.

|ليلاس سويدان|

يحاول القارئ أحيانا أن ينهي قراءة رواية مثلا، ولكنه لا يستطيع إكمالها، يبدأ ولكنه يشعر أنّ هناك خللًا ما، وأن هناك صفحات لو تجاوزها لكانت الرواية أكثر تماسكا.

شيء في البنية الروائية أو الحدث وتطور الشخصيات أو أفكار مسترسلة دون ضبط، أو حتى اللغة المرهقة، كانت تحتاج الى قارئ ناقد قبل الطبع. ربما هذا هو دور المحرر الأدبي الذي يغيب عن عملية الكتابة والنشر في دور النشر العربية، والذي بالمناسبة لا يتعلق دوره بالرواية فقط، ولكن بكل كتاب أدبي مطبوع يخرج للقارئ.

أعظم الكتب الغربية ربما لم تكن لتحظى بشهرة أو تلاقي التقدير النقدي العالي لولا وجود محرر أدبي شارك في عملية كتابتها. ماركيز نفسه يعترف أنه لولا حذف المحرر الأدبي لمئة صفحة من «مئة عام من العزلة» لما كانت هذه الرواية لاقت نجاحا.

وغونتر غراس الكل يعلم عن علاقته الفريدة بمحرره الأدبي الذي كان يصطحبه معه أينما ذهب. بعض المحررين الأدبيين في الغرب أسماء كبيرة ولامعة في عالم النشر، ولهم سطوة اكتسبوها من إنجاح بعض الكتب وإبراز أسماء في عالم الأدب، منهم الأميركي روبرت غوتليب، الذي كان وراء شهرة الروائي الأميركي جوزيف هيلر، والأميركي النمساوي المولد فرانز بلي، الذي كان أول من نشر قصصاً للكاتب الألماني فرانز كافكا، وغيرهم كثيرون.

العمل المؤسساتي لدور النشر في أوروبا وأميركا، واعتبار نشر الكتاب صناعة تتطلب الإتقان إضافة للتعامل مع الإبداع كمنهج وآلية، أوجدت المحرر الأدبي الذي يغيب هنا لغياب الأسباب السابقة، إضافة الى «تقشف» دور النشر التي لا يوجد في بعضها حتى مصحح لغوي. إضافة إلى شيء لمسته فيما قرأته سابقا عن رأي بعض الكتاب العرب في وجود عدم ارتياح لأي تعديل على أعمالهم، واعتبارهم الإبداع حالة خاصة، ووجود محرر أدبي «تصغير» من قيمة الكاتب. عموما كم من الكتب ما كانت لتنشر لو كان هناك محرر أدبي حقيقي في دور النشر العربية. طرحت سؤالا على بعض الكتاب العرب حول موضوع المحرر الأدبي وسبب غيابه عن دور النشر ومدى الحاجة اليه.

علي بدر -الروائي العراقي المقيم في بلجيكا- قال إنّهذا التقليد غير موجود في ثقافتنا، في الغرب هنالك أشخاص متخصصون بهذا الأمر، وهم يبيعون خبراتهم للكتاب لقاء أجر، هذا غير متوافر لدينا. نحن ككتاب عرب نكتب ونراجع ونحرر ونقوم بكل شيء. وأضاف: “يلعب المحرر الأدبي دورا كبيرا في صناعة الرواية وليس في العمل التكميلي فقط. وفي الغالب لكل كاتب في الغرب محرر أدبي خاص به، يعني يعمل معه بالأجر. وظيفة هذا المحرر قراءة الرواية وإبداء ملاحظات أساسية، مثل رفع شخصية من الشخصيات، يشطب على مجموعة كاملة من الصفحات، يعطي رأيه في تغيير الحبكة. وفي الغالب يواكب الكاتب من أول صفحة إلى نهاية الرواية. بعدها تذهب الرواية إلى الناشر، فيقدمها إلى مجموعة محررين، وظيفتهم تتعلق باللغة، تصحيح الأخطاء، انسيابية قراءة الرواية. لذلك تخرج الرواية المطبوعة كاملة من كل النواحي. هذا غير متوافر في العالم العربي ولا أظنه سيتوافر في القريب العاجل”.

ناصر الظفيري- الروائي الكويتي- قال:”أتذكر قبل سنوات عرضت أستاذة النظرية والأدب في الجامعة على طلبة الدراسات العليا رسالة وصلتها من المحرر المسؤول عن إحدى الدوريات الأدبية. في الرسالة أكثر من عشرة أخطاء يطالب الأستاذة بتصحيحها. كانت المقالة عن جيمس جويس، وهو موضوع رسالتها للدكتوراه. المحرر لم يتردد في إبداء ملاحظاته وإعادة الدراسة الى الأستاذة، وان كانت في مستوى علمي وأكاديمي يفوق درجته العلميّة.

“كان سبب عرض الرسالة على الطلبة هو أن يحترم الباحث والدارس الأدبي دور المحرر كرجل متخصص في اللغة غالبا، وفي النقد، اضافة الى كونه ناشرا محترفا. ويرى كبار الكتاب أن المحرر الأدبي ليس مراجعا نحويا فقط. فهو يعيد ترتيب الأفكار الكتابية ويتلمس الضعف الذي لا ينتبه اليه الكاتب. وربما أجمل وصف للمحرر الأدبي ما ذكره ستيفن كينغ، وهو بالمناسبة خبير لغوي، “الكاتب بشري والمحرر إلهيّ. للأسف، قلة من الكتاب العرب يعتمدون على المحرر الأدبي في رواياتهم، وأعترف بأنني لا أنشر عملا دون أن أعرضه على محرر أثق برأيه اللغوي وذائقته الفنية، ولكننا لا نكتب اسم المحرر لأسباب أهمها أنها ليست مهنته، وانما يقوم بها تطوعا. ولكي لا تختلط المسميات: المحرر الأدبي ليس مدققا لغويا. فهو يعيش النص ويتفاعل معه ويراه بعين أخرى تختلف عن عين الكاتب، هو ناقد أوليّ للعمل مرورا باللغة. ولو تم عرض مجموعة من الأعمال الجيدة على محرر أدبي متخصص لخرجت خالية من كثير من عيوبها اللغوية والسياقيّة”.

علاء حليحل- الروائي الفلسطينيّ- استعان في روايته الأخيرة “أورفوار عكّا” بمحرّر أدبيّ أشار إليه على الغلاف الداخلي للرواية، وتحدث عن أهمية دوره في صدور روايته وسبب ريبة الكتاب العرب من وجوده ودوره: “للأسف الشديد، المشهد الأدبي العربي يتعامل مع مهنة المحرر الأدبي وكأنها مسبّة للكاتب. الغالبية يعتقدون أن العمل مع محرر أدبي يجيء ليغطي على ضعف في الكتابة أو كإشارة إلى عدم التمكن من الأدوات الأدبية. وهذا خطأ فظيع. فمهمة المحرّر الأدبي ليست في مراجعة النص لغويا ولا في تصحيحه إنشائيا أو بلاغيًّا. المحرّر الأدبي هو قارئ مهني يستطيع أن يتحدث مع المؤلف عن النص وما وراء النص، وما سبقه؛ عن علاقة النص بالمؤلف والخفايا التي كُشفت من خلاله، والأهم: عن كل الأمور التي لم ترد في النص وكان يمكن أن ترد فيه أو لا. إنها علاقة مهنية بلا شك، لكنها أيضا علاقة ثقة وتبادل أفكار ونقاش مستمر ودائم وجميل «ومتعب أحيانا» بين شخصين يحبان الأدب، ويفكران فيه طيلة الوقت. أنا أعتقد أن الكتابة مع محرر هي نعمة لكل من يجد شخصا يثق فيه ويبدي استعداده لتحمل كل المخاضات والتجارب والحذف والشطب لأشهر طويلة. لولا عملي مع أكثر من قارئ مهنيّ قبل صدور «أورفوار عكا»، لكنت وقعت في أخطاء ومطبّات لا يمكن أن ينتبه إليها من يكتب النص. فالكاتب يكون منغمسا كله في النص وتفاصيله، وينسى أن يرفع رأسه عن الورقة ليرى كل التفاصيل المبهمة أو الناقصة التي لا يلاحظها إلا قارئ خارجي”.

طالب الرفاعي– الروائي والقاصّ الكويتي- قال: “إنّ وجودي في برنامج الكتابة الإبداعية العالمي في جامعة «أيوا» الأميركية، ودراستي الحالية، في جامعة «كنغستون- لندن» أتاحا لي الاطلاع عن كثب على معنى وجود «المحرر الأدبي» في أي من دور النشر العالمية. فكون الكتابة والنشر تجارة رائجة وكبيرة تدرّ الملايين على دور النشر الكبرى، فإن المحرر الأدبي هو أحد أهم عناصر الربح والخسارة لهذه الدور. فبعد أن يتجاوز أي كتاب إبداعي لجنة القراءة، ولأي كاتب، مهما علت قامته وحضوره العالمي، يأتي دور المحرر الأدبي، الذي يتمتع بصفتين مهمتين هما: معرفته الدقيقة والموسوعية في الجنس الأدبي الذي يعمل به أولاً، ومتابعته لروح السوق وذائقة القارئ ثانياً. لذا يتدخل المحرر الأدبي، بوضع اللمسات الإبداعية الأخيرة وربما الأهم على الصياغة النهائية للكتاب قبل أن يرى النور.

“برأيي، سبب غياب المحرر الأدبي عن دور النشر العربية، يكمن في عدم وجود هذا التقليد الأدبي المهم، إضافة إلى اضطراب وتأرجح حالة الناشر العربي، وسعيه لربح آخر فلس يمكنه الوصول إليه. فتوظيف محرر أدبي متخصص، براتب كامل، لكل جنس أدبي سيكون مرهقا ماديا. كما أن النشر العربي، لم يصل بعد إلى مرحلة التخصص والنضوج ليعطي أهمية لدور المحرر الأدبي، ويخلق علاقة إبداع بينه وبين المؤلف من جهة، وبينه والناشر وجمهور القراءة من جهة ثانية”.

دار العين للطباعة والنشر من دور النشر العربية القليلة جدا التي تستعين بمحرر أدبي. مديرتها فاطمة البودي تحدثت عن هذه التجربة وقالت: “المحرّر الأدبيّ مهنة لها أهميتها وسطوتها في دور النشر الغربية، دور المحرر لا يقل أهمية عن الكاتب، ويصل الأمر الى ان لكل كاتب مهم للدار محررا خاصا به، من هنا انتبهت دار العين للنشر لهذا الدور المهم. من مهام المحرر العمل على النص مع المؤلف، بحيث يخرج العمل في أحسن صورة. المحرر أيضا له القدرة على الحكم على الأعمال الأدبية من حيث صلاحيتها للنشر من عدمه. في كثير من الأحيان يخلط الناس بين عمل المحرر الأدبي والمصحح اللغوي. فرق كبير بينهما”.

(عن “القبس”)

Related Posts

  • 40
    http://youtu.be/oA5JGfAHAMM  
    Tags: عكا, علاء, حليحل, علي, أورفوار, أدب
  • 38
    عليه أن يقترب عدة خطوات فقط ليطعنه في قفصه الصدريّ، ناحية اليسار بإصبعيْن، كما قالوا له. بإصبعين لا أكثر ولا أقلّ وعندها سيموت فورًا. سيطعنه كما علّموه في الرّزداق قرب حيفا أمس، حيث أعطوه هذه السّكين الكبيرة، الفرنساوية، وقالوا له: هذه مُميتة. هذه ستقتل أكبر ثور
    Tags: أن, إلى, عكا, حليحل, أدب, علاء, أورفوار
  • 37
    عن المدينة وعلاء حليحل وروايته التي لاحقها متطرفون حتى مقاعد الدراسة •رواية استثنائية لجهة الموضوع الذي اختاره الكاتب، وأيضا من حيث تقنية السرد
    Tags: عكا, إلى, حليحل, أورفوار, الرواية, أدب, علاء
  • 37
    يدخل المرء إلى الرواية، بحذر. هي مبنية على بحثٍ تاريخيّ، وخيالٍ أدبيّ. يتداخلان، فلا يأمن المرء تماماً للمعلومات في ما يقرأ حتى يستسلم. يستسلم تماماً لما يبتدي الذهن يرى نفسه واقفاً في قلب هذه الأحداث، في صدر البلاط إلى جانب الجزّار، في غرفة نومه، عند سور عكا، بالقرب منه هذا…
    Tags: الرواية, إلى, أو, عكا, أن, علاء, حليحل, أورفوار, أدب
  • 36
    هذه المتعة بالكتابة، التي أنتجت متعة في القراءة ورواية ستضيف إلى الأدب الفلسطيني الكثير، قادرة على تمرير فلسفة الكاتب عن الحياة، والحرب والسلم، والتفاصيل الحيّة بالمعارك، والحبّ، وبالأساس المضامين النسوية
    Tags: حليحل, الرواية, إلى, أن, أورفوار, عكا, أدب, علاء