إذا كان للدال نقطة أن يُجنّ فليفعل ذلك عندما يشيخ. أما أن يفعل ذلك وهو في أواخر الخمسينات وأمام باب شقة سمير، فهذا أمر لم يخطر على بال أحد.

“دكتور حكيم، دكتور حكيم..”

لا يبدو له نائمًا. لو كان نائمًا فقط لكان انتفض لا ريب إثر الهزّات العنيفة التي تلقاها على كتفه. ربما كان ميتا؟.. لا، لا إنه مجرد متعب..

“دكتور حكيم!”

كان عليه أن يصرخ. الدال نقطة يحاول فتح عينيه.

“دكتور، هذا أنا سمير، هل تسمعني؟”

“سمير، سمير، ساعدني على الوقوف.. أوه، لن تصدق، لن تصدق.. رأيتُها (هنا بدأ بالصراخ) رأيتُها.. رأيتُها!”

كانت مُتعبة هذه المساعدة، إذا تذكّرنا لبرهة معطيات الدال نقطة الجسمانية.

“إهدأ دكتور أرجوك.. الساعة تجاوزت الثانية عشرة..”

“لا يهمني أبدًا أبدًا.. أقول لك رأيتُها.. رأيتُها..”

“من هي؟”

“من هي؟؟ أيّها الجاهل! من هي؟.. أمك!”

“دكتور، تعالَ إلى الداخل.”

“تعالَ نحتفل أولا.. أيقظ الجيران، إستيقظوا!”

لاحظ سمير ليليان وقد وقفت بالباب.

“ساعديني أرجوك، لقد جُنّ العجوز.”

جرّ الاثنان الدال نقطة إلى الداخل بصعوبة. أنار سمير الضوء وأجلس الدال نقطة على الكنبة الصغيرة. كانت رائحة الخمر تملأ الجوّ.

“سكران؟.. هل أنت سكران؟.. أنت سكران إذًا.”

“أنا منبسط فقط.. لاحظ الفرق.. أنا منبسط ولست سكرانَ.. مساء الخير آنستي الجميلة.. عليك أن تكوني حذرة جدًا إذا كنت تنامين في شقة هذا النمس.”

“إنها لا تتكلم العربية.. ليليان هلا جلبت غطاء للدكتور لو سمحت؟”

“بالطبع.”

“إسترح دكتور، عليك أن تنام الآن، سنتكلم في الصباح.”

“أيّ صباح هذا الذي تتكلم عنه؟.. أقول لك رأيتها وتقول لي في الصباح؟”

“من هي التي رأيتها؟”

“السيرك، سلسلة السيرك!”

“هل تقول رأيتها؟!”

“هذا ما أحاول قوله لك منذ البارحة، لقد رأيتها.. بأم عينيّ رأيتها.”

“حسنًا، إهدأ الآن.. سأعدّ القهوة وسنتكلم على راحتنا.. هل تودّ الذهاب إلى الحمام؟”

“ولِمَ أودّ ذلك؟”

“يعني، لتتبوّل، لتتقيأ.”

“لا، لا، لست بحاجة لهذه الاشياء، أنا لست سكرانَ.”

“بالطبع، بالطبع.”

لحقت به ليليان إلى المطبخ.

“أعذريني ليليان، يبدو أنه سيبقى الليلة هنا، ربما علينا أن نتقاسم سريري الليلة.”

“فقط إذا كنتَ ولدًا مهذبًا.”

إبتسما. كان الإرهاق يكاد يرشح من تعابير وجهه. هو شبه متأكد من أنّه لن يرى أسبوعًا كهذا في حياته، ثانية.

“أنت متعب.”

“نعم، قليلا.”

“من هذا؟”

“اسمه الدكتور حكيم، لقد كان أستاذي في الجامعة في قسم الفنون ومن يومها ونحن صديقان حميمان.”

“وهل هو دائمًا بهذه الحالة؟”

“لا، أبدًا، على العكس. إنه غاية في النظام والمراعاة.. لا أذكر أنه تناول أكثر من كأسيْ نبيذ طوال معرفتي به، أمام الناس على الأقل. ولكن أن يسكر وينام على الدرج ويصرخ في منتصف الليل طالبًا إيقاظ الجيران، فهذا جديد عليّ.”

“غريب.”

“إنه يمرّ الآن في أمر خاص وخطير. أعتقد أنه متأثر به إلى أبعد الحدود.”

“وما هو هذا الأمر؟”

“سأخبرك حين يحين الوقت، أو بالأصح، حين أعرف أنا بالتفاصيل. هيا بنا.”

وضع سمير صينية القهوة على الطاولة وتطلع إلى ليليان بخيبة أمل.

“لقد نام”، همست ليليان.

“نعم، فعلها ابن الزانية.. لا عليك، تعالي ننقله إلى الأريكة الكبيرة ونغطيه.”

مهمة شاقة. كان سيقع أكثر من مرة إلى الأرض. كان جسده يتمايل بين أيديهما بشكل مثير للضحك. حتى هو كان يبتسم من أعماق حلمه المخمور. أطفأت ليليان الضوء ولحقت بسمير إلى الغرفة.

“هل ترغبين بسيجارة مع القهوة؟”

“بسرور.”

“أنت لم تعد تقضي أوقاتا كثيرة في البيت منذ انتقالي، هل أزعجك ببقائي هنا؟”

“لا، أرجوك ليليان ألا تفكري بهذا الشكل، أنا مسرور جدًا بأنك هنا.”

صمت. هل من المناسب أن يخبرها بآخر التطورات عن غريغوري؟.. إنه أخوها في نهاية الأمر ويحسّ بواجب أخلاقيّ في إطلاعها على المستجدات. ولكن عباس طلب منه السرية التامة.

“هل من جديد عن غريغوري؟”

“ليس بعد. حالما أعرف أيّ جديد سأخبرك. لا تقلقي.”

“كيف يمكنني ألا أقلق؟.. أولغا سافرت هي والأولاد اليوم إلى روسيا. لم تسألني حتى إذا كنت راغبة بالذهاب.”

“ولكنك لم تودّي الذهاب إلى هناك.”

“صحيح. لا أعرف، أنا وحدي الآن.”

“لا عليك، أنا معك كما تعلمين.”

مرة أخرى هذا الإحساس الأبويّ، الإحساس بالمسؤولية.. ما الذي يجعله مهتمًا لهذه الدرجة بليليان؟.. ليليان المهاجرة الجديدة التي كانت حتى قبل أيام قليلة مجرد جارة جميلة لا توليه أيّ اهتمام. إنه يجلس معها الآن على سريره ويشربان القهوة بعد منتصف الليل وسينامان على نفس السرير بعد قليل. إحفظ يا حفيظ.

“هل تشعر بالإحراج؟”

“لا أبدًا، وأنتِ؟”

“قليلاً.”

“يمكنني النوم على الأرض إذا أردتِ.”

“لا، لم أقل إنني لم أرد النوم بجانبك.. أنا محرجة بعض الشيء فقط.”

“تفضلي.”

“شكرًا… هل قلت لك إنني وجدت عملا في أحد البارات؟”

“جيد جدًا.”

“سأنتقل للسكن مع زميلة لي في الكلية، بحاجة إلى شريكة.”

“جيد.. جيد.. متى؟”

“قريبًا جدًا، عندما أبدأ بالعمل.. سيدفع لي حوالي ثلاثة آلاف شيكل بالإضافة إلى الإكراميات التي سأحصل عليها.. يقولون إنّ الإكراميات أكبر من المعاش بكثير.”

“ستصبحين غنية إذًا.”

يضحكان.

ستغادر. طبعًا ستغادر، ماذا اعتقد إذًا.. أنها ستبقى عنده إلى الأبد؟.. أنها لا تستطيع العيش من دونه؟.. ثم ألم ينتظر هذه اللحظة بينه وبين نفسه؟.. أن يعود ليكون وحيدًا في شقته؟.. في صومعته؟

“لم تخبريني في المرة الفائتة عن سرّ إتقانك لصنع القهوة العربية.”

“أنت لا تتنازل أبدًا.”

“لقد وعدتِني بإخباري.. يكفي أنكِ تهربتِ المرة السّابقة.”

“حسنًا، سأخبرك. كان لغريغوري صديق عربي يأتي إليه كثيرًا. كان لطيفا جدًا ويطيب الجلوس معه. مع الوقت تصادقتُ أنا وإياه وتطوّرت العلاقة. تعلمت منه الكثير من الأشياء عن هذه الدولة ومن ضمنها صنع القهوة العربية.

“جميل. وهل ما زلتِ على علاقة به؟”

“لا. لقد انقطعت أخباره منذ أكثر من نصف سنة، بعد أن تشاجر مع غريغوري.”

“لماذا؟”

“لا أدري.. كل ما أعرفه أنه كان يشتغل مع غريغوري في أمور تتعلق بالعمال الأجانب.”

“ماذا يعني بالعمال الأجانب؟”

“صدقني لا أدري.”

“هل تتذكرين اسمه؟”

“نعم، هالد..”

“خالد ماذا؟”

“لا أذكر.”

“حمزة؟”

“نعم، نعم، هالد همزة، من أين تعرفه؟”

(إلى صفحة الرواية)