هذه شِلتُنا

في أزمة مسرح “الميدان” الأخيرة، في سلسلة الأزمات منذ سنوات فيه، احتجت المتزحلقة في تناقضاتها بأنّه توجد “شلة” في المسرح متكاتفة ومتماسكة وهي تعمل ضد شخص ما أو أشخاص، ثم أراقت احتجاجها حبرًا على ورق، مثبتة جهلا ماحقا في العمل الثقافي والمسرحي بشكل عام، وهو التئام العاملين والمبدعين فيه في مجموعات فكرية وثقافية ومَشغليّة، تتفق على نفس المبادئ وعلى نفس الطرق وعلى نفس الوجهات. وفي غالب الأحيان، تتضارب هذه الرؤى مع رؤًى أخرى، لمجموعات أخرى، مما يُنتج مجموعاتٍ وشللاً لا تتفق مع بعضها البعض، كأقل ما يُقال، ولكن اختلافاتها تكتسب طابعًا جماهيريًا خاصًا، فضائحيًا أحيانًا، لأنّ أفرادها تحت الأضواء وفي العناوين، مع أنّ طوش الشلل بين المحامين والدكاترة والمهندسين وعمال البناء والنجارين، لا تقل ضراوة وعنفًا وهبوطًا، ولكنّ لا أحد يعيرها اهتمامًا؛ فمن يكتب عن خناقة المحامي الفلان في مكتب المحامي فلان، ضد المحامي علان الذي يعمل في مكتب المحامي علنتان، وعلنتان وفلان الأولان كانا شريكين ثم تشاجرا، ثم تفاضحا، ثم تبهدلا؟

(وهنا المكان للتدقيق: كلمة شلة هي عامية (في “لسان العرب”: الشُّلَّة: الدِّرْع والنيّة والشُّلَّة: الأَمر البعيد تطلبه، والشَّلَّة: الطَّرْدُ) وأصلها الفصيح ثلة (“تاج العروس”: الثلة بالضم: الجماعة منا، ومنه قوله تعالى: ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين. قال الزمشري: ويقال: فلان لا يفرق بين الثلة والثلة: أي بين جماعة الغنم وبين جماعة الناس. الثلة بالكسر: الهلكة”). إذًا، فالثلة هي الجماعة، والاجتماع هو كُنهها، لا فرق بين الآدمين والحيوانات.)

هذا صحيح منذ فجر التاريخ، وهو ليس اختراعًا “ميدانيًا”، بل سبقنا إليه مبدعونا في الوطن، والشلة الأكبر تكونت في ظل الحركة الثقافية التي رعاها الحزب الشيوعي الإسرائيلي والجبهة. ولا نقول هذا من باب التقريظ أو “اللي بيتو من قزاز”، بل نقوله من باب المعلومية والتثبيت، ليس إلا، من دون أحكام أخلاقية سلبية، بل بالعكس تمامًا- هذا هو الطبيعي والسّويّ والمفروغ منه. فترى كُتابا يجتمعون سوية ويأتلفون تحت غطاء مجموعة تعمل لتأسيس تيار أو نهج بديل (مثل حالة “شوام” الأخيرة)، وترى مخرجا مسرحيا ومؤلفا وكُتابا ينتجون المسرحية تلو الأخرى، مع ذات الطاقم، لأنهم يتفقون على كل شيء، أو على معظم الأشياء، ويكفي أن نراجع بعض أراشيف الصحف والمجلات والمسارح الفلسطينية عندنا قاطبة، كي نرسم خارطة دقيقة لهذه التكتلات الثقافية. ولا يسعني هنا إلا أن أبارك، بصفتي الشخصية غير الشللية، على هذه المجموعات التي تحاول سوية سبر أغوار ما نسميه العملية الإبداعية، على مختلف أشكالها، واستبيان كُنه ما يعنيه الخلق، بجانبه الإنساني الدُنيوي.

والأمثلة العالمية والعربية كثيرة ولا حصر لها: مجلة “شعر” التي أسّسها ورعاها وقادها رهط من الشعراء المحدثين في الستينيات والسبعينيات في لبنان والعالم العربي، حتى تحول اسم هذه المجلة إلى رديف لجيل كامل من المبدعين، سُمّيوا “مجموعة شعر”، وعلى رأسهم أنسي الحاج وأدونيس. كما لا ننسى المجموعات الشعرية العراقية في تلك الأزمنة وما قبلها، والتي اندرج فيها السياب والبياتي وغيرهما، حين كان العراق نهضة الحداثة (لمن يرغب، يمكنه مراجعة كتاب “شارع الأميرات” لجبرا ابراهيم جبرا، عن الحياة الثقافية في العراق ونشوء الشلل الإبداعية والثقافية في تلك الأزمنة)

ومن هناك يمكن أن نعرّج عائدين بالزمن إلى فترة شكسبير المسرحية والأدبية، حيث جمع جيمس بربيجي، كمدير، من حوله مجموعة مسرحية أنتجت وأخرجت أعمال شكسبير إلى النور، ومن بعده ريتشارد باربيج الذي أدّى غالبية الأدوار الرئيسية وقتها في مسرحيات شكسبير (هاملت، عطيل، ماكبث، شايلوك، الملك لير، وحدث ولا حرج). وقد كانت هذه المجموعة متجانسة في أعمار أفرادها وفي اهتمامها المسرحي (تأليفا وإخراجا -مع أنّ المفهوم لم يكن متطوّرا وقتها- وتمثيلا)، وشكّلوا وقتها ما نسميه اليوم “البوهيمية” اللندنية.

ومن إنجلترا إلى إيرلندا، حيث تشكلت مجموعة (شلة) من الكتاب المسرحيين في مطلع القرن العشرين، ومنهم: ويليام باتلر ييتس، ليدي غريغوري، جون ميلينغتون سينج، وأصغرهم سنا شون أوكيسي، حيث شكلوا سوية “شلة مسرح بابي ثياتر”. وفي سنوات الستين المتأخرة، وبالذات على خلفية مناهضة الحرب الأمريكية على فيتنام، تأسست عدة مسارح جماعية كونتها “شلل” مسرحية، مثل “سان فرنسيسكو ميم تروب”، أو “مسرح كومبسينو” الخاص بالمهاجرين المكسيك، أو مسرح “الخبز والدمية” الذي أسّسته “شلة” بيتر شومن، ولكن أكثرهم شهرة في هذا المنحى كان “ليفينغ ثياتر” التابع لجوليان بك وجوديث مالينا. ولو قُيض لي أن أكون ملحاحًا أكثر لأوردت أمثلة أخرى، ولكن سأكتفي بأمثولة أخرى من بولندة، حيث نشأت وعملت وأنتجت “شلة” تديئوش كانتور، التي كانت شلة بالمعنى المتطرف للكلمة، حيث كانوا “كومونة” مسرحية ضلعت بالفن التشكيلي أيضًا (ولن ندخل غمار شلل الدادا وشلل الروسيين ماياكوفسكي وغوركي).

لماذا كل هذا؟.. أولا، كي تُوضع الأمور التاريخية والثقافية في سياقها الطبيعي، حول بديهية اجتماع مبدعين حول نهج ومسار ورؤية مشتركة، ولكن السّبب الأهم هو درء الاتهام عن هذه الظاهرة الإبداعية الخلاقة والجميلة، وتثبيتها كمتطلب أساسي لا غنًى عنه للعمل والإنتاج. ولكن ما يقضّ السكينة، حقًا، هو ليس الجهل والتباهي به، بل أنّ مُطلقي هذه الويلات هم أنفسهم أبناء لشلل ثقافية وشعرية وتشكيلية، ونحن لا نعيب عليهم هذا، ولكن نعيب عليهم أن يتهجموا على ظاهرة هم جزء منها، وهم نسوا أو تناسوا الحديث الجميل: لا تنهَ عن خلق وتأتي بمثله

فليس أجمل من طمأنينة المرء وهو يسعى مع رفاق درب، يستميتون من أجل هدف معين (الشيوعية، الاشتراكية، القومية، الفن من أجل الفن)، يساندونه ويساندهم، ينهلون منه وينهل منهم، يحملونه ويحملهم. من لم يضلع في العمل الثقافي والإبداعي المرهِق (خصوصا في حياتنا هنا في هذه البلاد الغبية)، لا يمكنه أن يثمّن قيمة الشلل والمجموعات التي تقوم، سعيًا نحو برّ اليقين، أو، وفي الغالب، الاكتفاء بشرف السعي، فقط.

قال المقرّظون “أنا في شلة، إذًا أنا موجود”. هذا صحيح في الكثير من جوانبه، ولا ننكر حق التفرّد والانعزالية اللذين يختارهما مبدعونمختلفون. ولكن، هل يدرك بعض المُقرّظين أنهم غير موجودين، لا في الشلة ولا وحدهم

طاش ما طاش

تململ وتبعثر نبيل عمر، مستشار الرئيس الفلسطيني، في استوديو قناة “الجزيرة” في واشنطن، ليلة الثلاثاء، وبدلا من أن يدلي بججه حول ملتقى أنابوليس السخيف، اختار أن يهاجم “الجزيرة” لأنها تعطي الوقت لاستوديو الدوحة أكثر من واشنطن، “مع أنّ الحدث يجري في واشنطن”، كما قال. ولماذا الغضب؟ لأنّ استوديو الدوحة استضاف د. عزمي بشارة، كمحلل لمجريات أنابوليس، بحث ألقى الضوء في بث مباشر على خطابات بوش وأولمرت وعباس، رافضًا الانضمام إلى جوقات التبعية العربية التي دفقت إلى أنابوليس لتحتفل بـ… لا شيء.

وزاد عمرو بتهجمه على بشارة وألمح إلى أنّ “الجزيرة” تفضله على غيره، واستسهب في غيه حين ألمح إلى ترك بشارة لوطنه قسرًا بعد حملة الشاباك ضده. ولكن ما يثلج الصدر ردّ بشارة الواضح عليه وعلى ما يمثله هذا الفاسد الذي حظي ببعض رصاصات الفلسطينيين الشرفاء قبل سنة أو أكثر، لفساده. ولن ندخل في تفاصيل الردّ، ولكن لنكتفِ بنموذج من الديماغوغية البراقة التي انتهجها عمر في نقده لبشارة: ماذا تريدون منا؟.. نحن هنا مع الأشقاء العرب. ألا يعجبكم هذا؟

قال هذا، مع أنّ بشارة انتقد بالأساس غياب الضلوع العربي حقيقي في قضية فلسطين وتحويلها إلى قضية الفلسطينيين ،فقط، أي أنه كان يدعو إلى عودة العالم العربي لاحتضان فلسطين، وليس الهرولة إلى لقاء بائس وسخيف في أنابوليس. لن نقول إنّ عمرو عانى فهم المسموع وقتها، فهو أذكى من ذلك، ولكن كانت هذه أمثولة في بث وحي ومباشر كيف يمكن لهذه المجموعة من أبناء شعبنا الفلسطيني وقيادته أن تزوّر وتكذب وتقلب الحديث، عنوة ومن دون خجل، من دون أن ينسوا طبعًا أن يلبسوا على وجوههم أقنعة الزعل والعتب ونبرة “بديش ألعب”.

شكرًا لـ “الجزيرة” لأنّ بشارة ضيفها الأساسي في هذه المرحلة التعيسة التي نحياها، وتخيلوا أن نبيل عمرو أو ياسر عبد ربه كانوا ضيوفها ومُحلّليها!

(زاوية “المتأمل” في صحيفة “فصل المقال“)

(نشرت هذه المادة في تاريخ 13 كانون الأول 2007)

تعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *