مراكش الحلم

1

مراكش لم تجرح الطبيعة ببيوتها البنية الفاتحة، فتراها من فوق، من الطائرة، تستظل بشمس المغرب الساطعة، تحتسي شاي الصباح الخريفيّ مع هضابها البنية، وتستظلّ برؤوس الجبال البيضاء المثلجة، في هذا الوقت من السنة. بعد ثلاث زيارات، تقع في حب هذه المدينة التي اجتذبت حب السينمائيين القدامى (هتشكوك، سلفاتوري)، وتشعر بأنّ ساحة “جامع الإفناء” هي ساحة خيالية لم تحدث حقًا، وبأنّ الناس فيها يهرعون (آلافًا، آلافًا مؤلفة) مُسرعين كي يطفئوا غبار الرمل في غروب صحراوي بارد.مراكش تجعل منك شاعرًا (رديئًا، على الأغلب) وتطلب منك أن تسجّل غزليات عربية لكل هذا الرمل ولكل هذه الصحراء، ولكل هذه البساطة الآسرة. أسواق مليئة، وشوارع مليئة، وحافلات مليئة، وميادين مليئة، وأناس بعدّ الأزل يبتسمون لأنك تتحدث إليهم؛ أعرف أنها رومانسية الفقر والعوز، ولكنها أيضًا رومانسية العربي المشرقي الذي حطّ في المغرب العربي، وأطلّ من شباك الطائرة على ميناء طنجة، كي يتذكر أنّ “البحر من ورائنا”، وليس لنا والله إلا انتظار العشاء بفارغ المعدة.

2

مراكش لا تنام. الحشود التي تملأ ميدان السوق المركزية في ساحة “جامع الإفناء” خرجت للتوّ من غفوة الظهيرة، وهي في سعيها نحو الليل الطويل تتكاثف مثل رمال الصحراء التي تُزيّن أطراف هذه المدينة، التي تتحصّن بجبال الأطلس وكأنها اختبأت خلفها من صحراء السهارى العاتية التي تحتل جنوبي-غربي المغرب. في الجموع رجال ونساء وصبية وأطفال. الأطفال يسعون لرزقهم، مثل جميع الأطفال في أية دولة فقيرة؛ يبيعون أفاعي بلاستيكية وصناديق خشبية فيها مفاجآت: أفعى صغيرة تنقض عليك، أو حشرة غريبة تخرج مادّةً رأسها وكأنها تتهيأ للسعك بقوة. مداعبات شقية من أطفال يركضون خلفك مئات الأمتار من أجل درهمين أو خمسة. أحدهم سأل باستغراب بعد أن أعطيته خمسة دراهم: “وكاش أورو؟” اعتذرتُ له، ولكنني اشتريتُ منه أفعى ثانية كي يسعد بالخمسة دراهم الأخرى، وبعد ربع ساعة رميتُ بالأفعيين، إذ أنني بدوتُ بلا شك، بالأفعيين والكاميرا وشنطة المسافرين الصغيرة التي تشبه “الباوتش”، سائحًا غريبًا سخيفًا، يبحث عن مكنونات “الشرق” المغرية، بين أكشاك المشاوي العلنية.لا يمكن أن ينجو المرء في الميدان الكبير من الباعة الذين يقفون أمام المطاعم الشعبية ويتعربشون كلّ ذاهب وآيب، وحتى إن نجا من وجبة الحلزونات التي تُباع بكثرة في ميدان مراكش المركزية، فإنه لا ينجو من رائحة لحم الرؤوس التي تملأ كل مسامة فارغة من مسامات الجسد. الطعام وافر، و”المطاعم” عبارة عن طاولات طويلة مرتجلة، يجلس إليها المرء كي يقتات زاده من لحم الرأس أو الحلزونات أو لحم الكوارع. هي وجبة سريعة، خاطفة، يملأ المرء فيها بطنه السعيدة بكلّ ما يلذّ ويطيب- فاليوم كوارع وغدًا فوارغ.في الزاوية المقابلة شاب فتيّ ينظر إليك ويبتسم. يجعلك تقترب منه، فيقترب منك بحذر ويخرج يده من جيب بنطاله، نصف إخراجة، فترى قطعة بنية ملفوفة بالنايلون الرخيص، ويسألك بابتسامة ماكرة: “حشيش؟.. حشيش؟..” تبتسم له إحراجًا وتبتعد ببطء وأنت تفكر في قذارة الزنزانة التي يمكن أن تجد نفسك فيها بعد ساعة، بعد أن يلقوا عليك القبض وأنت تشتري قطعة حشيش مغربية، إذا كيف يمكن أن يتأكد المرء من أنّ هذا الفتيّ الشقيّ ليس شرطيًا يتصيّد أصحاب الكيف؟في الركن المقابل شاب يبتسم أيضًا. يبتسم بحرارة، ثم “يغمز” بعينه دلالة التحبّب والترقب. زميل لي يغمزه بالمقابل، فتبتسم لنفسك وأنت ترى قصة عشق ذكورية جديدة تبدأ بالتكوّن أمام ناظريك، في بلد عربي مسلم يُحرّم مثل هذا العشق. زميلي يخبرني بأنّ هذه عاشر غمزة أو أكثر منذ أقلّ من ساعة، ويفتح عينيّ متسائلا: ألم تنتبه؟.. إنهم يملأون المكان؟.. أتأمل المشهد ثانية: عشرات الشبان من مختلف الأعمار، يتكئون على جوانب الممرات والبسطات ويبتسمون ويغمزون… هي ميدان عاشقة معشوقة إذًا، وأنا أسير فيها مطمئنا، غير عالم بأنّني مستهدف بغمزات صريحة تدعوني إلى ليلة عشق مغربية “غير شكل”. زميلي عاد إلى الفندق برفقة فتى مغربي يانع، وأنا خلدتُ إلى حاسوبي النقال أفتش في لوحة مفاتيحه عن كلمات أقولها للعالم عن كذبة الاختباء الكبرى من وراء أوامر المنع والتحريم الغبية. العشق ينتصر في النهاية، رغم أنف الدين والرقيب والقيّمين على الأخلاق.

3

يحبون فلسطين كثيرًا. فما أن تقول إنك فلسطيني حتى تتفتح ألف بسمة على الوجوه. وباسم فلسطين تساوم على سعر هذا الشال وعلى سعر تلك الجاكيت وعلى ثمن هذه البدلة الصغيرة المزركشة التي تشتريها لعُمري أو لسارة. تحرجهم بأنك قادم من القدس (التي لا تطيق ذرة من ذراتها)، وعيب أن يأخذوا منك كل هذه الدراهم. تنتصر القدس في النهاية (بمساعدة بعض الوقاحة العربية في المساومة والمفاصلة)، ويستغرب الزملاء الأجانب كيف اشتريتَ بخمسين درهمًا ما اشتروه بمائتين. إنها الديناميكية العربية التي لن يتقنوها يومًا، حتى لو درسونا ألفي عام. ديناميكية الكلام والنظر والمحاججة والقَسَم على اليمين والشمال؛ “والله”، تتردد ألف مرة في محادثة من جملتين، ولكنه القسم الحياتي اليومي، غير المقدس. لا أحد يقصد أن يقسم باسم الله، ولكنها كلمة تتردد، أي “صدقني، رغم أنك تعرف أنني أكذب، وأنا أعرف أنك تعرف، وأنت تعرف أنني أعرف أنك تعرف”، وهكذا دواليك. هي المساحة الواسعة الممتدة بين عربي وعربي، يتقاسمان زادهما الكلاميّ والحضاريّ بلا عتب، وبلا مواربة، وبكثير من التفاهم التآمريّ.

4

إنه مهرجان مراكش السينمائي. مئات، وربما ألوف من أهل البلد، يقفون على جنبات الممر المرصوف بالسجاد الأحمر، ينتظرون مجيء النجوم كي ينقضوا عليهم بالصراخ والهتاف والأغاني. مشهد كأنه مأخوذ من كتب التاريخ القديمة. أين يمكنك أن تجد اليوم جماهير كهذه، تحتفي بغبار النجوم، وتهتف لأحلام الشاشة الكبيرة أن تعالي، فنحن نحبك براقة على البساط الأحمر.تدخل يسرا، ثم أحمد راتب، ثم تامر حبيب، ثم شريف عرفة، ثم نور الشريف. إنه احتفاء خاص بالسينما المصرية في مراكش. نجوم الطفولة يمشون الآن بحب كبير ويلوحون للجموع بحرارة. تجد نفسك فرحًا أيضًا بكل هذه السذاجة الطفولية، تلك السذاجة (وربما البراءة) التي قتلناها من زمان في عصر السلع السريعة والاستهلاك الرسمي. تتخلى عن سخريتك وكلبيتك، وتتبع أطياف النجوم الكثيرة وهي تعبر المدخل نحو الحفل المركزي، وتصفق مع مجموعة الصبايا المغربيات اللواتي يتحلقن ليحظين بنظرة من نور الشريف أو لبلبة. تتذكر جميع الأفلام والمسرحيات المصرية التي صقلت وعيك وبدايات تكونك، فعلمتك ما هو الجميل والمتقن، وعلمتك أيضًا ما هو السّيئ والمبتذل.إنها السينما، السبب الذي قدمت من أجله إلى هنا. يسمونها ورشة، وهي بالأساس ملتقى للتعارف والسهر والاستكشاف. ها هي السينما تحدث أمام ناظريك: نجوم ومعجبون وجماهير، كلهم يلتفون حول حلم واحد، حول هدف واحد: صناعة الأوهام. وكم تتفاجأ حين تُعجب بهذه اللحظات الجماهيرية-الحميمة. تتفاجأ وتصفق مع المصفقين. مرحى لكم، مرحى لنا، مرحى لذاكرتنا الجمعية: السينما.

(نشرت هذه المادة في تاريخ 13 كانون الأول 2007)

تعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *