(1)

يظلّ وقع السكّين أقوى من البندقيّة أو الطائرة. تلك العلاقة المخيفة، المثيرة للرهبة، بين اليد التي تمتدّ إلى الجسد عن قُرب وتجرحه. هذا القرب الجسمانيّ يجعل الموت أكثر فظاعة ويجعل الخوف بِدئيًّا ومرتبطًا بخوفنا العتيق والقديم من الموت وجهًا لوجه مع الغريم. هذا أحد الأمور التي تدبّ الرعب والهستيريا في الشارع الإسرائيليّ في هذه الأيّام، إلى جانب العنصريّة المعشّشة فيه. زدْ على ذلك ارتباط الطعن ذهنيًّا بسيف داعش. السكاكين التي يحملها أفرادٌ يخرجون إلى الشارع حاملين أرواحهم وأرواح غيرهم على أكفّهم ليست سكاكينَ فقط. إنّها خلاصة الرعب الفطريّ الذي يعشّش في مخيّلات البشر. ولذلك، فهي مادّة خام ممتازة للتحريض والتهويج واستشراء الكراهية.

(2)

يجوز لكلّ شعب أن يشعر بالبلبلة والتخبّط. يجب علينا ألّا نخاف من عدم المعرفة أحيانًا، أو من عجزنا عن فهم كلّ شيء، كأن نتّخذ موقفًا صارمًا من كلّ التفاصيل. ما تمرّ به فلسطين في هذه الأيّام عصيّ على الفهم والإدراك، وخصوصًا بعيون أبنائها. الجميع يجتهد في التحليل وهذا جيّد، لكن لا أحد يستطيع أن يشير إلى كُنه وعُمق ما يحدث والأهم- إلى ما سيحدث بعده. لا عيب في أن نقول: لا نعرف ولا نفهم. يجب ألّا نستسلم لنزعتنا الفلسطينيّة الفطريّة بأنّ نحلّل بالقوّة ولو عن خطأ. ويجب ألّا نستسلم لنزعتنا الوطنيّة والنضاليّة بأنّ نفسّر كلّ شيء وكلّ تطوّر بما يخدم خطاب القضيّة أو لا يُسيئها بأقلّ تقدير، حتى لو كان هذا التفسير قَسريًّا أو فوقيًّا أو “مطعوجًا”. هذه الأوتوماتيكيّة مُضرّة على المدى الآنيّ وعلى المدى البعيد.

(3)

الفلسطينيّون في الضفة والداخل غير جاهزين اليوم لأيّ مواجهة عسكريّة مع إسرائيل، سواءً أكانت بالسكاكين أم بالبنادق. نحن غير جاهزين لا على المستوى الاقتصاديّ (وهو الأهمّ اليوم، للأسف) ولا على مستوى الرغبة ولا على مستوى الجاهزيّة الشعبيّة، حتى لو تعامل الإعلام العربيّ الهائج مع أبنائنا وبناتنا كطعام شهيّ لانتفاضة يحلمون بها. هذا ليست مقولة تخاذليّة أبدًا؛ وحتى لو أسيء فهمها أو تقديرها فإنّها تظلّ –بنظري- أفضل من التهوّر والانجرار وراء مشاعر انتقاميّة أو حزن حقيقيّ. لا أحد يستطيع أن ينتصر على إسرائيل عسكريًّا اليوم. علينا أن نتعامل مع معطيات الواقع بهدوء وشجاعة، من دون أن يكون هذان الأمران مرتبطيْن بالبراغماتيّة المنفلخة أو المتقهقرة. المواجهة تستوجب أحيانًا التراجع من أجل تجميع القوى. اسألوا كلّ شعوب العالم التي خاضت نضالات مستمرّة واستنزافيّة. نحن لسنا أفضل من أيٍّ منها بشيء.

(4)

يجب أن نرفض وبصوت عالٍ كلّ عمليات ومحاولات الطعن والدعس التي تبدر عن فلسطينيّي الداخل (خصوصًا) وفلسطينيّي القدس والضفة. هذه أفعال ضارّة ومسيئة وهي تضرب المجهود الوطنيّ المتراكم منذ عشرات السنوات. لا يأتي هذا الموقف من منطلق “قتل المدنيّين الأبرياء” فهذه معادلة مشوّهة ولا تُطرح إلّا عند قتل المدنيّين اليهود، رُغم نُدرة ذلك قياسًا بقتل المدنيّين الفلسطينيّين. أنا لا أخشى على التعايش المتوهّم أو على “علاقتنا مع الآخر”، فالجميع يعرف كم هي واهية وفارغة من أيّ مضمون. أنا أخاف على أنفسنا وعلى قدرتنا على إدارة الصراعات مستقبلًا. لا يجب أن يكون رفع سقف المقاومة أو التحدّي عبر السكاكين أو العمليّات العسكريّة. يجب على القيادات أن توفر بدائلَ عمليّة وجديدة للمسارات النضاليّة. الإضرابات والمظاهرات لم تعد تُجدي نفعًا، حتى كفشّة غلٍّ تنفيسيّة (وهي مسيئة بالذات لكونها فشّة غلّ تنفيسيّة!). وعلى صعيد فلسطين الداخل، يجب ألّا تضيع الفوارق بين خصوصيّة وضعيّتنا كمواطنين لا نريد الانفصال عن الدولة (باعتراف وممارسة كلّ مكوّنات العمل السياسيّ لدينا) وبين خصوصيّة الضفة وغزّة. من يقول إنّ حيفا محتلّة مثل نابلس ويجب أن نتصرّف على هذا الأساس، عليه أن يكون نزيهًا وأن يطبّق ذلك على كلّ مناحي حياته، بما فيها التنازل عن كلّ رفاهيات وأفضليّات بطاقة الهويّة الزرقاء: إذ كيف يقبلون بحمل وثائق الاحتلال المدنيّة؟

(5)

هذه أيّام صعبة وتستنزف كلّ ما هو طيّب وجيّد في النفس البشريّة. يخال المرء للحظات أنّه فقد أيّ إحساس بقيمة حياة البشر. مناظر جثث الفلسطينيّين التي يُنكّل بها في الشوارع مُهينة ومثيرة للتقزّز. في قلب كلّ هذه الأحاسيس يجب أن نتمسّك بالفلسطينيّ المتفائل الذي فينا والذي ورثناه جيلًا بعد جيل. وهذا الفلسطينيّ المتفائل يطلب منّا على مستوى فلسطين الداخل: عليكم أن تصمدوا اليوم كما صمدوا من قبلكم، وعليكم ألّا تنسوا أنّ المسيرة ما زالت طويلة ونهايتها تبدو في بعض الأحيان أبعد ممّا كانت عليه قبل سنوات. نحن بحاجة إلى قيادة تقود ولا تنجرّ، وإلى أناس يرابطون في مدننا وقرانا وينقذون ما يمكن إنقاذه على كلّ المستويات. نحن في حرب استنزاف طويلة وعلينا أن نُعدّ العدّة لها عبر استراتيجيّة مدنيّة-نضاليّة مدروسة، وإلّا فإنّ السكاكين التي تُستلّ الآن ضدّ الإسرائيليّين ستُستلّ ضدّ بعضنا البعض قريبًا. هذه سكاكين ذات حدّيْن وإذا لم نخرج ضدّها الآن فإنّها ستخرج علينا قريبًا.

Related Posts

  • 40
    جرت العادة، في كل مرة تشن إسرائيل خلالها حربًا على الفلسطينيين أو على العرب، أن يعلن الأدباء العبريون موقفًا منها، باعتبارهم "حراس شرف الكلمة" في عُرف الذهنية الإسرائيلية العامة. وتتجه أنظار الرأي العام في العقود الأخيرة، على وجه التخصيص، إلى ما بات يعرف بـ "الترويكـا" الأدبية الإسرائيلية والمؤلفة من أبرز…
    Tags: إلى, أن, أو, فلسطين, حليحل, علاء
  • 37
    صورة فلسطينيّة حقيقيّة. جموع من الفلسطينيّين تحت سماء محترقة وبين مبان مهدّمة وكلهم في طابور من أجل حفنة أرز وبطانية للشتاء
    Tags: أن, إلى, حليحل, فلسطين, علاء
  • 36
    خلص، سألتزم: سأكتب تدوينة يوميّة من 300 كلمة. 300 بالضبط!  إلى أن أستسلم أو أموت أو تطلقوا النار عليّ. سأكتب من باب الالتزام. "الفنان الذي لا يضرب فرشاة لون في اليوم على الأقلّ ليس فنانًا" قال ديغا، وماذا مع الكاتب(ة) الذي لا يكتب كلمة واحدة على الأقل يوميًّا؟ الكتابة التزام…
    Tags: أن, كلّ, حليحل, علاء
  • 36
    لماذا يخاف نقد فلسطين؟ هل لأنه كسول وعجوز وعاجز عن اكتشاف أصوات جديدة، بحكم ترهل أدواته، واهتراء لغته، وعدم انفتاحه على فضاءات الإبداع العالمية، واستنفاده لروحه ونضارته؟
    Tags: فلسطين, أو, أن, حليحل, علاء
  • 35
    وبما أنّ كوندي هنا، في بيتنا، يا مرحبا يا مرحبا، فإنني سارعتُ إلى إجراء جرد حساب سريع بيني وبين نفسي، علّي أكون معتدلاً فتدعمني كوندي بالأخضر والأزرق. والاعتدال وفق ابن منظور في معجمه "لسان العرب": "تَوَسُّطُ حالٍ بين حالَيْن في كَمٍّ أَو كَيْفٍ، كقولهم جِسْمٌ مُعْتَدِلٌ بين الطُّول والقِصَر، وماء…
    Tags: إلى, حليحل, فلسطين, علاء