علاء حليحل

يوسي بيلين متفائل، على الرغم من كل شيء. فانتخابه رئيسًا لحركة “ياحد” اليسارية الصهيونية الفتيّة هو بالنسبة له الطلقة الأولى في مسيرة “اليسار” الاسرائيلي ثانيةً إلى سدّة الحكم في إسرائيل. وهو لا يهمه بالمناسبة أنّ الاعلام الاسرائيلي استقبل انتخابه بفتورٍ ملاحظ، وبتشكيكٍ أكبر- فهو معتاد على ذلك، ولن يثنيه شيء عن تحقيق هدفه، خاصة أنه يسير بحسب خطة “المئة يوم” التي وضعها له مقربوه، ويخطط لبلورة خطة “جنيف إجتماعية” جديدة. هذا ما اتضح من الحديث معه لـ “المشهد الاسرائيلي”، بداية هذا الأسبوع.

قرأتُ لبيلين اقتباسًا من مقالة ليوئيل ماركوس، معلق في صحيفة “هآرتس”، نُشر بتاريخ 19 آذار الجاري. كتب ماركوس: “… بيلين هو شخص مهم وغزير الأفعال، إلا أنه غير صالح لانتخابه قائدًا للأمة”. فأجاب بيلين: “لقد قرأت هذه المقالة. يمكنهم أن يكتبوا ما يشاؤون. لكل واحد اللحظة المناسبة التي يمكن أن يكون فيها صالحًا للانتخاب. وهناك احتمال كبير جدًا في رفع احتمالات حدوث هذا”. في هذه النقطة على الأقل يبدو أنّ بيلين ما زال يشبه معلمه ووليّ حياته السياسية، شمعون بيرس. ولكن هناك اختلافًا واحدًا فقط: فعلى الأقل، نجح يوسي بيلين في انتخابات ما خاضها، على خلاف معلمه بيرس.

“الأزمة في اليمين وليس في اليسار”

في بداية الأسبوع الماضي كان يوسي بيلين منشغلا جدًا، إلى درجة إلغاء اللقاء الذي كنت اتفقت عليه مع مستشاره الاعلامي. فاغتيال الشيخ أحمد ياسين كان مفاجأةً كبرى، جعلت كلّ المعارضين لهذه الخطوة مطلوبين إعلاميًا على كل الأصعدة وفي مختلف الوسائل. ويوسي بيلين كان أحدهم. فقد قال يوم الاغتيال: “إن هذا الاغتيال هو غلطة فظيعة يمكن أن تدفع إسرائيل لقاءها ثمنًا باهظًا”. وبحسبه فإن المسّ برؤوساء التنظيمات الفلسطينية يجب “أن يكون بموازاة زيادة التعاون مع السلطة الفلسطينية”. سألته أمس الأول الأحد عن هذا الموضوع ثانية. بيلين: “في “ياحد” خرجنا جميعنا وبصوت واحد ضد هذا القتل (اغتيال ياسين- ع.ح.). نحن نعتقد فعلا أن هذا الرجل حرّض على القتل والكراهية، إلا أنّ قتله لن يجلب الهدوء والأمن. التصفيات المركزة ليست وسيلة يمكن لدولة أن تتبّعها. كما أنّ غالبية الأحزاب انقسمت داخليًا في الردّ على هذا الموضوع. في “ياحد” فقط كان هناك رد موحّد.”

– هل تعتقد فعلا أن هناك احتمالات واقعية لليسار الاسرائيلي؟

“نعم. لاحظ أنّ اليمين الاسرائيلي هو الذي يعاني من أزمة عميقة بالذات. فشارون يتحدث عن انسحاب أحادي الجانب وعن دولة فلسطينية، واليمين يرفض ذلك. بينما لا يعاني اليسار من أية أزمة أيديولوجية من هذه الناحية.”

– الموقف من الجدار لا يشكل أزمة في اليسار؟

“أنا شخصيًا ضد كل أنواع الأسوار والجدران. الجدار الوحيد المقبول عليّ هو الذي سيقوم كحدود بين الدولتين ضمن مسار الـ 67. كل جدار آخر هو مرفوض عندي.”

– ومع ذلك، هل ستدعمون شارون في حالة طرحه للخطة الانفصالية في الكنيست؟

“نحن سندعم شارون في ذلك، ولكننا سنحاول التوضيح قدر الامكان أن ما يطرحه شارون فيه من السوء الكثير، وتوضيح أسباب دعمنا.”

جنيف الثانية

ويرى بيلين في “ياحد” حركة تسعى في منحييْن: المنحى السياسي والمنحى الاجتماعي. فبعد “إتفاقية جنيف” الشهيرة، يسعى بيلين لوضع خطة “جنيف اجتماعية”. “جنيف الأولى” مقدسة عند بيلين. يتحدث عنها كما يتحدث عن واحد من أبنائه. بالنسبة له، “مبادرة جنيف” هي الحلّ الأمثل للنزاع الفلسطيني-الاسرائيلي. المشكلة أنّ الشعب الفلسطيني لا يعتقد ذلك: في بداية كانون الأول 2003 قام “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحيّة” بإجراء استطلاع للرأي العام الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، تضمن أسئلة حول “مبادرة جنيف”. بعد الاطلاع على ملخص لبنود المبادرة الرئيسية فإن نسبة التأييد للمبادرة ككل (بين 100% من المجيبين) ارتفعت من 19% إلى 39% فيما ارتفعت المعارضة من 44% إلى 58%، وانخفضت نسبة غير المطلعين والذين لم يقرروا من 37% إلى 3%. وأعطت أقلية لا تتجاوز الربع تأييدًا لبند اللاجئين (25%) ولبند القيود على السيادة الفلسطينية (23%)، أما المعارضة لبند اللاجئين فبلغت 72% ولبند قيود السيادة 76%.  ولم يكن فرق بين اللاجئين وغير اللاجئين في الموقف من بند اللاجئين في المبادرة فالطرفان يرفضانه بنفس القوة. وفي نظر الشارع الفلسطيني: أفضل بند في المبادرة هو الانسحاب مع تبادل الأراضي وأسوأ بند هو بند اللاجئين.

أطلعتُ يوسي بيلين على هذه المسألة وسألته ما إذا كان سيرضى بفتح بنود “مبادرة جنيف”، خاصة بند اللاجئين والعودة، في حالة إصرار الفلسطينيين على مواقفهم المبيّنة أعلاه. بيلين: “لا. أنا لا أقترح فتح بنود المبادرة مجددًا. فهذا ليس صدفةً أن المبادرة لاقت المعارضة عند الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني نتيجة لبنودها.”

– في حالة ونجحت في مخططاتك وصرت عضوًا في الحكومة القادمة، فهل ستسعى لتطبيق “جنيف” كما هي؟

“إذا حصل وكنتُ جزءًا من الحكومة القادمة فإنني سأدعم بنود المبادرة كما هي الآن.”

– إذًا أية بشرى تحملها للفلسطينيين؟

“علينا ألا نيأس لأنّ اليأس سينتصر علينا. مهمتنا تتمثل في محاولة التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين. علينا أن نبني ائتلافًا منّا. والعامل المشترك لذلك هو مبادرة جنيف، والسعي من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات.”

مئة يوم من العمل

بعد انتخابه بساعات قليلة خرج بيلين بتصريح “المئة يوم”. فمقربوه ومختصون ممن يشاركونه التوجه حضّروا له خطة وجدول عمل للمئة يوم الأولى بعد انتخابه. فمثلا، يخطط بيلين للتوجه إلى كل بيوت العائلات التي انتسبت لحركة “ياحد” وشاركوا في الانتخابات الداخلية بالتبرع بمبلغ 900 شيكل جديد لكل عائلة لإنقاذ “ياحد” من ديونها المُبهظة. بيلين: “الخطة تتطرق إلى الخطوات التي عليّ اتباعها في الأشهر الثلاثة الأولى في مجالات عديدة أهمها المسائل الداخلية والدولية وبناء الحزب.”

– مثل خطة “جنيف الاجتماعية”؟

“الفكرة من وراء “جنيف إجتماعية” هي عرض خطة مفصلة في المسائل الاجتماعية والتعليم. نحن نتحدث عن ثورة حقيقية: يوم تعليمي طويل من سن ثلاث سنوات، وبذلك سيكون بالامكان إنهاء التعليم الثانوي في سن 15 أو 16 سنة. وحتى أنه سيكون بالامكان إنهاء اللقب الأول حتى سن التاسعة عشرة.”

– ما يشبه مساعي يوسي سريد في حكومة براك…

“لا، أكثر. ولكن عليّ أن أنوّه بمساعي وإنجازات سريد في هذا المجال. خاصةً في تركيزه الكبير والثوري على الضواحي والمناطق النائية.”

وفي المجال السياسي يؤمن يوسي بيلين بوجود شريك عند الفلسطينيين. “أنا أومن بالسلام وبوجود شركاء له فلسطينيين. أنا أتحدث عن ائتلاف من العقلاء والسويّين الذين توصلوا ووقعوا على “مبادرة جنيف”. كما يمكن النظر بنفس الروح إلى الإعلان الذي نشر في جريدة “الأيام”، مؤخرًا”، الذي وقعت عليه شخصيات فلسطينية تدعو إلى وقف الانتفاضة المسلحة وتسييرها نحو المقاومة الشعبية.

– وماذا مع الشركاء هنا، من هم مصوتو “ياحد” المحتملون؟

“مصوتو “ياحد” هم من الطبقة الوسطى، وضعهم المادي جيد وثقافتهم عالية. يجب إعادة هؤلاء إلى اليسار. والعرب طبعًا. أنا أرى “ياحد” حزبًا يهوديًا-عربيًا”.

– حزب يهودي-عربي؟

“بمعنى أنّ العرب هم شركاء في الحزب متساوون حتى النهاية. علينا أن نعيد الذين صوّتوا لـ “شينوي” و”العمل” وخابت آمالهم من هذين الحزبين.”

– هل ترى شركاء مع “ياحد” من الأحزاب العربية؟

“قد يجوز ذلك. فمع “ياحد” الجميع سيشعرون بأنهم في بيوتهم. وفيما يخص الائتلافات المستقبلية فإنني أرى بالفعل إمكانية كهذه مع “الجبهة””.

– وماذا مع الحركة الاسلامية و”التجمع”؟

“أعتقد أن هذا أصعب قليلا، بسبب طبيعة الحركتين المتطرفة بعض الشيء.”

– ولكن برنامج “ياحد” كما قرأته، ينسجم في غالبيته مع طرح “دولة المواطنين” كما طرحه عزمي بشارة.

“عزمي بشارة يتحدث أكثر في اتجاه دولة ثنائية القومية، ولهذا السبب على فكرة خرج في معارضة متطرفة ضد مبادرة جنيف. بالنسبة لي “الجبهة” هي شريكة في التعاون المستقبلي أكثر من غيرها.”

– صرح أفرهام بورغ (رئيس الكنيست الأسبق من “العمل”) اليوم أنّ على حزب “العمل” ألا ينضم إلى حكومة شارون الآن، في ضوء احتملات تقديم لائحة اتهام ضده. هل توافقه وهل هو في طريقه لـ “ياحد”؟

“أنا لا أعرف نواياه، عليك أن تسأله هو. ولكنني أعتقد أنّ إنضمام “العمل” إلى حكومة شارون الآن هو الجنون بعينه. لقد جرّنا هذا الرجل إلى اتجاهات بغيضة. أنا أعتقد أنّ حزبًا يساريًا لا يمكنه أن ينضم إليه حتى في موضوع الانسحاب أحادي الجانب.”

في أعقاب الطبقة الوسطى

عندما يقول بيلين إن عليه أن يعيد مصوتي “شينوي” و”العمل” إلى اليسار الصهيوني، فإنه من المسلي بعض الشيء والمفيد في آنٍ العودة قليلا إلى اليوم الذي تلا انتخاب بيلين رئيسًا لحركة “ياحد”. ففي ذلك اليوم (17 من الجاري) خرج بيلين في حملة علنية وشديدة وواضحة ضد حزب “العمل” برئاسة بيرس وضد “شينوي” بزعامة طومي لبيد. بيلين: “سنحارب حزب “العمل” أكثر من محاربتنا لـ “الليكود”. فهذا سيكون خطأً كبيرًا”، قال في تطرقه إلى احتمال انضمام حزب “العمل” إلى حكومة شاورن. وفي نفس الخطاب لم ينسَ بيلين “شينوي” وقال إن أيامه معدودة. في اليوم التالي زاد بيلين من وتيرة التهجم: “حزب “شينوي” هو حزب آرتشي بانكر (شخصية تلفزيونية أمريكية كانت بطلة لمسلسل شائع الانتشار، وكانت ترمز للأمريكي البرجوازي الصغير، العنصري والشوفيني والشبع والنهم- ع.ح.)”. ثم دعا بيرس للتوقف عن التذلل أمام شارون، “وإذا لم يتصرف “العمل” كمعارضة فإن “ياحد” ستحاربه أكثر من “الليكود””. لبيد لم يتأخر في الرد، حيث طالب بالتحقيق في مصدر تمويل حملة بيلين الانتخابية، ملمحًا إلى أنه تلقى الأموال الأوروبية، فردّ عليه بيلين بأنه مدعو للفحص وأنه –أي لبيد- أسوأ وزير قضاء في تاريخ دولة إسرائيل. فجاء رد لبيد: “بيلين بادر لـ “جنيف” التي ألحقت أضرارًا كبيرة بإسرائيل في العالم… وإذا كان هناك أمر ما ينغص عليّ تمتعي في الجلوس في كرسي وزير القضاء فهي حقيقة أن بيلين جلس في هذا الكرسي من قبلي”!

من ناحية بيلين ولبيد وبيرس فإنّ الحرب على أصوات “الطبقة الوسطى” بدأت الآن وهنا. خاصةً إذا انتبهنا إلى رقمين اثنين: 40% من مصوتي “شينوي” عبروا عن دعمهم لـ “مبادرة جنيف”؛ 60% من مصوتي “العمل” يدعمون المبادرة، بالاضافة طبعًا للوسط العربي.

يوسي بيلين يطمح بقيادة المعسكر إلى الأمام. “أن نكون القاطرة التي تجرّ القطار. علينا أن نكون واضحين في مواقفنا وأن نأكد عليها: مبادرة جنيف والتوجه الاجتماعي”. في الظروف المعطاة الآن من الصعب الانضمام إلى حماس بيلين، غير المفهوم في بعضه. فعوضًا عن كل ما يمكن أن يُقال عن قومجية وهستيرية المجتمع الاسرائيلي، الآخذتين في الازدياد من يوم إلى يوم، فإن الظروف الموضوعية الأخرى يمكن أن تؤثر بشكل سلبي وكبير على مساعي بيلين: التنافس المحموم على مجموعة واحدة من المصوتين (الطبقة الوسطى اليهودية والوسط العربي)؛ غياب بيلين عن أروقة الكنيست والحكم فهو ليس عضو كنيست الآن؛ والتقلبات السياسية المفاجئة التي قد تنبع عن استقالة شارون وتبكير الانتخابات، مما قد يدفع بـ “ياحد” إلى معركة إنتخابية مع ديون كبيرة وكوادر غير مبلورة ضد حزبين كبيرين (“العمل” و”شينوي”)، يعرفان جيدًا من أين تؤكل الكتف!

(نُشرت هذه المادة في آذار 2004 في ملحق “المشهد الإسرائيلي)