقة بما يكفي. الحوارات لم تكن كلها على نفس المستوى، وقد برز ضعفها كثيرًا في كلام محقق الشاباك (وليد زعيتر الممتاز) في النصف الثاني من الشريط، وثمة مشاكل أخرى صغيرة لا مجال للتوسع بها مثل فقر التصميم الفني للشريط. وفي المقابل يُسجَّل لأبو أسعد قدراته التقنية الحرفية على بناء التشويق وبناء اللحظة السينمائية الصحيحة بإيقاع كتابتها وإخراجها ومونتاجها، إلى جانب التصوير الممتاز (إيهاب أبو العسل) والقرار الهام الذي اتخذه أبو أسعد ثانية: فبعد صنع “الجنة الآن” بلا موسيقى يعود إلى هذا القرار في “عمر”، وهو قرار شجاع جدًا، وليس من السهل على مخرج أن يتنازل عن إحدى أهم الأدوات المتاحة له لإحكام قبضة التأثير العاطفيّ على المشاهد. هذا رهان كبير من طرف المخرج على سائر العناصر السينمائية الأخرى وإعلان ثقة بها.

لقد حظي أبو أسعد –أكثر من غيره- بتساؤلات واتهامات كثيرة تراوح كلها في نقطة مركزية واحدة: أنه يصنع أفلامًا للغرب. والجواب طبعًا: نعم، ونحن سعيدون بذلك. هل علينا جميعا أن نكتب ونخرج ونرسم ونلحن لأنفسنا فقط؟ أن نظلّ حول موقدة القبيلة، نرثي مصيرنا ونتشاطر الألم؟ ما المانع في أن ننتج أفلاما تكون موجّهة للغرب وللشرق وللجنوب وللشمال؟ نحن نريد أن نقنع العالم بصدق قضيتنا، فتعالوا إذًا نروي له قصة مبسّطة بعض الشيء، تجذبه وتجعله يخرج من القاعة بأسئلة جديدة عن فلسطين وإسرائيل لم يسألها من قبل، ولن تسنح له أيّ فرصة أخرى طيلة حياته للتعرف على هذه الأسئلة. نحن منغمسون بأنفسنا ونخال العالم يتابع طوشة حماس وفتح ودقائق الفروقات بين الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، ونعتقد أنّ الناس تتابع بقلق شديد النقاش الدائر الآن بين أنصار الدولتين وأنصار الدولة الواحدة. فكروا بصبية عمرها 16 عامًا من كوريا، وبمُسنّ عمره 78 عامًا من السويد وبأمريكي كهل وكندي شاب وياباني وصيني وبرازيلي. من يستطيع الوصول إليهم اليوم باستثناء الفعل البصري (سينما، تلفزيون، يوتيوب)؟ العالم تغيّر وبرغم ذلك نحن نريد من كل فعل إبداعي فلسطيني أن يكون مانيفستو متكاملا يعكس أوجاع النكبة وتفاصيل روايتنا وإرهاصات البوست كولونيالية.

والأنكى أنّ من يطرحون هذا الادّعاء هم من النخب المتعلمة عامة وهم بأنفسهم يكيلون لك المحاضرات الطويلة عن ضرورة مخاطبة الرأي العام العالمي والوصول إلى كلّ مكان في العالم للحديث عن قضيتنا وتحديث أدواتنا النضالية وشحذها بألوان العصر والهايتك (خاصة عندما يكونون مدعوّين لمحاضرة أو مؤتمر غربي). في المقابل، فإنّ التوجّه للمشاهدين الأجانب له ثمن: أن يخرج المشاهد الفلسطيني بشعور ملموس وحاضر بأنّ الفيلم لم يجدّد له الكثير وأنه اختصر الكثير من التفاصيل والمعلومات. هذا تحصيل حاصل في هذه النوعية من الأفلام الرائجة التي تطرح قضية معقدة بأكثر ما يمكن من البساطة والوضوح. ولا بأس في ذلك. فليُنتَج كلّ 4 أو 5 سنوات شريط يحكي مع الغرب وفقط معه، وليغفر أصحاب النفوس الشفافة والشفيفة هذه “السقطة”. هذا تناقض مريب غير مفهوم ويصعب التعامل معه. فجأة تحوّلت عملية صنع فيلم يحكي مع الغرب والأجانب إلى شبه مسبّة. فعلا غريب.

وبحكم كوننا شعبا متشنجًا وطافحًا بملايين العبقريين الذين يعرفون بالضبط كيف يجب أن نقاوم وأن ننتج السينما والأدب والموسيقى وأن نحلّ القضية وأن نحرّر الأرض والإنسان، فإنّ شريطًا مثل “عمر” يستفزّ أبشع ما فينا: رغبتنا في تلقين الناس كلهم درسًا في الوطنية وأصول صناعة السينما الوطنية. شريط “عمر” وقع ضحية لهذا التلقين. وبقدرة قادر يتحوّل كل أبناء الشعب الفلسطيني الصّامد إلى نقاد سينمائيين وعلى أقصى يسار الجبهة الشعبية، فيما يعود “المنتقدون” في الصباح التالي إلى عملهم الذي تموّله صناديق كولونيالية/ سلطة مُطبّعة ورديئة/ المؤسسة المدنية الإسرائيلية. وهذه الحالة بحدّ ذاتها جديرة بفيلم فلسطيني طويل…

 (نشرت هذه المادة في موقع قديتا بتاريخ 21 آذار 2014)