ضابط حرس الحدود الذي أثبت (عدم) وجود الله!/ علاء حليحل

 

طازا من الفرن: نزلت قبل نحو 20 دقيقة من القطار في محطة “مركز حيفا”. عند باب المقطورة تجمّع قوم كثيرون ومعهم شُنط كبيرة، أغلب الظنّ أنّهم في طريقهم إلى المطار. كانت إحدى النساء الكَهَلات تقف على الرصيف عند مدخل باب المقطورة وترطن بالعبريّة: لا أستطيع رفع هذه الحقيبة! وبحركة شهامة غير اعتياديّة منّي، أمسكت بقبضة الشنطة الكبيرة (والثقيلة) ورفعتها ووضعتها داخل المقطورة. وقبل أن أرفع يدي عن الشنطة لكزني شخص ما في كتف اليد التي أمسك بها قبضة الشنطة. رفعتُ رأسي فإذ به ضابط حرس الحدود الذي كان يجلس في المقعد القريب من مقعدي قبل ثوانٍ. مدّ يده وهو يحمل هاتفي النقّال. التقطت الهاتف ورددتُ على ابتسامته الكبيرة بابتسامة أكبر منها وتمتمتُ بالعربيّة “شكرًا”، فهزّ رأسه وعاد إلى مقعده بسرعة. وحين هممتُ بالترجّل من المقطورة سارعت المرأة التي رفعتُ شنطتها للتوّ بالقول: هل رأيت؟ فعلَ خيرٍ مقابل فعلَ خير! (עשית מצווה- קיבלת מצווה!)

حدث كلّ ذلك في أقلّ من 30 ثانية- وربما أقلّ. ولأنّني إنسان مُركّب من الطراز البوست موديرن، قضيت رحلة المشي من المحطة إلى المكتب وأنا أفكّر في عدّة نقاط:

1)  لقد شكرتُ للتوّ ضابطًا في حرس الحدود!! ولكي تعرفوا عُمق المفارقة والعبث فأنا أكره حرس الحدود أكثر من أيّ ذراع أمنيّة أو حربجيّة إسرائيليّة. أرى في هذه الوحدة خلاصة وعصارة الخراء الذي يمشي على الأرض. أعتقد أنّ هذه ترسّبات المظاهرات القديمة ونحن شباب متحمّس. إذًا، توافقونني، لا بدّ أن أصفن الصفنة اللئيمة.

2)  بالأمس فقط حصلت على هذا الجهاز، بعد أن دمّر محمود ابني الجهاز القديم وكسر شاشته، فانعمتْ أبصارُه، فانعميْتُ. هذه لحظة دراماتيكيّة لا ينتطح عليها عنزان؛ تصوّروا لو أنّ هذا الضابط لم يلحقني بجهازي. كنتُ عندها سأقول متحرّقًا: ولكو مبارح جبتو! مبارح!! تمامًا حين تعظم المأساة وتكبر بعد سقوط عامل بناء عربيّ عن السقالة ومقتله، حين نعرف أنّه: “قبل زفافه بشهريْن!!!!!” (علامات التعجّب من المصدر).

3)  وهل صدقت هذه المرأة حين استخدمت كلمة (מצווה- مِتسفاه) العبريّة، وتعني في بحبوحة من الترجمة: فرض دينيّ أو عمل خير. وكانت المرأة تقصد أنّ الله جازاني خيرًا لأنّني ساعدتُها، فأرسل لي طيرًا على شكل ضابط في حرس الحدود كي يحمل لي هاتفي النقال من ضياع 40 عامًا في الصحراء. لكنّني في غمرة التفكير بهذه الصدف اللعينة، أدركتُ كم هي مخطئة. ولإثبات هذا الادّعاء الدينيّ الغيبيّ، تعالوا ننتبّع خيوط الحدث:

•  فلنتعامل مع لحظة بداية القصة بأنها t1، وهي تساوي بالضبط الزمن الدقيق حين قمت عن مقعدي وتناولت الجريدة ونسيت أن أتناول جهازي النقّال فظلّ على الكرسيّ. مرّت أربع ثوانٍ حتى كنت أمام الباب (كنتُ أجلس في طرف المقطورة)، ثم خمس ثوان أخرى حتى فُتح الباب. وقد مرّت ثلاث ثوان أخرى حتى نطقت المرأة بجملتها المتأففة: لا أستطيع رفع هذه الحقيبة! هذه اللحظة ستكون في معادلتنا t2. ومن هنا:

t1 + 13 = t2

•  عودة إلى الضابط: لا شكّ في أنّه رأى الجهاز خلال ثانية أو اثنتين من قيامي عن المقعد، فاقترب منه ولحق بي. وهكذا تكون t3 اللحظة الحاسمة المصيرية التي أمسك بها الضابط الرهيف بجهازي وقرّر المضيّ في أعقابي:

t1 + 2 = t3

•  بعد t2 حلّت لحظة t4 وهي لحظة قبضي على الشنطة ورفعها إلى القاطرة، أي خلال ثانيتين على الأكثر، ومن هنا:

t2 + 2 = t4

•  نحن نعرف من شهادة الراوي أنّ الضابط الرءوف أمسك بكتف المدعو بعد ثانية واحدة على وضعه شنطة الرفيقة الكهلة على أرضية المقطورة. هذه t5 وهي تساوي:

t4 + 1 = t5

•  أمّا t6 فهي لحظة إطلاق الجملة السحريّة “فعلَ خيرٍ مقابل فعلَ خير!”، وهي موضوع حديثنا. لقد قالت هذه الكهلة المؤمنة جملتها بعد ثلاث ثوان من تبادل الابتسامات بين وبيني الضابط المتفاني، وعليه:

t5 + 3 = t6

•  ما نودّ فحصة من وراء كلّ هذه الخربشات الرياضيّة هو كالتالي: هل قرّر الضابط المخمليّ إسداء فعل الخير لي بإعادة نقالي إليّ قبل أن أسدي الخدمة للكهلة الطنّانة أم بعد ذلك؟ لو قرّر ذلك قبل صنعي المعروف معها لانتفت تمامًا جملتها الهادفة “فعلَ خيرٍ مقابل فعلَ خير!” وأثبتنا نهائيًا عدم وجود الله. أمّا إذا ثبت العكس فسأكون بحاجة إلى ادّعاءات مناورة لإثبات عدم وجوده، رُغم ذلك.

•  تعالوا نرى ما حدث وفق هذا المحور الزمنيّ: سنفحص النقطتين وفق علاقتهما بـ t1. حسب المعطيات الواردة هنا يمكن تسجيل هاتين المعادلتيْن:

Untitled-1

 

t1 + 13 = t2

t1 + 2 = t3

•  نستنتج من هذه المعادلة أنّ قرار الضابط بفعل الخير معي سبق قراري بفعل الخير مع الكهلة بـ 11 ثانية كاملة! أي أنّ جملة الرفيقة الكهلة “فعلَ خيرٍ مقابل فعلَ خير!” هي جملة لاغية في هذا السياق، وبالتالي فقد أثبتنا بطلانها وعدم وجود الله.

4)  من جهة أخرى فإنّ الضابط المشهود له قد أنجز فعلاً أمرًا خيّرًا وأنا أيضًا أنجزتُ أمرًا خيّرًا، من دون علاقة سببيّة مثبتة. ومع أنّ العلاقة السببيّة باطلة قطعًا هنا وفقما أثبتنا، إلاّ أنّ بالإمكان النظر إلى الموضوع من منظور آخر: لقد اتخذتُ أنا القرار بمساعدة هذه الكهلة الغاضبة منذ أن صعدت القطار وربما حين استيقظتُ من النوم. أي أنّ قراري بأن أكون شهمًا اليوم دونًا عن باقي الأيام، أرسل ذبذبات إيجابيّة إلى العالم، وجعل الجماهير المحيطة بي من وقتها تتعامل معي بإيجابيّة ونخوة وشهامة (إلاّ محمود الذي قرّر أن يشخّ شخة من العيار الثقيل قبل الخروج من البيت بدقيقتيْن، ولو أنّها أجّلها بدقيقتيْن فإنه سيكون من مسؤوليّة جدّته أم شادي). هذا يدلّ بالضرورة على وجود رعاية إلهيّة أو كونيّة تلقي بعطفها وحنانها على البشر الضّالين.

5)  وبما أنّكم قراء وقارئات مخلصون، يجب أن أقول الحقيقة لكم من وراء هذا النصّ: أنا لا يهمّني وجود الله أو عدمه، فإذا كان موجودًا فهو لا يضايقني بالمرّة (في الأيام الجيّدة على الأقلّ). الحقيقة من وراء هذا النصّ هي الهروب من العمل على ترجمة البحث الممتاز الذي أنجزه بروفسور أمل جمّال وسماح بصول عن حضور النكبة في الحيّز العام الإسرائيليّ. فالهرب من العمل هو من الوصايا العشر التي نزلت على موسى، لكنّ أبناء عمّنا اليهود وحماسهم للهايتك والإكزيت من وقتها، دفعهم لاستبدال هذه الوصية بوصيّة “لا تزنِ”، وهي وصيّة دخيلة على الشرائع الإلهيّة كما نستنتج الآن.

6)  وهل رأيتم؟ كل الطريق تؤدّي إلى النكبة! وهذه مسألة أخرى أثبتناها في هذه العجالة.

تعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *