الأب والابن والرّوح التائهة

رواية قصيرة

 

 

 1  |  الأب

إقتربت الأخت ماريا من الأب يوحنا وهمستْ في أذنه شيئًا. لم ينتبه أحد في الكنيسة، لأنّ الجميعَ كان مُغلقًا عينيه، شابكًا يديه على بطنه، مُلقيًا رأسَه على أعلى صدره، يُصلي في سرِّه مع الأب يوحنا. حين يصلي الأب يوحنا فإنه يتملك كلَّ من يسمعُه. يُسيطرُ على كلِّ الحواس الممكنة عند كلِّ من هُم من أتباعه، ومن هم من غير أتباعه. كان الأب يوحنا يقرأ بصوته الرخيمِ الخلابِ من الكتابِ المُقدسِ الثمينِ الذي اشتراه له الشيخ علي في عيد ميلاده الخامس والثلاثين، قبل سنتين:

“… إن الله نورٌ وليس فيه ظلمة البتة. إن قلنا إن لنا شركة معه وسلكنا في الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق. ولكن إن سلكنا في النور كما هو في النور فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه يطهّرنا من كل خطية.”

لم تستطع الأخت ماريا أن تتقنَ العربية تمامًا، على الرّغم من مِضيِّ عشرين عامًا على تواجدِها في القرية. شارفتِ اليومَ على الثانية والأربعين ولمّا تفقِد من مسحةِ جمالِها الطاغيةِ الكامنةِ من تحت نقابها الأبيضِ الطويلِ المُسترسلِ على جسدِها الملفوف برشاقةٍ، بثوبٍ أسودَ صوفيٍ خشنٍ طويلٍ؛ ولمّا تعرف رجلاً بعد. هكذا قالت للأب يوحنا في واحدٍ من أحاديثهما الشيّقةِ والعميقةِ في الليالي الطويلة المليئة بالوحدةِ والمطرِ وجسدِ المصلوبِ الواقفِ استلقاءً، فوق السرير الخشبيِّ الظلفِ، في القنطش[1] الموحش الذي يمضي فيه الأب يوحنا ليالي وحدته الباردة. لم تعرف رجلاً في حياتها إلا المصلوب على الخشبة، الذي “تحبُّه أكثرَ ممّا يحبُّها هو بنفسه”.

لم يغفل الأب يوحنا عن الإشكاليةِ الكبيرةِ في مثلِ هذه الجملة، خاصةً أنها صدرت عن أختٍ مؤمنةٍ ومخلصةٍ، إلا أنه كان يستطيعُ أن يلمسَ في تلك اللحظة مدى تأثر الأخت ماريا وعِظَم أيمانها بما قالت، فأجابها بحنيةٍ، تاركًا الموعظة إلى أجلٍ قادمٍ:

“هو يحبّنا كما نحبّه نحن. كوني متأكدة يا ماريا”.

هزّت الأخت ماريا رأسَها بخشوع ونظرت عبر الشّباك الزجاجي المُطلِّ على الليلةِ الماطرةِ السوداءِ وقالت في إستدراكٍ مُثير للشفقة:

“سامحني أيها الرب..”

لم يغفل الأب يوحنا عمّا في هذه الجملة من هلعٍ وحزنٍ، فهو الأدرى من الجميع بذلك، ولكنه صمتَ تاركًا للمطر الجليلي الغزير، الهدوءَ اللازمَ ليعزف “الراكويام” المُحزن اللائق بموت الخريف المعلن على الملأ…

“أبوك تعبان جدًا”، قالت الأخت ماريا، في أذن الأب يوحنا.

تظاهر الأب يوحنا بأنه لم يسمعها. كان يتلو ما تيسر من رسالة يوحنا على مسامع أبناء رعيته المخلصين، وكانت شمسُ هذا الأحدِ الدافئ تنجحُ من مرةٍ إلى أخرى في إلقاء سربٍ من أشعتها البيضاء على رؤوس الجالسين الخاشعين، حين تنجحُ حزمة من ريحِ تشرينَ الأولَ الباردةِ في التغلب على الشبابيك الخشبية الكبيرة، التي كانت ترتفع بهدوءٍ من أرضية الكنيسة الى ما قبل السقف بقليل، وتزيحُ الستارةَ الزرقاءَ الداكنة بعضًا من الإزاحة. لم يودّ الأب يوحنا أن يعكّر صفوَ هذا المشهد الرائع، من الطمأنينة والخشوع والقدسية، بالتفكير في والده المُسنّ الذي يودّع سنتَه السبعين بالمرض والألم. حتى الجملة اليونانية التي انسكبت في أذنه اليمنى بدت له غريبةً فجأة، وكأنه لم يتعلم هذه اللغة الشرقية ويحفظها منذ الصغر، ليتنسى له التدرّج في سلم الكهنوت في الكنيسة الأرثوذكسية في الديار المقدسة. بدت له جملة الأخت ماريا بعيدةً وغريبةً وربما فظةً، قياسًا بما كان يشعر به في تلك اللحظة. فتجاهلها.

ترك الأب يوحنا الأخت ماريا تنزل من على المنصة المرتفعة بثلاث درجات عن مسطبة الكنيسة المتواضعة، ولم ينظر إليها وهي تنسحب إلى الخلف لتجلسَ إلى جانبِ الشّيخ علي، الذي كان يجلس في المقعد الأخير في الكنيسة إلى جانب الباب. بعد دقائق فقط رأى الأب يوحنا الشيخ علي جالسًا في مؤخرة الكنيسة، ينظر إليه بهدوء ويبتسم بحزن. بالنسبة للأب يوحنا ولرواد الكنيسة في القرية، لم يكن تواجد الشيخ علي في الكنيسة أيام الآحاد بالأمر المستهجن أو الغريب. كان الشيخ علي يواظب من مرة إلى أخرى على حضور قداس الأحد كله أو بعضه على الأقل، والاستماع إلى كرزةِ الأب يوحنا، التي كانت تجتذبه وتثير لديه العديد من الأفكار، التي كان يحفظها ويطوّرها في عقله إلى حين الملتقى اليومي في مكتبة القرية، مع الأب يوحنا، كل يوم في التاسعة مساءً، حين تخلد القرية للنوم. نظر الأب يوحنا إلى الشيخ علي. رأى أيضًا الأخت ماريا تجلس إلى جانبه وتنظر إليه بحزن هي أيضًا. لم تستطِع الأخت ماريا يومًا أن تخفي مشاعرها. عيناها تفضحانها دائمًا. لم يترك الحزن في عينيها ونظرة الشيخ علي مجالا للشك. حاول الأب يوحنا ألا يفكر بما فهمه في تلك اللحظة، فاستمرّ في كرزته التي أوشك على نهايتها:

“… ويكون أن يأتيكم من الخارج رسولٌ كذابٌ، يحمل البضاعة الزائفة، والكنوز الزائلة، فلا تصدقوه. ولا تعبثوا معه أو يعبث معكم. قولوا إن الله لكم، وأنتم لله، لا تبددوا أيمانكم على الزيف والبهتان، وصلّوا للمسيح الرب، إبن الله، لكي يطيل من جَلَدِكم، وأحبوا بعضكم بعضا، وأحبوا أعداءكم مهما حصل، كما أحبنا المصلوب من أجلنا…”

… حتى الأطفال الذين في الخلف أحسُّوا بتكسّر صوت الأب يوحنا وتهدّجه. لم يبقَ في الكنيسة أحدٌ إلا ورفع رأسَه وأخذ ينظر إلى الأب يوحنا، وهو يصارع دموعَه ويحاول ألا يغصَّ في البكاء. كان بين الفينة والأخرى ينظر إلى الشيخ علي في الخلف، ويزداد انفعاله بعد أن يرى دموع الشيخ وهي تنحدر على لحيته الكثيفة البيضاء، فيرفع عينيه إلى السقف وينظر إلى الرسوم الدينية التي رسمها أحد طلاب الفن من القرية الذي هاجر إلى الخارج. كان يحبُّ أكثرَ ما يحبّ في هذه الرسومات ذلك المقطع في الزاوية البعيدة عند المدخل، الذي يجمع مريم وطفلها وهي تنظر إلى ولدها بحبٍ وبعطفٍ. كانت كلماته الأخيرة تخرج من فمه بصعوبة، ولم يفهم الجمعُ المنذهلُ إلا آخرَ الكلماتِ التي قالها:

“.. يا أبتاه في يديكَ أستودع روحي!”

 

2  |  الابن

لم يستطعِ المطرُ الشديدُ أن يمنع سكان القرية من الخروج عن بكرة أبيهم لتوديع أبي حنا، والد الأب يوحنا. دلف الجمع الغفير من وراء النعش المرفوع على الأكفّ بصمتٍ وخفورٍ. وحتى الأطفال والأولاد الذين ساروا في الخلف، وكانوا يقفزون من مرة إلى أخرى ليمسكوا بغصن من شجرة لوز أو خوخ، فيكسّرونه ويصنعون منه قضيبًا رفيعًا يستخدمونه سلاحًا في ألعابهم الحربجية فيما بعد؛ حتى هم قاموا بذلك بهدوءٍ ومن دون صيحاتِهم العاليةِ المُعتادةِ في مثل هذه الممارسة، خصوصًا حين ينجح أحدهم في كسر غصنٍ كبيرٍ قد يحسم المعركة بينهم فيما بعد، نهائيًا. قد تكون المفارقة هي التي جعلتهم يُمسكُون عن الصراخ، وربما الخوف الكمين الذي لم يبرح يستولي عليهم، من المُخدِّر[2] أبي حنا، حتى وهو في النعش محمولا إلى مثواه الأخير. كان المُخدر أبو حنا كابوسَهم المرعبَ، لأنّه كان يحمي حقولَ وكرومَ القرية من عبثِهم المُدمّر، فكان الكبار يحبونه لإخلاصِه في حمايةِ أملاكِهم، والصغارُ يكرهونه لنفس السبب.

“الدنيا تبكي عليه”، قالت الأخت ماريا لعائشة، زوجة الشيخ علي، التي كانت تسير إلى جانبها في القسم الخلفي من الجنازة، حيث النساء. هزت عائشة رأسها موافقة، ولم تلتفت إلى الأخت ماريا ولو للحظة. كانت تسير وكأنها وحدها، لا تنظر إلى أحدٍ ولا تعير أحدًا أيّ اهتمام- وخاصةً للأخت ماريا. مسحت عائشة الدمع المختلط بماء المطر عن وجهها. من يرى الاثنتين معًا لا يمكنه ألا يعتقد أنهما أختان، على الرغم من ثياب الراهبةِ السوداءِ التي ترتديها ماريا منذ الأزل، والثياب المحتشمة التي ترتديها عائشة منذ أن تاب زوجها الشيخ علي إلى الله و”طلب” منها من دون كلامٍ صريحٍ أن ترتدي الحجاب والثياب الطويلة المحتشمة.

كان الشباب في مقدمة الجنازة يحملون النعش ويتوالون فيما بينهم لئلا يتعبوا بسرعة. في كل الحالات، لم يكن المخدّر أبو حنا ثقيلا في حياته، وعلى الأخص بعد أن دهمَه المرض “العاطل” طيلة السنة الأخيرة. لم يترك المرض عضوًا فيه إلا وضربه: الكليتيْن، الرئتيْن، القلب، البنكرياس، العينيْن. لا أحدَ في القرية يعرف كيف يداوون هذا المرض، ولا أحد يعرف أيضًا أن أحدًا في العالم لا يعرف كيف يداوون هذا المرض. كان الدكتور جورج، طبيب القرية، يكتفي بمتابعة حالة أبي حنا وإيصائه بأكل المسلوق والابتعاد عن الحزن. غنيٌ عن القول إنّ أبي حنا نجح في تنفيذ الوصية الأولى فقط. وقد ردّدتْ مُسنّات القرية في الجهة الخلفية من الجنازة: “الحزن قتله”. وإحداهنّ غالت في التعبير عن الحزن الداهم فقالت بصمت لئلا يسمعها أحد: “الله يلعنك يا إم حنا”!! لم يستطع أحد أن يتفادى سماع هذه الجملة، ولم يستطع أحدٌ أيضًا أن يعترض عليها!

لم يرضَ الشيخ علي بأن يبدّله أحدٌ في حمل النعش. كان يحمل مقدمة النعش اليسرى على كتفه الأيمن ويمسح دموعه بيده اليسرى. أمامه، في المقدمة، كان الأب يوحنا يسير بهدوء رافع الرأس، ويردد من مرةٍ إلى أخرى:

“الموتُ حقٌ. الموتُ حقٌ.”

الطريقُ من بيتِ أبي حنا المخدّر إلى مقبرة النصارى عند سفح “تلة المقابر”، التي تعتليها البلوطة العملاقة، طويلة وملتوية. لو كانت معبّدة وبها أرصفة لكانت تستحق كنية “جادة” بكل تأكيد: “جادة المقابر”. ومما زاد من صعوبة الموقف هو المطر الشديد المثابر الذي رافق الجنازة. بعد بضعة مئات من الأمتار لم يعد عزاءُ أنّ “الدنيا تبكي عليه” يخفف من صعوبة الموقف. عند شجرة السنديان الضخمة تجمّع بعض المسنين والمسنات مُتّقين المطر. بعد لحظات رأوا الأب يوحنا يسرع إليهم من المقدمة ويطلب منهم أن يبقوا تحت السنديانة إلى حين انقطاع المطر:

“لا يهمّكم أبدًا. هو يعرف بالتأكيد أنكم معه في جنازته.”

عندما وصل الموكب الغفير إلى المقبرة تراجع القوم ليصطفوا من حول “الفستقية”[3] المبنية داخل سياج حديدي يرتفع عن الأرض بتواضع، ومن حوله العشب الأخضر. “هنا يرقد أفراد عائلة سمعان”- كُتب على اللافتة الحديدية الصدئة. حمل الشبان النعش وأدخلوه بحذرٍ إلى داخل الفستقية المتواضعة، واتجه الأب يوحنا فورًا إلى مدخل المقبرة ليتهيّأ لأخذِ الخاطر. في طريقه إلى المدخل أمسك بذراع الشيخ علي الذي كان يقف إلى جانب الفستقية ويقرأ من قرآن حجمه صغير كان في جيبه.

“أريدك أن تقف معي”، قال الأب يوحنا بعينين دامعتين.

نظر الشيخ علي إلى عيني الأب يوحنا وبصعوبة منع نفسه من البكاء. ولكي لا يطيل الموقف سمح للأب يوحنا أن يسحبه من ذراعه برفق وأن يتجها إلى مدخل المقبرة متشابكيْ الذراعين ليقفا هناك مع باقي أفراد العائلة، وليتقبلا العزاءَ من سكان القرية والأقارب والمعارف الذين أتوا من الخارج. كل من قبّل الأب يوحنا على خديه لتعزيته قبّل أيضًا الشيخ علي.

قبل أن ينفضّ الجمعُ نهائيًا، توجه الشيخ علي إلى الفستقية التي حوت للتو نعش أبي حنا وقرأ من قرآنه بضعًا من السور القصيرة، ثم قرأ الفاتحة ومسح وجهه بيديه ثم صمت مُطأطئًا رأسه. وبعد دقائق رفع رأسه وقال بتأثر بالغ:

“الله يرحمك بأعمالك. عندما تصل إلى هناك قل لهم: باسم الله والروح القدس.”

غريبة هي العلاقة بين المطر وبين الجنازات. ذلك الرابط الخفي العصي على الفهم بين نثر بذور الحياة الجديدة بأمرٍ غامضٍ، وبين اقتطافِ الحياة القديمة، بأمر غامض أيضًا. الأشجار المبتلة المحيطة بالمقبرة، التي ترشح منها نقاط المطر، باضطراب وعشوائية، تفاجئ العديدين من الواقفين تحتها. وقف جمال، إبن الشيخ علي، الذي عاد قبل يومين من جامعة الأزهر في القاهرة، حيث درس الشريعة، وقف تحت شجرة السّرو المُطلة على الفستقيّة وراقب كيف يُدخلون النعش إلى الفستقية. فجأةً وقعت عليه نقطة ماء كبيرة من الشجرة التي ظللته فملأت تجويف عينه اليسرى بالماء. حين مدّ يده لمسح الماء عن وجهه، بادره أحد الرجال الواقفين تحته بـ: “كُلّنا لها”. وجد جمال نفسه يتمتم: “الله يرحمه”. بالكاد سمعها هو بنفسه. لم يكن جمال يعتقد أن الله سيرحم أبا حنا. فمن غير المعقول أن يرحم الله جلّ جلاله مُشركًا آمن طيلة عمره بأن الله، والعياذ بالله، أنجب ابنًا من آدميةٍ، ثم قام هذا الابن من بين الأموات. أكثر ما آلم جمال في تلك اللحظة أن والده، الشيخ علي، كان يبكي على هذا المشرك الكافر كالطفل الصغير.

خرج الجميع من المقبرة وتوجهوا إلى بيوتهم، قبل أن يتجددَ المطرُ ثانيةً. بقي جمال وحده تحتَ الشجرة. من بعيد كان الناس، من المسلمين والمسيحيين على السواء، يرون الشيخ جمال الصغير، بجلبابه وعمامته البيضاوين، يمسح دموعه وهو واقف تحت شجرة السرو ويطل على والده الشيخ علي وهو يبكي عند مدخل الفستقية. كانوا يرونه ويتمتمون فيما بينهم بكلماتٍ تشي بعُمق تأثرهم من الروابط العميقة التي تربط عائلة الشيخ بعائلة الخوري. لم يعرف أحدٌ أن الشيخَ الشابَ كان يديرُ برأسِه جملة “باسم الله والروح القدس” باكيًا، وهو غير مصدق أن أباه، الشيخ المؤمن، قد انحدر إلى مثل هذا الدرك من مُهادنة الكفار والمُشركين!

 

3  |  الكتب

بعد أسبوعٍ كان الأب يوحنا والشيخ علي يجلسان كعادتيهما في كل ليلة في مكتبة القرية. كانت هذه ظاهرة غير عادية أن يكون في القرى في تلك الأزمنة البعيدة مكتبة عمومية. بالكاد كان هناك “طبيب” في القرية، وربما بعضٌ من الذين يعرفون فكّ الحروف وقراءة الرسائل للمختار. لذلك، بدا وجود مكتبة في قرية لا يتجاوز عدد القراء فيها الخمسة أو العشرة في أحسن تقدير، أمرًا باعثًا على الاستهجان بعض الشيء. ولكن الحقيقة كانت غير ذلك تمامًا. فقد كانت إقامة المكتبة جهدًا خاصًا وكبيرًا بذله الأب يوحنا والشيخ علي خلال سنوات طويلة. خلال هذه السنوات بعث الاثنان بمئات الرسائل، كلٌ إلى معارفه والمسؤولين عنه، في البطركية وإلى مفتي الديار المقدسة، وإلى الكثير الكثير من المعارف الأغنياء وغير الاغنياء. كانت كل الرسائل تهيب بالمعارف بأن يتبرعوا بالنقد أو بالكتب القديمة لإقامة مكتبة للقرية لمحو الجهل وتبديد ظلامه، أملاً في إنشاء جيل جديد من القراء والمتعلمين يأخذ بيد الناس في الخروج إلى النور، من غياهب الديجور. بعثا وبعثا وبعثا إلى أن ملّ الناس من رسائلهما، فبدأت الكتب بالوصول.

كان شفيق، صاحب البقالة عند مدخل القرية، أولَ من رأى البغلين الكبيرين المحمّلين برزمات كبيرة من الكتب. بعد أن تيقّن مما تراه عيناه أقفل باب بقالته وهرع إلى الشوارع يصرخ وينادي:

“يا أبونا يوحنا، يا شيخ علي.. وصلت الكتب والبغال!.. وصلت الكتب والبغال!”

بعد أقل من عشر دقائق كان كل رجال القرية عند المدخل يشرئبّون بأعناقهم ليروا البغليْن المُحمّلين بالكتب، وكانت نساء القرية يملأن الشبابيك وبوابات البيوت، والأطفال يروحون ويجيئون أمام الرجال وفي ساحات البيوت ويغنون مُصفقين:

“أهلا بِلِبْغال.. أهلا بِلِبْغال”.

وحدهما الشيخ علي والأب يوحنا كانا يقفان في صمت وحيرة وتريّب عند مدخل القرية، وكانت أعصابهما مشدودة جدًا. وحدهما كانا يفكران في هوية المرسل وطبيعة الكتب التي على البغلين ومدى صلاحيتها أصلا. بالنسبة لهما، كانت حمولة البغليْن مصيرية لمشروعهما: إذا كانت الكتب المحمولة ذات قيمة فإن المختار سيقبل بتخصيص التبّان الكبير الذي إلى جانب الصفوف الثلاثة عند البيادر، للمكتبة؛ وإذا لم تكن فإن المشروع سيتبخر. لم يرد إلى باليهما للحظة أن المختار وغالبية القرية لا يفقهون شيئًا في الكتب، ولذلك لم يستطيعا أن يتنبأا بانطلاق صوت المختار وهو قادم على حمارته صوب الجمع، حين صاح:

“التبّان وصاحبه في خدمة شيخنا وأبونا”…

بعد هذا التصريح المباشر علت أصوات الرجال بصيحات الفرح والرضا ومن دون أن يخطط أحد لذلك اندلعت دبكة حماسية، وعلت الزغاريد من بيوت القرية، وتعانق الشيخ علي والأب يوحنا وهما يقفان في وسط حلقة الدبكة العفوية، وصوت أبي قاسم القوّال يهزج بحماس وطرب وارتجال:

“ظريف الطول ويا جايب لكتابْ..

عجّل بالبغله عم ييجو الأحبابْ..”

حتى إبراهيم “الاهبل”، مجنون القرية، ركض بلهفة وحماس، جارًا وراءه، بضجيج يصمّ الآذان، علب التنك الفارغة التي كانت يومًا علب عسل ودبس ومربى شهية، وأخذ يرقص مع علبه الضاجة وسط حلقة الدبكة. وللمرة الأولى في حياته لم يسخر منه أحدٌ ولم يطرده أحدٌ ولم ينهره أحدٌ. كان مجيء الكتب التي على البغال بالنسبة لإبراهيم حدثًا مصيريًا في حياته الرتيبة والشاقّة: منذ اللحظة التي لاحظ فيها أن لا أحد يضربه أو ينهره أو يسخر منه، بسبب الكتب، قرر بوعي كامل، وبإدراك عقلاني عميق، أنّ عليه البقاء بجوار هذه الكتب ما حيا. وهذا ما كان.

عاد الشيخ علي بكتاب كبير وجلس إلى الطاولة المُحمّلة بالأوراق والكتب وأقلام الرصاص المَبريّة بدقة. كان الأب يوحنا يقارن بين كتابيْن مفتوحيْن إلى جانب بعضهما البعض، ويشدّ خطًا بقلمه من تحت جملة في الكتاب الأول، ثم يشد خطًا آخر في الكتاب الثاني من تحت نفس الجملة.

“غريب. لا أثر للكلمة التي نبحث عنها. قد تكون حُرّفت في الترجمة والنقل.”

“علينا أن نكون حذريْن قبل أن نخرج بهذا الاستنتاج. لا نريد أن نغضب أحدًا.”

“هذا صحيح. ولكننا بحاجة إلى الطبعة الأولى المُحقّقة. هذه موجودة في لبنان فقط.”

“لديك أصدقاء في لبنان، أليس كذلك؟”

“بالطبع. راعي الكنيسة في صيدا صديقي الحميم. سأكتب له رسالة حول الموضوع.”

“جميل. وأنا سأطلب من جمال أن يراسل أصدقاءه وأساتذته في الأزهر. قد يساعدنا ذلك في شيء.”

عاد الأب يوحنا بظهره إلى الوراءِ وشدَّ ظهرَه حتى كاد أن يقع إلى الخلف. إبتسم له الشيخ علي:

“أنت تتعب نفسك في الأيام الأخيرة.”

“كلا، أبدًا. لقد نذرتُ أن أقرأ لأبي الكتاب المقدس كلَّه وفاءً لروحه. سأنتهي من ذلك غدًا بعون الله.”

“خيرًا تفعل.”

“ألا تفعلون أنتم ذلك بختمة القرآن؟”

“بلى. ولكن تذكر أن الختمة عندنا هي خاتمة الأحزان. عليك أن تقلدنا في هذا أيضًا.”

ابتسم الأب يوحنا وأغلق الكتابين بحذر وقام بهما إلى الرفوف المليئة بالكتب وأعادهما إلى مكانيهما. عبر الشباك الصغير المُطلِّ على الطريق الترابية الضيقة المحيطة بالمكتبة، من جهة السفح الملاصق، رأى الشيخ علي الأخت ماريا تنظر إليه بحذر. بادلها النظرة بحذرٍ أكبر ثم أشار لها بيده، فأشارت له واختفت في الظلام.

لم يلحظِ الاثنان إبراهيم “الأهبل”، حارس المكتبة، وهو يدخل بإبريق الشاي الحار، إلا عندما طغت رائحته على المكان. تنهد الاثنان وشَكَرا إبراهيم بحرارة. إبراهيم من جهته إبتسم لهما ونظر إلى السقف العتيق قلقًا وتمتم لنفسه:

“سيئ.. سيئ.. مطر..”

لم ينتبه الاثنان إلى ما قاله، فقد كانا مُنهمكين بتحريكِ السكر في كوبي الشّاي الحارين.

في الخارج، والأب يوحنا يغلق الباب بالمفتاح الكبير، كان المطر قد توقف والليل أسود مضيء بالنجوم والبدر مكتمل. نظر الاثنان بإعجاب إلى البدر المكتمل والنجوم المضيئة، وبعد أن شدّ الاثنان ياقتي معطفيهما حول رقبتيهما قالا معًا من دون تخطيط:

“ما شاء الله.”

إبتسما لبعضهما البعض، وسارا معًا بهدوء.

“إلى أين؟”، سأل الأب يوحنا الشيخَ علي حين رآه يستمر في المشي معه على غير العادة.

“سأزور أبا محمد. قيل لي إنه مريض.”

“سآتي معك.”

“لا عليك. سنذهب غدًا معًا. أنت تعبان جدًا. إذهب للنوم.”

“حسنًا، معك حق. سلّم لي عليه… ربما دخلت لشرب الشاي؟”

“لا، الوقت متأخر.. تصبح على خير.”

“تصبح على خير.”

 

4  |  الروح

كان أكثر ما يحبّه الشيخ علي هو تلك الساعة العذبة بين صلاة الفجر وبين الدفء الأول الصباحيّ المنبعث من الشمس الآخذة في التكامل. هذه الساعة بالنسبة له هي ساعة الخالق. لم يكن يجاهر أمام أحدٍ بما يفكر، وكان يؤنّب نفسه دائمًا على أفكاره هذه، متيقنًا من أنها تحمل من الكفر بعض الشيء. ولكنه لم يكن ليستطيع الامتناع عنها. كان يحلو له أن يعود من الجامع بعد صلاة الفجر وأن يجلس في الحديقة الصغيرة الخضراء أمام بيته الصغير، وأن ينظر إلى الشمس الطالعة. كانت عيناه أحيانًا تغرورقان في الدمع، ويرفّ قلبه من الدهشة لأنه يكون متأكدًا في تلك اللحظة من أنه رأى وجهَ الله في قرص الشمس البرتقالي الناصع. كان يستسلم لدموعه في بعض الأحيان ويبدأ بقراءة الآيات القرآنية التي يحبها أكثر من غيرها، بصوت منخفض:

{ وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

في ذلك الصباح الشتويِّ الدافئِ، جلس الشيخ علي، وهو ساهمٌ في قرص الشمس، ولكنه لم يكن يفكر في وجه الله الذي يحب أن يطل عليه من قرص الشمس. فمع الوقت أقنع نفسه بأن أفكاره هذه لا تنم عن كفرٍ، بل عن أيمان ومحبة عميقين للذات الإلهية، خاصة إذا كان يرى وجه من يحبّهم في القرص البرتقالي المذهل. منذ أن أقنع نفسه بذلك بدأ يقرأ أكثر عن الصوفيين وحبّهم وولعهم بالذات الإلهية. مع الوقت صار حضور الله في قرص الشمس اليانع أمرًا مفروغًا، لأن الله موجودٌ في كلِّ مكانٍ وفي كلِّ شيءٍ. الله يحبّ كلَّ جميل، وكل جميل من صنع الله. إذن، فشمس الفجر التي أدمن عليها هي التجلي الأكبر لقدرة الله وعظمته.

“صباح الخير”، قال جمال وهو يسحب كرسيَ قشٍ صغيرًا ويجلس إلى جانب والده.

“صباح النور يا ولدي. كيف أصبحت؟”

“الحمد لله.”

“الحمد لله.”

لم يرغب جمال في أن يفسد هذه الساعة على والده الشيخ، فهو يعرف معزته لها. وجمال في الواقع يحب هذه الساعة أيضًا كثيرًا. منذ أن شبّ وغزا الأيمانُ قلبه، درج على مرافقة الشيخ علي إلى الجامع لصلاة الفجر. وعندما كانا يعودان إلى البيت، كان الشيخ علي يجلس في موضعه الدائم ويختلي والشمسَ وحدهما. ولكنه لم ينظر ولو مرةً واحدةً إلى الخلفِ ليرى جمالَ جالسًا على سريره الملاصق لشبّاك غرفته المطل على شمس الفجر ووالده الشيخ. بالنسبة لجمال تحوّل هذا المشهد إلى ملاذِه من عالم الرذائل والسوء، وكان وهو يرى والده، كل صباح، يجلس محدقّا في الشمس الرائعة، يطرب ويجذل للمشهد؛ وقبل أن يسافر إلى القاهرة للدراسة في الأزهر بيوم واحد، تطلع إلى والدِه الشيخ وشمسِه وهو يعلم أنه لن يرى هذا المشهد إلا بعد سنين عديدة، فاغرورقت عيناه وأقسم بينه وبين نفسه، وهو يستعوذ ويحوقل ويطلب المغفرة، أقسم بأن الله لو أراد أن يظهر لإنسانٍ ما على هذه الأرض، لكان اختار هذه اللحظة زمانًا، وقرص هذه الشمس مكانًا، ووالده الشيخ ونيسًا.

“كنتُ أراك دائمًا، كل يوم، وأنت تجلس هنا تستقبل الشمس وحدَك”، قال جمال.

“أعرف. كنت أنا أراك أيضًا وأدعو لك بكل الخير.”

بدتِ الدهشة واضحة على وجه جمال، ولكنه لم يرغب في أن يجعل تساؤله ظاهرًا، فصمت. إذن فهو كان يعرف بمراقبتي له كل فجر، فكّر جمال. نظر إلى والده الشيخ علي بتمعن، ولم يُزح نظره عندما التفت إليه الشيخ علي ونظر إليه. بعد برهة قال:

“سأعود إلى الأزهر. ليس لي ما أفعله هنا.”

بدا أن الشيخ علي لم يتفاجأ البتة. نظر إلى قرص الشمس وبدا أنه يستمع لأحد ما.

“ولكننا بحاجة إليك. أنا قاربتُ على الشيخوخة ويجب أن تملأ الفراغ من بعدي.”

“العمر الطويل يا حاج، لا تقل ذلك.”

“الموت حق.”

“والحياة حق أيضًا.”

“أجل. ومن الأفضل أن يكون لحياتك معنى.”

“هذا ما أبغيه فعلا. أريد أن أعرف أكثر وأن أدرك أكثر.”

“ليس لحياتك معنًى من غير الناس. تعلّم من الناس. من سعاداتهم ومن أحزانهم، من نجاحاتهم ومن فشلهم. من ضعفهم ومن قوتهم. من ضعفهم بالأساس. الكتب لا تعلمك شيئًا عن الحياة الحقيقية. الدين لا يكتمل من غير الناس. الناس روح الدين. الكتب تعطيك الجسد فقط.”

“غريب. كنت أظن أنك سترحب بالموضوع.”

“القرار لك. ولكن مكانك بين أهلك وبلدتك. فهم أيضًا لهم حق عليك.”

“أريد أن أعرف أكثر لأفيدهم أكثر.”

“كلما عرفت أكثرَ، عرفتَ أقلَّ.”

“لست أفهم عليك أبدًا. أنت لا تتوقف عن القراءة والتعلم.”

“بالطبع. ولكنني أفعل ذلك لأحافظ على جذوة إيماني. الحياة مليئة بالمكاره، والكتب أحيانًا تكون مليئة بالمحاسن. لكي تبقى سويًا في هذه الدنيا عليك أن تقرأ. ولكن أكثر من ذلك، عليك أن تبحث عن انعكاس الكلمات التي تقرأها في وجوه البشر من حولك. لولا ذلك لظلت الكلمات خاويةً مظلمةً.”

“لا أعرف. أريد أن أعود وأن أدرس أكثر.”

“هذا حقك. ولكنني أخاف عليك من نفسك.”

“مِمَّ تخاف؟”

“النفس أمّارة. النفس أنانية. النفس غير حذرة. النفس ضعيفة.”

“ولكنني لست كذلك.”

“أعرف. نحن لا نولد هكذا. نحن نصير هكذا مع الوقت.”

“ألا تثق بي؟”

“ليس هذا السؤال. السؤال إن كنتَ تثق بنفسك.”

“وماذا تظن أنت؟”

“ما أعرفه أنني لا أثق بنفسي بعد. ما زلت أحاول فهمها.”

“طيلة هذا العمر؟”

“وأكثر. الحياة بخيلة في الفهم.”

“وبخيلة في الوقت أيضًا. لا أريد تضييع الوقت.”

“معك حق. ولكنك تبحث في الأماكن الخاطئة.”

“الأزهر مكان خاطئ؟”

“الأزهر وحدَه مكان خاطئ.”

“ولكن الأزهر مليء بالناس إذا كان هذا ما يقلقك.”

“صحيح. ولكن الناس هناك لا تهتم بالناس. الناس هناك تهتم بالكتب فقط.”

“لا أفهمك. للمرة الأولى في حياتي لا أفهمك.”

“هذا جيد. لو أمضيتَ العمرَ تفهمني لما تعلمت شيئًا بقواك الذاتية. نحن نتوقف عن فهم بعضنا البعض عندما يُطلب منّا أن نغفر ذنوب الآخرين.”

ذنوب؟ نغفر لبعضنا؟ عمَّ يتحدث أبي، تساءل جمال. لقد كانت هذه حقًا المرة الأولى التي لم يفهم فيها والده.

“إذًا سأذهب. أريد أن أتعلم لوحدي.”

“أعرف أنك ستذهب. ولكن في كل مرة يستعصي عليك الفهم تذكر هذا القرص البرتقالي الأخّاذ، وتذكّر أننا في النهاية بشرٌ عُصاة.”

عاد الشيخ علي لينظر إلى الشمس التي بدأت بخلع ردائها البرتقالي اللامع. صمت جمال مرغمًا، فهذه اللحظات الأخيرة المتاحة اليوم أمام والده ليُشبعَ ظمأه من الوجه الذي يحبه. قام وعاد إلى غرفته وبدأ يقرأ بصوت رخيم عذب، وصل للشيخ علي من النافذة المشرعة، وأسال دموعه بلا خجل:

{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ }

 

5  |  الغرفة

قامت الأخت ماريا من ركعتها إلى جانب الأب يوحنا بهدوء، وخرجت بتسحبٍ لئلا تُفسد على الأب يوحنا خلوته مع الرب الحبيب. صارت مع الوقت تعرف متى ستكون ركعته بعد الصلاة خلوةً تطول لساعاتٍ أحيانًا. خرجت إلى الحديقة المجاورة، حيث استدارت في نهايتها جهة الشرق ودخلت الغرفة الصغيرة النائية القابعة تحت السنديانة الأزلية المقابلة للقنطش والكنيسة، والتي يحبّ الأب يوحنا التعبد فيها وحده من وقت لآخر، ثم نظرت إلى الخلف بتفحص وأغلقت الباب من ورائها.

في الغرفة سرير صدئ مهترئ، عليه فرشة قديمة بالية وشرشف لم يعد بالإمكان معرفة لونه الأصلي أو الحالي. وكوة صغيرة في أعلى الحائط المواجه للباب وإنجيل قديم.

على الرغم من أنّ الطقسَ لم يكن عاصفًا في تلك الصبيحة، ولم تهتزِّ الأشجارُ على وقع الريح ولم تنهَرِ المزاريب العتيقة أمام سيل المياه المتدفقة، إلا أن أية ضجة لم تُسمع من تلك الغرفة المعتمة الباردة، ذات السرير الحديدي الصدئ.

بعد أن عاد الشيخ علي من يافا، حيث حمل القطارُ ابنه جمالَ إلى البعيد، وهو يمتطي بغله البنيّ المخلص، توجه فورًا إلى الكنيسة ولكنه لم يدخلها… في الطريق بين حيفا وعكا شاهد قافلة طويلة من الشاحنات العسكرية يملأها جنود يهود مع بنادق لم يرَ مثلها من قبل.

لم يبكِ الشيخ علي كثيرًا بعد سفر جمال، ولكنه بكى قليلا في الغرفة التي يضحك فيها عادةً، وجلس قليلاً آخر ممسكًا بالأصابع المتعبة التي يحبّها، ثم عاد إلى بيته.

في البيت تذكر الشيخ علي “أبو يوحنا”. لم يمضِ الكثير على وفاته وانتبه إلى أنه لم يعد يفكر فيه. هذا ما سيحصل لنا جميعًا. إنزعج  الشيخ علي من الفكرة. أحس بأنّه يريد أن يتذكره أحدٌ بعد موته. عائشة زوجته ستتذكره، ولكن ذكرياتها عنه لن تكون سارة. وابنه جمال غرق في عالمه الجديد. أيكون هو بنفسه من دفع بابنه إلى التعصب والتزمّت؟ أتكون التربية على محبة الخالق هي السبب في كره الآخر؟ لا يمكن أبدًا، هذا مستحيل. الله محبة.

إنتبه إلى نفسه يردد الاثباتات المسيحية. إرتعب قليلا. ثم تذكر أن عيسى نبيٌ من عند الله وأن الانجيل كتاب سماوي. ولكن لماذا لا يجد آياتٍ في القرآن عن المحبة بين الناس. أكُلُّ الآيات في القرآن التي تتحدث عن الحب تتحدث عن محبتنا لله فقط؟ وماذا مع البشر؟

كيف ترانا من فوق يا “أبو يوحنا”؟ أنحن سيئون إلى الدرجة التي نظنها؟ أعندك أفضل؟ هل يذهب الحزن فوق فلا يعود إلى الأزل؟ هل ذهب حزنك على زوجتك؟.. هل سامحتَها وأنت على فراش الموت، وهمستَ باسمها للملاك الأبيض الآتي من هناك، بأمرٍ لا يُعصى؟.. هل طلبت منه أن يحلّق بك فوق هذه الأرض الخضراء اليانعة لتطلَّ بنظرةٍ أخيرةٍ على من أحببتَ طيلة عمرك؟

إنقلب الشيخ علي إلى الجهة الأخرى، فرأى عائشة في المطبخ تجلس إلى جانب وعاء كبير للطبخ. ماذا لو أن عائشة هجرتني مثلما فعلت زوجة “أبو يوحنا”؟ مع من كنتِ ستهربين يا عائشة؟ هل أعرفه، هل أراه كل يومٍ ويسبّني في سره كل يومٍ وأنا لا أعرف؟ هل سلمتِه نفسك وجسدك وقلبك؟ ولِمَ لا يا عائشة. أيقدرُ الواحدُ منا على العيش من غير جسدٍ دافئٍ وقلبٍ مُحبٍ معطاءٍ؟ مع من كنت ستهربين يا عائشة؟

نزع الشيخ علي عنه هذه الهلوسات وانقلب إلى الجهة الأخرى وقرأ في سره:

{ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ }

كيف لم أحتضنك كل يوم يا “أبو يوحنا”؟ كيف لم أدعُكَ للبكاءِ على كتفي في كل ليلة كنت تثمل فيها وأنا جالس إلى جانبك في عتمة الليل؟.. كان عليك أن تقبل توبتها وأن توافق على عودتها بعد أن هربت معه. كان عليك أن تفعل ذلك. ماذا تنفع الكرامة وعزة النفس وتقوّلات الناس، أمامَ الحبِّ الكبير. وماذا لو أنها كفّت عن حبّك، الستَ تحبّها أنت؟ ألا يكفي حبك الكبير لملء ثنايا البيت البارد الموحش بدفءٍ عارمٍ؟ تخلَّ عن كرامتك لبعض الوقت ولكن لا تتخلَّ عن حبك ولو لثانية واحدة. يمكننا أن نعيش من دون كرامة ريثما تتبدل الأمور، ولكن ليس بمقدورنا أن نعيشَ من دون حب. إلا إذا كنت تسمي سنواتك الأخيرة حياةً…

عندما طلبتْ منك العودة كان عليك أن تخرج إليها وأن تقبلها بين عينيها وأن تصنع لها حفلة لأنها كانت تائهة فأبصرت، وكانت ضالة فعادت. أليس هذا ما يرويه المسيح لكم عن الابن الضال؟ ألا يسري ما هو على الابن الضال على الزوجة الضالة؟

 

6  |  الحب

المطر يغسلُ كل شيء. هذا ما يعرفه أهلُ القرية جميعهم. يغسلُ كل شيء، حتى الأخطاء والخطايا. المطرُ دموعُ الملائكة ورضى الله وعطر السماء. المطر بركةٌ ما بعدها بركةٌ. المطر سرّ الطبيعة وحبّ الأرض لنفسها. المطر عرس الأرض مع نفسها، تزفّ غيوم الخصب إلى عطش الأرض. من يخطئ والدنيا مطر فكأنه لم يخطئ. من يكره والدنيا مطر فكأنه لم يكره. من يحب والدنيا مطر فكأنه أحبّ ألف مرة.

الحب والمطر سيّان. لا حبّ من دون مطر. حتى لو لم تُلقِ الغيومُ بمياهها، يظلُّ المطر عالقًا في الذهن. المطرُ في أذهاننا مثل الحب في قلوبنا: نحسّ به ولا نراه، يعذبُنا ولا نقوى عليه، يجعلنا أناسًا آخرين ولا نعلم بذلك. المطرُ مثلَ الحبِّ: هادئٌ وضاجٌ، مُملٌ وشيق، مُتعِب ومُريح، عنيدٌ وطيّعٌ، جميلٌ وبشعٌ، كريهٌ ومرغوبٌ، مُلوّنٌ وباهتٌ، ممتعٌ ومنغّصٌ.

حين تمطر الدنيا حبًا على سطح غرفة معتمةٍ، مليئةٍ بالتقشّف ورائحة الزهد السحرية العصيّة، ينزل الله بنفسه ليحرسَ الغرفة. يجلس في الخارج ويرقب العصافير لئلا تشي، يرقب الأشجار لئلا تقول، يرقب الناس لئلا يروْا. عندما تمطر الدنيا على سطح غرفة صغيرة مليئة بالكتاب المقدس، ينزل الله بنفسه ليطمئنَّ على المُحبّين. لا يثق الله بملائكته حين تمطر الدنيا على سطح غرفة زاهدة ممتلئةً عبادةً. الملائكة لا يفهمون مثل هذا المطر. والناس أيضًا. لا أحد يفهم هذا المطر إلا الله. الله وحده، خالق المطر والحب والغرف الزاهدة، يفهم ما يعنيه هذا المطر. ولذلك، إذا رغبتم يومًا في لقاءِ الله فابحثوا عن غرفة زاهدة متعبدة، في حديقة كنيسة أو مسجد صغير، وانتظروا مُحبيْن ليدخلا إليها، وستروْن. الله موجود فقط على عتبة غرفة زاهدة يضطجع فيها محبّان لا يخافان من شيء. فهما يعلمان أن الله يحرسهما.

(مسح الأب يوحنا وجهه بيده وقام من ركوعه أمام تمثال الرب يسوع. صالَبَ أكثر من مرة وتوجه نحو باب الكنيسة. خرج واتجه نحو غرفته الصغيرة التي يحبُ التقشّف فيها. إقترب منها ولكنه توقف فجأة. لم يرَ ما يثير الغرابة من حول الغرفة: الأشجار هادئة، عصافير الدوري تربض بين الأغصان تلتمس الدفء، والسماء ممتلئة نعمةً وغيومًا. لكنه توقف قليلا ثم استدار وذهب. وأحسَّ بأنّه فعلَ خيرًا.)

من هو الذي يشعل كل هذه النيران في الأجواف؟ أيكون الشيطان، إبليس النار؟ من يقوى على حمل كل هذه الشهوة من دون أن يُمسَّ بالجنون؟.. هذا الجسد المختبئ دومًا من وراء الأسود الدينيّ الغامض. هذا الشعر الفضي المستتر أبدًا تحت الغطاء الأبيض الدينيّ الكالح. هاتان اليدان وهاتان الساقان وهذا الجذع الرطب المتمسك بتلابيب رطوبته؛ ألا يوجد من يفسّر لهفته الخارقة للحب؟ كيف يُعقلُ أن تنافس الربّ الفادي على محبة إنسان، وتهزمه؟ أيكون أن الرّبَّ تنازلَ عن هذا الحب ليعطيك إياه؟ وإذا كان تنازل، أيعقل أن يكون ما يحدث من هيام في هذين الجسدين خطيئةً وفاحشةً؟

الأسئلة هي التي تقتل الحب. ولئلا يُقتل هذا الحب يجب أن تتوقف الأسئلة. حتى لو كان الثمن أن يتنازل أحدٌ عن دينه وأن يبحث عن حبِّه في دينِ من يحبّه. الخيانة هي التي تقتل الحب. ولئلا يُقتل هذا الحب، على العاشقيْن أن يندرا نفسيهما لمن يحبّان، ولو كان الثمن هو خيانة الحبيب الأول، القادر الربانيّ. كيف يمكن لربٍ رحيمٍ أن يتجاهلَ كل هذا الحب؟ كيف يمكن له أن يعاقبَ أحدًا على مثل هذا الحب؟ أليس هو من خلقنا وخلق معنا كل هذا الحب؟ ما ذنبنا أننا كما نحن، بشرٌ، ضعفاء، نحبّ حتى التيه؟.. أليس هو من خلقنا هكذا..

الله غير موجودٍ إلا في إرتعاشةٍ خدِرةٍ في جسدين مُحبَّين يتقلّبان على سريرٍ حديديٍ صدئٍ ينام عليه متعبدٌ لا يحبُّ إلا الله.

لو لم يكن الله موجودًا خارج هذه الغرفة لما جرى ما يجري في هذه الغرفة. كيف يحبُّ إثنان جسدَ بعضهما البعض وروحَ بعضهما البعض، بعد أن يصلي كلٌ لربه، ويسلماه الروح والجسد. الله موجود في كل ارتعاشة ينقبض لها الجسد، وفي كل إغفاءة على ذراع الحبيب. لو كان الله موجودًا في غير ذلك لما كان هناك حب.

الله محبة. والمحبة نحن.

يا حبيبي. يا فلذةَ الروحِ وإشراقها. يا شمسي الساطعة في الفجر الرحيم. يا قرصًا برتقاليًا يطل على صباحاتي المفعمة بالجذل. يا حبيبي، يا غصة الوله في ليالي الوصال الطويلة، يا غصة البكاء في ليالي الحرمان المديدة. أشهد أن لا حبًا إلا حبك، وأشهد أن لا روحًا إلا روحك. يا حبيبي، يا خالق السعادة ويا رب الفرح. يا ملك الفجر الساطع في قرص شمسك البرتقالية. يا عذوبة البرد الصباحي في جسدي المرتعش، يا لذعة الشهوة العقربيّة في أطراف أصابعي الليلية. يا ضاربي إلى الصليب، يا مُعمّدي بمياهك المقدسة، يا فاتحًا جسدي إلى النور والصفاء، يا ربَّ النقاوة في شهقاتنا المكبوتة تحت شجرة البلوط الكبيرة.

يا حبيبي…


7  |  شجرة البلوط

وضعَ إبراهيم “الأهبل” الجربندية الجلدية الكبيرة على الأرض وأخذ يلتقط أنفاسه. من بعيد كان الأب يوحنا والشيخ علي والأخت ماريا يصعدون التلة بتعبٍ وببطءٍ، وكانت شجرة البلوط الكبيرة المتعالية على كل شيء، تنفض عنها قطرات المطر الأخيرة الساقطة، لتستقبل الشمسَ الرؤومَ وهي تطلُّ من وراء الغيم. يوم رائع للتنزه.

أخرج إبراهيم “الأهبل” الطعامَ والشرابَ من الجربندية وفرش البساط الأخضر الكبير وجلس يقرطُ جزرة برتقالية كبيرة بنهمٍ وفرحٍ. عندما وصل الثلاثة إليه كان قد انتهى من قرط جزرته وبدأ بقرط خيارة صغيرة.

“على مهلك يا إبراهيم، النهار ما زال في أوله”، قال الأب يوحنا ممازحًا.

“أنا جائع”، ردّ إبراهيم ببساطة.

ربما هذا ما ينقصنا، قال الأب يوحنا لنفسه، البساطة.

“علينا أن نكون بسيطين في كل شيء”، قال للشيخ علي والأخت ماريا اللذين جلسا على الأرض بهدوء المُتعب، “البساطة هي أصل الأشياء. لو استطعنا أن نبسّط كل شيء إلى درجة البلاهة لكانت حياتنا بألف خير”.

هزّ الاثنان رأسيهما موافقين.

“لو بقيت الأمور على بساطتها”، قال الشيخ علي بتحسّر.

نظر إليه الاثنان بتفهّم عميق.

“هذه البلوطة مثلا”، قال الشيخ علي، “دخّنتُ سجائري الأولى تحتها”..

ضحك الجميع بلذة.

“كنا نختلس الجلوس تحتها، رفاقي وأنا، ونلفّ السجائر بتلذذ، ثم نسعل لمدة ساعة كاملة…”

إنفجر الجميع ضاحكين…

“أتخيلك أنت ورفاقك الزعران تسرقون التبغ والورق وتركضون إلى هنا للتدخين… هذه البلوطة..”، ابتسم الجميع بنوستالجية عاطفية.

“هذه البلوطة”، أردفت الأخت ماريا.

بدا واضحًا أن الحسرة طغت على القعدة، وأن إبراهيم “الأهبل” وحده كان يتمتع بالطعام الذي جلبوه. قام الأب يوحنا فجأةً وأخذ يتمشى إلى طرف التلة، حيث أطلّ من هناك على المقبرة حيث قبر والده ووالدته.

“أنا يتيم”، تمتم بصوت خفيض لم يسمعه غيره.

أحس الشيخ علي والأخت ماريا بما يختلج صدر الأب يوحنا فقاما باتفاق صامت بينهما وأخذا يتمشيان وحدهما بعيدًا عن هناك. كانا يعرفان أن مثل هذا العمل فيه من الخطورة الكثير، إذا ما رأاهما أحدٌ من القرية، ولكنهما لم يقاوما جمال تلك اللحظة وخصوصيتها.. وهما يختفيان في تفاصيل التلة الهادئة كانت بيوت المستوطنين اليهود تمتد ببطءٍ، ولكن بمثابرة، عند سفح التلة الآخر، وكان يبدو أن ما يبنونه هناك، قريبًا- بعيدًا عن الأعين، سيكبر ذات يومٍ إلى الحدِّ الذي لن يترك خيارًا آخر أمام الجميع، إلا المواجهة.

عندما رأيا إبراهيم “الأهبل” يقف فوقهما ويحدق فيهما ببلهٍ، لم يعرفا ما يفعلانه. قاما ببساطة وعادا معه إلى الأب يوحنا الذي أرسله للبحث عنهما. مشى الثلاثة بصمتٍ ثقيل، وبدا أن إبراهيم وحده كان يتفكر في أكثر الأمور بساطة في تلك اللحظة:

“أيريد أحدكم تفاحةً؟.. إنها لذيذة!”

 

8  | عائشة

من أنتِ يا عائشة؟ إلى أين ذهبتِ منذ دهرٍ؟ أنظر إليك وأكادُ لا أصدّقُ بأنكِ أنتِ من تزوجتُها قبل قرون، قبل دهور، قبل مومياءات من الزمن. أحسُّ بأنكِ مومياءٌ، لا أكثرَ. أبحثُ عنكِ بين أغطيتي، بين سُوَري القرآنية التي أحبها، بين صباحاتي ومساءاتي، بين حزني وبقايا فرحي، فلا أجدك. أخرج مثل سليمان الحبيب، أطوف شوارع المدينة أطلب من أحبته نفسي، فلا أجده. أسأل الحرسَ الطائفَ في ظلماتِ الأزقةِ عمَّن تحبُه نفسي، أسألُ فلا أجدُ. أستحلفُ الشجر وملابس عرسنا البالية أن تبحث عمّن تحبه نفسي، فلا تجده. أنشد لك نشيد أنشادي، أعزف لك غربتي وصمت حزننا فلا تسمعين. أبحث عنك.

من أنت يا عائشة؟ لماذا لم تعدّي العدة لمثل هذا اليوم؟ كيف نمتِ طيلة هذه المدة ولم تضبطي المنبّه على مثل هذه الساعة؟ أخرج من البيت، أعتكف في المسجد، أفكر فيك، في ابننا الوحيد، في ضياعه بين الكتب والإملاء، أسألك في الليلة ألفَ مرّة: ألم تشتاقي إليّ يا عائشة؟ ألم أعد أثيرك يا عائشة؟ أهو حبٌ قديمٌ عاد إلى أغطيتك الباهتة والباردة؟.. أترغبين بالرحيل الآن؟ إلى أين تريدين الذهاب في هذا الليل؟.. من يحملك على أكفّه الحريرية إلى أحلامك الوردية؟.. ألم تشتاقي إليّ يا عائشة؟..

أعرف أنك لم تحبيني يومًا. لم ترغبي بي زوجًا ولا حبيبًا ولا خِلاً. سلّمتني نفسك لأنه كان عليك أن تفعلي ذلك. لبستِ الحجابَ من أجلي، من دون أن أطلب. خلعت عنك القناع بعد مدة واستسلمت للحزن من دون حرج. باردة أطرافك يا عائشة، وأنا أطرافي ملتهبة. لا أطيق التفكير بكل المرات التي كنت تنظرين فيها إلى السقف وكأنني لا أستلقي فوقك. لا أطيق استعادة كل المرات التي كنت تهرعين فيها للغسيل بحجة الطهارة. أعرف أنك كنت تغتسلين مني. ماذا كنت تتوقعين مني أن أفعل؟ أن أستسلم لما نحن فيه؟ أنا أطرافي حارة يا عائشة وأنت أطرافك باردة، وهذا فوق طاقتي.

 

أعرف أنك تعرفين، ومنذ مدة لم يعد يهمني. منذ مدة لم أعد أقرُبُك. منذ سنوات. وأعرف أنك مرتاحة لذلك وأعرف أنك مسرورة أيضًا. هل تحلمين بأحدٍ غيري يا عائشة، وأنا مُستلقٍ إلى جانبك من دون حراك؟ ماذا تفعلين في الليالي الباردة وأنت وحدَك، وأنا معها؟ هل تحلمين بفارسك الذي لم أعرفه يومًا، ولم تتحدثي عنه يومًا؟ هل صرت تحبين غيري يا عائشة؟.. أحسّ بأنّ السؤال غبي حتى الألم. لا يصحّ في اللغة أن أسأل مثل هذا السؤال، لأنه تنقصني الفرضية الأساسية التي يعتمد عليها السؤال: أنك أحببتني مرةً…

تطوفين في البيت ولا تفعلين شيئًا. تقضين وقتك في التنظيف والتلميع. أهكذا تعوّض النساء عن فقدان الحب؟ يُنظفن؟.. ونحن كيف نعوض عن فقدان الحب؟.. نُوسِّخ!

تُقللين من الكلام. صرنا مثل الحيطان الصماء. نعيد رجعَ الكلمات القليلة بيننا، من غير حماس، من غير خصوصية. كلامنا لم يعد خاصًا، لم يعد مثلنا. صار مهربنا من الصمت القاتل. أحلم بك حارةً ملتهبةً يا عائشة، ولا يهمني أنني صرنا كهلين. متى كان الحب مشروطًا بالكهولة أو بالسن؟.. هذه خدعة اخترعها أمثالنا من الأزواج ليتوقفوا عن مجاملة أجسادهم مرة في الشهر. أتكرهينني الآن؟.. كم تكرهينني؟.. هل تشمين رائحتها في شعري وثيابي؟.. لا أعتقد أنك ما زلتِ تصدّقين أن هذه رائحة البخور في غرفة الأب يوحنا. لا أعتقد أبدًا. إلا إذا كنت تعتقدين أنني والأب يوحنا نمارس الحب سوية!

أين اختفيت يا عائشة؟؟

 

9  |  جمال

عادَ جمال فجأةً. لم يعرفِ الشيخ علي كيف يتعامل مع الأمر. لم يسأله كثيرًا. إحتضنه وفرح مليًا، وقال في سرّه إن جمال اقتنع بما أراد أن يقنعه به. ولكن جمال كان مهمومًا وحزينًا. كان دائم الاختلاء بنفسه، وإذا جلس مع أحدٍ فإنّه كان يجلس مع أمّه وحدها. وكان هذا يثير غيرة وحنق الشيخ علي، فابتعد عنهما أكثر، وصار يقضي جلَّ وقته في غرفة الأب يوحنا الصغيرة، في الليل وفي النهار، غير آبهٍ بما قد يثيره ذلك من تساؤلات وتقولات. وهذا ما حدث في النهاية.

“الناس تتكلم كثيرًا”، قال جمال للشيخ علي وهما يتمشّيان عائديْن من الجامع الصغير بعد صلاة الجمعة. كان البردُ شديدًا.

“عمّاذا تتكلم الناس؟”

“عنكَ.”

“فليتكلموا. متى توقف الناسُ عن الكلام؟”

“ولكنهم لم يتكلموا عنك في السابق.”

“هذه الأمور تحدث دائمًا.”

“ماذا تفعل طيلة الوقت في غرفة الأب يوحنا؟”

“هذا ليس من شأنك، وليس من شأن أحد. أنت إبني وليس بالعكس.”

“أنا لا أحاسبك. أريد أن أكون متأكدًا فقط.”

“متأكد من ماذا؟”

“من أنك لم تتغير.”

“كلنا نتغير.”

“ما يقولونه إذًا صحيح.”

“وماذا يقولون؟”

“ماريا.”

توقف الشيخ علي عن المسير. كان البرد قد نال من وجهيهما ويديهما وبدا الاثنان للناظر من بعيد، غريبين باردين بعيدين..

“هذا هراء.. هذا هراء.”

“لا أعرف.. هل تقول الحقيقة حقًا؟”

لم يتوقع جمال في حياته أن يتلقّى مثل هذه الصفعة من أبيه المُحبّ. في حياته لم يضربه أبوه ولو في سبيل المزاح أو التربية. لذلك، وجد نفسه ينهار على ركبتيه، يسيطر عليه الذهول أكثر مما يسيطر عليه الحنق أو الغضب، ثم وجد نفسه يبكي دموعًا باردة وحارقة. لم تتجاوز الدهشة نفسها الشيخَ علي، وكان يحسّ بالرجفة القاتلة التي سيطرت على يده اليمنى، حتى أنه فقد السيطرة عليها والاحساس بها..

“أمي مريضة.. هل عرفت بذلك؟”

“أمك؟..”

“أجل. بعثت لي برسالة قبل أكثر من شهر طلبت مني العودة. قالت إنها على وشك أن تموت.”

“أمك؟!!”

“نعم. ألا ترى الأمر غريبًا أنها لم تقل لك حتى الآن؟”

“أمك؟!!”

“نعم أمي. المرأة التي تخليتَ عنها منذ سنين، المرأة التي دفنتَها وهي في قمة شبابها، المرأة التي أحببتَ امرأةً سواها..”

“إخرس!!”، صرخ الشيخ علي وهو يصفع جمال الراكع أمامه مرة أخرى، “إخرس!! إخرس!!”

إستولى على الشيخ علي مسٌّ من الذهول غلبت عليه المهانة العميقة، فانهار على جمال لكمًا وضربًا ورفسًا.. إنهار جمال على الأرض وتكوّر في نفسه وتلقى ضربات أبيه من دون صوت أو حراك. لم يكن باستطاعة أحد في كل الدنيا أن يرى أو يلحظ الدموعَ الحارقة المؤلمة التي انهارت على خدّي جمال وذقنه الكثيفة السوداء. كان جمال وحده يشعرُ بأن هذه الدموع تحرق وجهه وتصنع فيه أخاديدَ عميقةً من المذلة والكراهية والأسى الجارح، على أمه وعلى أبيه وعلى نفسه…

ثم توقف الشيخ علي عن ضربه، ولفظ أنفاسه ببطءٍ، ومسحَ الدموع عن وجهه وعينيه. فكّر للحظة في أن ينحني ليرفع ابنه عن الأرض وليطلب منه أن يسامحه، ولكنه لم يفعل. ومضى وحده إلى البيت.

وصمتت الدنيا على جمال وهو مستلقٍ على الأرض الرطبة الباردة، يتمتم وحده وبذهولٍ ما تيسّر من سورة يوسف:

{ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ }

كل ذلك على الرغم من أن البردَ بدأ بنثر فتات الثلج الأبيض على قمة التلة الكبيرة الحاملة للبلوطة الوحيدة، عند أقصى القرية. مسحَ إبراهيم “الأهبل” دموعَه وهو واقف تحت البلوطة يرقبُ كلَّ ما حدث. ثم تذكر أنّ الدنيا صارت تثلج، فاستدار وأخذ بالجري مثل السهم، والدموع من عينيه تتناثر مع الريح الصامتة البيضاء، وهو يصرخ بأعلى صوته:

“ثلج!! ثلج!!.. الدنيا بيضاء كالثلج!..”

 

10 | المكتبة

إنهار سقف المكتبة تحت وطأة الثلج الأبيض الثقيل. لم يشعر أحدٌ بذلك إلا في الصباح، عندما صار إبراهيم “الأهبل” يطوف شوارع القرية وأزقتها ويصرخ بذعرٍ وهلعٍ:

“وقع السقف! وقع السقف!”

خرجت القرية عن بكرة أبيها. وقفوا جميعهم بعيدًا مُطلين على التبّان الكبير الذي تحوّل إلى مكتبةٍ غاصةٍ بالكتب، وهو ينوء تحت حمل سقفه المنهار. تجمع الخلق من حوله وكانوا يدفئون أيديهم بأنفاسهم الحارة ويتقون نتف الثلج المنهمرة بمعاطفهم وملابسهم القديمة المهترئة.

إقترب الشيخ علي من التبّان الكبير المنهار وأمعنَ النظر فيما يراه. رأى كلَّ حياته في السنين الأخيرة ترزح تحت عظمة الطبيعة وجبروتها. أحسَّ بأنّ العظم في رجليه انهار مع إنهيار السقف، فلم يتمالك وخرَّ على الأرض البيضاء المرصعة بالثلج. من بعيد هرعَ الأب يوحنا إلى المكان وارتمى فوق الشيخ علي وصرخ بالجّمع:

“أليس من يساعدني؟”

لم يتقدم أحدٌ منهما، ولأول مرة أحسّ الأب يوحنا بما تعنيه الكراهية والحقد. من يصدّق أنّ هؤلاء الشخوص الذين رقصوا ودبكوا لساعاتٍ عندما وصلت الكتب الأولى، هم نفسهم من يقفون الآن يرقبون موت هذه الكتب وانهيار شيخهم المحبوب، من دون أن يزيحوا ساكنًا؟ هو لم يصدق على الأقل، فصاح ثانية:

“أليس من يساعد؟”

إقترب الشيخ جمال وحده منهما، وعاونَ الأب يوحنا على أيقاف أبيه على رجليه، ثم، ومن دون تمهيدٍ، حملَ أباه على كتفه ونظر إلى الأب يوحنا بإزدراء وقال:

“أنا سآخذ أبي. إذهب أنت إلى زانيتك!”

ذُهل الأب يوحنا لما سمعه. ووسط ذهوله وعجزه والخجل العارم الذي أحسّ به يجتاح كل دمعةٍ نزلت على خده، أخذ يفكر فيما قاله له الشيخ جمال: “زانيتي؟” للمرة الأولى في حياته يسمع من يلقب أمه بالزانية. لم يجرؤ أحدٌ على قول ذلك. لم يجرؤ أحدٌ بالمرة. على العكس تمامًا، كان كل أهل القرية يتعاطفون معه ومع أبيه لمصابهما، ويجزلان لهما الحبَّ والحُنوّ.

كيف تتجمد الدموع على الخدِّ المنكشف لسطوة الثلج والبرد. كيف يموت كلُ شيءٍ في لحظةٍ واحدةٍ، وكيف ينتهي زمنٌ حافلٌ بالحب والخير من دون كلمة وداعٍ واحدة.

“أمي ليست زانية يا جمال.”

توقّف جمال وهو ساندٌ أباه والتفت إلى الأب يوحنا. نظر إليه مليًا وقلبه مليء بالغصة، إذ أحسّ بثقل ما قاله للأب يوحنا، وبسوء ما فهمه منه، فقال بصمت:

“صدقني، لم أكن أقصد أمك.”

وقف الأب يوحنا وحيدًا الآن، من ورائه حطام المكتبة الرؤوم، ومن أمامه الشيخ علي محمولاً على كتف ابنه ومن ورائهما الناس يمضون ولا يلتفتون إليه. نظر، ولم يعرف عمّن كان جمال يتحدث! كان يتذكر من من النساء يمكن أن يُنسبوا إليه، فلم تكن لديه أخت وأمه هاربة و… الأخت ماريا! فوجد نفسه يتمتم بعصبية مؤلمة:

“زانيتي؟.. زانيتي؟..”

 

11  | الجريدة

نفض جمالُ الثلجَ عن معطفِه الأسودِ الطويل. كان القوم مجتمعين في مجلس المختار، وكان الوجاق مليئًا بالحطب والجمر، وإبراهيم يراقب الوعاء الحديدي الكبير الموضوع على حافة الوجاق، وبه ماء ونعنع وبابونج، ريثما يغلي الماء فيملأ الكؤوس بالشاي والسكر. كانت تلك المرة الرابعة التي يبدأ فيها إبراهيم “الأهبل” بعدّ الحاضرين، ولكنه لم يكمل العدّ هذه المرة أيضًا. ففي كل مرة “يُخربطه” أحد الشباب مما يدفع غالبية الحاضرين على الضحك والمرح، على الرغم من جدية الموقف.

عندما دخل جمال، ساد جوٌ من الجديةِ والهدوءِ فجأةً، إلا إبراهيم، فإنه اقترب منه واحتضنه مليًا. لم يفهم أحد من الحاضرين سرّ هذا الترحيب المبالغ به، إلا إبراهيم.

جلس جمال أو “الشيخ الصغير”، كما ناداه المختار وهو يؤهّل به، إلى جانب والده الشيخ علي. لم يتكلما مع بعضهما البعض. بعد هنيهة بدأ المختار بالكلام:

“يا عمي، نحن في خطر.. اليهود بدأوا بالتهجّم.. يعني يريدون الأرض والماء والنقود..”

تنحنح المختار ليتفحص تأثير كلامه على الحاضرين، فتيقّن من أن الجميع ينصت إليه باهتمام بالغ.

“جمال، شيخنا الصغير، عاد وسيخبرنا ما يحدث.. أليس صحيحًا يا شيخ جمال؟..”

نظر الجميع إلى الشيخ جمال الصغير، فأخرج الأخير على الفور جريدة مطوية كان يضعها في داخل جلبابه الأبيض الطويل. فتح الجريدة على وسعها، فظهرت كلمة “الكرمل” في أعلى صفحتها الأولى. ثم قال جمال:

“الأستاذ نجيب نصار، صاحب الجريدة، يكتب هنا:

“… أما نحن فنعذر اليهود على التوسّل بأية وسيلة تساعدهم على تحقيق أحلامهم وبلوغ أمانيهم ولكننا لا نرى في العمل والتعاون المشترك مصلحة للعرب.

فاليهود الآتون إلى فلسطين لينشئوا فيها وفي بلاد العرب من ورائها وطنًا قوميًا لهم لا يمكن أن يعملوا لغير هذه الغاية، والعمل لهذه الغاية مضر بمصالح العرب وبحقوقهم السياسية والقومية والإدارية والاقتصادية. اليهود لا يتقربون من العرب إلا ليصلوا إلى الطرق التي يمكنهم بواسطتها نقص حقوق العرب وزيادة حقوق اليهود التي تساعد على تحقيق غايتهم القومية.

إذا كانت نيات اليهود حسنة فيجب أن لا يخرجوا مزارعًا عربيًا من أرضه

وأن لا يزاحموا عربيًا على وظيفة ولا عاملاً عربيًا في عمله بل أن يعطوا من أعمالهم 80 بالماية لعمال العرب

وأن لا يطلبوا من الحكومة أن تساعد صناعاتهم على حساب البلاد وتجارها ومزارعيها

وأن لا يزاحموا التجار الوطنيين في شيء

وأن يقبلوا لغة البلاد العربية كلغة البلاد الرسمية وهي لغة سامية قريبة من العبرية

وأن لا يحلموا بإنشاء وطن قومي يهودي في بلاد العرب.

وأن لا يحاولوا فصل فلسطين عن بلاد العرب ليستمد العرب قوة من البلاد العربية كما يستمد اليهود قوتهم من يهود العالم. ومتى صرنا نرى أعمال اليهود تبرهن عن حسن نياتهم فحينئذ ننظر في اقتراحات التعاون بدون ريبة. وإلا طوبت هي الأحراج والمراعي على اسمها

وهذا من قبيل التعجب لأنها تعلم أن الأهالي ضعاف ولا يمكنهم إقامة الدعاوي وهي لم تترك لهم مالا ليدفعوا رسوم الدعاوي وأجرة المحامين.

لو أرادت الحكومة أن تنصف لاعتبرت أن الأهالي واضعو اليد وطوبت الأحراج أو أقامت هي على الأقل الدعاوي عليهم بدلا من أن تكلفهم أن يقيموا عليها الدعاوي “

نظر الشيخ جمال في أعين الحاضرين ببطء وتؤدة، ثم أردف:

“وهذا الحديث كُتب قبل أكثر من خمسة عشر عامًا. إنهم يعدون العدة لما يفعلونه الآن منذ سنوات كثيرة. لقد جاء الوقت لنستيقظ!”

“لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله”، هدر صوت المختار، ثم تبعه الآخرون يهدرون من ورائه:

“لا حول ولا قوة إلا بالله.. لا حول ولا قوة إلا بالله..”

“وماذا تقول يا شيخ جمال؟..”

“يجب أن نتنظم. اليهود مش قلال.. ليس أمامنا إلا الجهاد. أصدقائي والشيوخ في مصر يحضّرون العدة لإنقاذ فلسطين. كل العرب والمسلمين في العالم يعرفون بما يحدث هنا وسيأتون لإنقاذ فلسطين. إنه وقت الجهاد!”

“خراريف يا رجل”، قال شفيق صاحب البقالة…

“كيف خراريف، كيف؟..” رد الشيخ علي بحدة.

وسرعان ما علت الجلبة والجدالات حول اليهود وأخطارهم، ولم يبدُ أن القوم سيصلون إلى نتيجة واضحة. من بين الصراخ والجمل المتناثرة بفوضى، والتي لم ينجح حتى المختار بهيبته في السيطرة عليها، كان إبراهيم “الأهبل” يوزع أكواب الشاي على الحاضرين وكأنّ لا شيء يعنيه من كل ذلك. عندما وصل إلى الشيخ علي وإبنه جمال، وكانا صامتين يرقبان الجدال الصاخب، إنحنى إبراهيم “الأهبل” بينهما ومدَّ لكل منهما كوب شاي وهو يقول لهما بصوت خفيض ويبتسم:

“ثلج.. ثلج.. الدنيا بيضاء كالثلج!”…

 

12  |  الأم

هزّتْه الأخت ماريا بلطف ثم بفظاظة خفيفة. فتح عينيه بصعوبة. لم يكن من الصعب عليها أن تتعرف على الظواهر: قنينة نبيذ فارغة على الأرض، حذاؤه الذي في قدميه وهو نائم، سبحته التي حول عنقه. لقد سكر الأب يوحنا ثانية. لقد توقفت الأخت ماريا عن معاتبته أو لومه على ذلك منذ زمن، خاصة بعد وفاة والده. لم تكن قد حسمت الأمر بينها وبين نفسها ما إذا كان هرَبُ أمه قبل أكثر من 25 عامًا، هو السبب لاختياره اللاهوت والتعبّد وخدمة المسيح، أم أنه كان قرر ذلك مسبقًا. وهي لم تتجرأ على سؤاله، أيضًا.

فتح الأب يوحنا عينيه بصعوبة.

“ما الساعة؟”

“السابعة. هناك من جاء لمقابلتك”.

“السابعة؟ الآن؟..”

إنقلب الأب يوحنا إلى الجهة الأخرى محاولا كسب ما أمكن من دفء الغطاء الصوفي الخشن الذي يقيه برد الثلج الأبيض في الخارج..

“يقول إن الأمر مهمٌ جدًا.”

“كل الأمور مهمة جدًا عندما نريد..”

لم ترغب الأخت ماريا في الدخول معه في هذا النقاش العكر والسمج، فقفلت خارجةً ولم تقفل الباب.

ليس من عادته أن يحلم في الدقائق القليلة بين اليقظة والنوم في الصباح الباكر. عادة ما تكون أحلامه بعد نومه مباشرةً وعادة ما يستيقظ بعد الحلم فورًا، فيشرب الماء ويعاود النوم إلى الصباح. ولكنه حلم بها، جالسةً إلى جانب السرير، مرتدية الأبيض ووجهها ناصعٌ مثل بلّور مضيء…

هزّتْه الأخت ماريا مرةً أخرى. أفاق للتو، ولم يقل شيئًا. قام من السرير ومسح وجهه بيديه طويلا، ثم هندَمَ هندامه الأسود وتوجه نحو الكنيسة. ركع أمام العذراء وابنها وصلى بعضًا من الآيات التي يحبها في الصباح. ركعت الأخت ماريا إلى جانبه وصالبت ثم همست برفق:

“الرجل الذي يرغب بمقابلتك موجود في القاعة. طلب أن يحدثّك هناك…”

قام الأب يوحنا بهدوء وتوجه إلى هناك. من حيث كان راكعًا سمع الأخت ماريا تقول:

“سأحضّر لك الشاي”..

صالب الأب يوحنا أكثر من مرة ثم قام من ركوعه أمام الهيكل وجلس مقابل الرجل المسنّ الذي بدت علامات اليأس والحزن على وجهه. أعطوا الأب يوحنا أيَّ وجهٍ تريدون وسيعرف في الحال ما يعانيه هذا الانسان. والانسان الجالس قبالته الآن فَقَدَ عزيزًا غاليًا.

“أريد أن أعترف أبونا”، قال المسنُّ بخجل.

لم يكن الأب يوحنا يحبّ طقس الاعتراف، خاصةً أن مذهبه لا يُلزمه بذلك. ولكنه رفع يده ووضعها على رأس المسنّ وأخذ يصلي ببعض الأدعية المتعارف عليها.

“إغفر لي يا أبتي لأنني خاطئ… أنت لا تعرفني.. أنا..”

“لا بأس عليك… لست ملزمًا بالكلام. إعترف بخطاياك بينك وبين الله.”

همَّ الأب يوحنا بأن يقول له “يا بني”، ولكنه انتبه إلى أن هذا الرجل الذي جاءه في السابعة صباحًا ليعترف بخطاياه، لا بد تجاوز الستين منذ زمنٍ..

“أنت لا تعرفني.. أنا.. زوج أمك..”

إنخلع قلب الأب يوحنا. دارت الغرفة الصغيرة فيه، أحسّ بالدوخان وغالب نفسه لئلا ينفجر في البكاء. أية لعنة حلت به الآن، أي غضب من السماء زَلزلَ الأرض التي تحته، لتمطر الدنيا عليه الآن، حزنًا وأسًى.. ماذا يفعل برأس هذا المسنّ الذي بين يديه؟.. من أسدل الستار على كل الليالي الكريهة وكل النهارات الحزينة من دون أمه.. كيف يمكن له ألا يتذكر الكنزة الصوفية التي وجدها على سريره في الصباح الذي هربت فيه إلى أحضان هذا الانسان الذي يضع يده على رأسه الآن؟.. للمرة الأولى من وقتها، ولسبب لا يعرفه، ندم على إحراقه للكنزة تلك.

“أنا… كان يجب أن نتعرف على بعضنا البعض من قبل.. لقد.. لقد حدثتْني عنك كثيرًا… لو تعرف كم أحبتك…”

لو أعرف كم أحبّتني؟؟.. أيها المارق الحقير.. لو أعرف كم أحبتني.. لو أنها أحبتني لما تركتني من أجلك أيها السافل.. أيها السافلان!!..

“أنا أعرف أنك مصدوم الآن.. ولكن لديّ ما أقوله لك.. هي طلبت مني ذلك..”

لم يبكِ الأب يوحنا أبدًا وهو يصلي مع الرّاكع أمامه وهو يعترف أمام الله بخطاياه. حتى عندما كان الناس يروون له عن خطاياهم ومآسيهم وهمومهم، لم يتضامن مع أحد إلى درجة البكاء. لا يمكنك أن تتضامن مع أحد إلى درجة البكاء ما لم يَمسُسْك الأمرُ في الصميم، أو ما لم يذكّرك بأمرٍ في الصميم. حتى الآن، وبعد كل هذه السنوات، لم يركع أمامه أحد ولم ينتحب أمامه على أمه التي هربت من البيت لتكون مع رجل آخر.

“لم أكن لآتي إلى هنا… صدقني.. أعرف ما تشعر به الآن.. ولكنها طلبت مني ذلك…”

كيف تركتِنا أبي وأنا؟.. أأحببتِه إلى هذه الدرجة، أم أنك كرهتِ أبي إلى هذه الدرجة.. أيتها السماء، أيها الرب المصلوب على خشبتك الباردة، ماذا كنت ستفعل لو كنت مكاني؟.. أكنت ستبكي مثلي الآن، وتنتحب كالأطفال الصغار؟.. أكنت سترفس هذا المسن البغيض بقدمك وتلقي به من هنا إلى الجحيم؟.. كيف أستطيع أن أحب عدوي هذا الآن، كيف يمكنني أن أدير له الأيسر؟.. هل تركتك أمك يومًا، أيها الربّ المُحبّ، لتكون متأكدًا من أنه بوسعي أن أستجيب لتعاليمك الآن؟..

“أنا آسف.. لم أقصد أن أسبب لك الألم.. أنا آسف..”

أذكرها قبل أن ترحل بشهرين. كنت في الرابعة عشرة. كانت رائعة الجمال. رأيتها وهي تستحم عند النبع. كانت مشمرة عن ساقيها وترتدي بلوزة بيضاء خفيفة وشعرها منتشر على كل ظهرها. كانت آية في الجمال. أدهشني جمالها. سبّحتُ الخالق. أدركتُ في لحظتها أنني أريد أن أخدم طوال عمري ذلك الخالق العظيم الذي خلق لي أمًا كهذه. لولاها لما كنت كاهنًا اليوم. لولاها لما كنت أشلاءً وحطامًا اليوم. كيف خانتني، ألم يكن بوسعها أن تحتمل أبي من أجلي؟.. أي أمٍ هذه؟.. أي خالق يمكنه أن يخلق مثل هذه الأم؟.. مثل هذا الخالق ليس جديرًا بأن يُخدم. ليس جديرًا بأن يحظى بحياتي أبدًا!

“إنها في الخارج.. أقصد…”

في الخارج؟.. أية وقاحة تلبستها! أية وقاحة! ماذا تريد؟..

“لقد طلبت مني…”

“لا أريد رؤيتها. قم وارحلا من هنا..”

“لا أستطيع..”

“قم وخذها وارحلا..”

“لا أستطيع”، تمتم الرجل المسنّ وأجهش بالبكاء.. بكى مثل الطفل، ومثل الطفل بكى. إنتحب من غير خجل. بكى كأنه لم يبكِ من قبل أبدًا.

تسمّر الأب يوحنا في مكانه. هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها رجلاً يبكي بهذه الحرقة. هل يحبّها إلى هذه الدرجة؟.. يا ربي، يا رب السماوات، يا أيها الفادي، هل أنت من زرع هذا الحب في صدر هذا الرجل؟.. هل أنت من زرع حبَّ هذا الرجل في صدر أمي؟.. لماذا لم تزرع حب أبي في صدرها؟..

أزاح الأب يوحنا يده عن رأس هذا المسن. كان نسيها في غمرة ما يمرّ به ثم فطن إلى وجودها هناك، فأحسّ بالاشمئزاز. قام فجأةً واستدار ليذهب، فرأى الأخت ماريا واقفة عند الباب الجانبي المفضي إلى الرواق الخلفي المعتم، تنتحب بصمت، وتجهش بدموعها الصامتة وهي تنظر إلى الخارج. فلما رأته نظرت إليه بكل ما تملك من حزنٍ دفينٍ وأشارت له بيدها أن يذهب. إنشطر قلب الأب يوحنا إلى ألف شظية. ثم استسلم للبكاء…

النّاظرُ إلى قاعة الكنيسة الصغيرة، في هذه القرية الجليلية الصغيرة الباردة، في ذلك الشباط المثلج، والرائي للشخوص الثلاثة الباكية المنتحبة: مسنٌ راكعُ أمام المذبح، راهبة واقفة في ظل العتمة الجانبية، وكاهنٌ يقف في منتصف المسافة بينهما ويشدّ على سبحته السوداء الطويلة؛ الناظر إلى مثل هذا المشهد لا بد أن يقسم أغلظ الأيمانات بأنه رأى بأم عينيه، بجلاءٍ وضياءٍ وشفافيةٍ، الحزنَ البشريَّ كيف يكون!

إلتقط الرجل المسنّ أنفاسَه ووقف بصعوبة وقال محشرجًا:

“تعالَ معي إلى الخارج. إنها في الخارج..”

تماسك الرجل المسنّ ما استطاع واتجه نحو الخارج بتثاقلٍ واختفى في نور الصباح. كانت الأخت ماريا أول من توقف عن النحيب، ثم اقتربت من الأب يوحنا وأعطته منديلها الأبيض. مسح الأب يوحنا دموعه، ولم يُعرها اهتمامًا حين قالت له:

“إذهب إليها. فهي أمُك في نهاية الأمر.”

مسح الأب يوحنا دموعه ثم توجه بهدوءٍ إلى الخارج.

فتحَ الأب يوحنا البابَ. دلفت حزمة من النور خجلى من الموقف، فأسرعت إلى زاوية الكنيسة حيث قدمي المصلوب الباردة. كان حصانان اثنان يقفان بصفاءٍ وسط الثلج الأبيض وينبشان الثلج بفمّيهما عند زاوية جذع شجرة التين العارية. واحدٌ بنيُ اللون والثاني أسود. الحصانان مربوطان إلى عربة كبيرة لها دولابان عظيمان متينان. تراءت بيوت القرية من خلف العربة بيضاء خلابة، والدخان يتصاعد من كل مدخنة صغيرة في كل بيت. الطيور خبيئة لا صوت لها والأشجار عارية. البرد أبيض كالثلج المحايد على الأرض الملقية أبدًا تحت أرجل الفناء البشري. البلوطة الكبيرة على التلة المشرفة على القرية وحيدة كما كانت دائمًا. إبراهيم “الأهبل” يقف تحت البلوطة وينظر إلى السماء البيضاء بفرح طفولي كما يحب أن يفعل ما استطاع.

العربة الكبيرة المربوطة إلى الحصانين مغطاة بغطاء أسود كبير حجب ما في داخلها، إلا الطرف البعيد عند نهايتها، حيث بدا واضحًا أن ما يظهر من تلك الفسحة المتاحة هو زاوية النعش الخشبي الكبير الذي كان يملأ العربة.

ثم بدأ الثلج بالسقوط خفيفًا وهادئًا، بينما راح إبراهيم “الأهبل” يحملق في السماء تارة وفي العربة الكبيرة تارةً أخرى، ويقول بفرح وهو يبكي:

“ثلج.. ثلج.. الدنيا بيضاء كالثلج!”

 

13  |  الزمن

من الأفضل دائمًا أن تكون مُطلعًا على تقدم الزمن. الزمن يتقدم في كل الأحوال. شئنا أم أبينا. يتقدم حثيثًا وبتواتر لا سيطرة لنا عليه. السيطرة الوحيدة التي نملكها على الزمن هي في وعينا له. إذا كنّا واعين لمرور الزمن، فسنكون قادرين عندها على السيطرة على الاحساس به. السيطرة على الاحساس به، ليس إلا. هذه هي السيطرة الوحيدة لنا على الزمن. يقصر ويطول بحسب إحساسنا به. نحن نصنع الزمن بمجرد أن نكون واعين له. الوعي في هذه الحالة هو بالضرورة إنصياع الزمن لنا.

نحن ننصاع للزمن في الحزن. الحزن يصنع من الزمن حالة مركبة وغريبة ولانهائية. الليل يذهب والنهار يأتي ثم يذهب ثم يأتي الليل وهكذا، ولكننا لا نكون قادرين على استيعاب هذا أبدًا. ننظر إلى الشمس وهي تطلع ولا نفهم لماذا تطلع. ننظر إلى الشمس وهي تغيب ولا نفهم لماذا تغيب.

يجعلنا الحزن نكتشف اللاجدوى التي في مرور الزمن. اللاجدوى تجعل الوقت عملية ميكانيكية سمجة، لا مبرر لها. إذا كان الكل سواء، فمن أجل ماذا تطلع الشمس، ومن أجل ماذا تغرب لتطلع في مكان آخر. هل تعي الشمس أنها غبية إلى هذه الدرجة ونحن حزينون؟

لم أصَلِّ منذ أسابيع. أرادتْ أن ندفنها في ساحة الكنيسة الخلفية، إلى جانب القنطش الذي أنام فيه. توسل ذلك المسن إليّ لكي أدفنها حيث طلبتْ. قال لي:

“لم أرفض لها طلبًا طيلة حياتنا معًا. كيف يمكن ألا ألبّي طلبها الأخير وهي ميتة؟ سأحفر القبر بأظفاري لو احتجت. أرجوك ألا تخذل حبيبتي”.

سمـّاها حبيبتي أمامي، من دون أن يخجل. خطفها مني ويسميها حبيبتي من دون أن يخجل. لا شك في أنه يحبها حبًا عظيمًا، لا شكّ في أنّها تركت كلَّ شيءٍ وتركتْني لأنها أرادت لنفسها حبًا عظيمًا. بعد أن دفنّاها في الساحة الخلفية، تحت شباك غرفتي في القنطش، لمْلَمَ أغراضه واعتلى العربة وودعني باكيًا:

“شكرًا لك.. شكرًا لك من كل قلبي. أستطيع الآن أن أموت بهدوء. سلم لي عليها كل صباح”.

لم أصَلِّ منذ أسابيع. أنام في القنطش الحقير ليل نهار. لا أخرج. حاولت ماريا مرة أن تغريني بالربيع الداهم وتفتِّح الطبيعة التي أعشقها، ولكنني رفضت. لا أريد الخروج. لا أريد رؤية العشب ينمو على قبرها تحت شباكي. لم أنظر إلى القبر منذ أن دفنّاها تحت شباكي. ماذا تريد مني؟ أن أحبها ثانية إذا رقدت تحت شباكي؟ لا أعرف إذا كنتُ أستطيع أن أحبها ثانية، خاصةً أنني لا أعرف ما إذا كنتُ توقفتُ عن حبها يومًا. لا زلت أذكرها وهي تغتسل عند النبع، وكلما تذكرتُ ذلك كرهتُ أنني كاهن. ليس هناك ما يستحق أن أفني عمري من أجله، خاصةً أنّ من أفعل ذلك من أجله سرق مني أمي الرائعة من أجل مُسِنٍ بغيض. هو لم يكن مسنًا بالتأكيد قبل 25 عامًا، ولكنه كان بغيضًا بلا شك. ويأتي إليّ لينتحب أمامي في كنيستي. إبن الزانية!

لم أصَلِّ منذ أسابيع. لا أشعر بأنني في حاجة لأن أصلي. النوم في هذا السرير العفن أفضل من الصلاة بكثير. فيه من الطمأنينة والدفء ما يغنيانني عن الصلاة. لا أعرف ما الذي يفكر به الناس عني الآن. سيقولون: إذا كان راعينا المؤمن انهار أمام إرادة الرب، فكيف نحن؟ ولكنني لست راعي أحد. أمي تركتني من أجل رجل آخر قبل 25 عامًا وها هي تعود الآن في نعش دفنتُه تحت شباك صومعتي كما طلبتْ. أنا لست راعي أحد. أنا إبنٌ حزينٌ حتى الخَدَر.

إشتقتُ للشمس قليلاً. أحبها، الشمس. فيها من التفاؤل ما يجعلك تنسى شؤم الليل وبرودته. كانت تلك الشمس بعينها التي غسلت جسد أمي وهي تغتسل عند النبع، وأضاءته بألف لونٍ ولونٍ. أحب الشمس ولكنني لا أقوى على الخروج. حزمة واحدة من النور استطاعت أن تتسلل إلى ظلام القنطش عبر شقٍ صغيرٍ في أسفل الشباك الذي ترقد أمي خلفه. كانت تلك الحزمة الواحدة الصغيرة هي التي تبعث فيّ الطمأنينة والهدوء. أعتقد أنني أغار منه، ذلك المسن البغيض. ليس لأنه سرق مني أمي، حبيبتي، بل لأنني لم أحظَ بحبٍ كبيرٍ مثله. ستقولون إن حبَ الربِ أكبرَ بكثير. وسأقول لكم: هلاّ علمتموني كيف… خذوا بيدي واخرجوا بي إلى الربيع الداهم وأقنعوني بأن محبة الرب أكبر. أيعقل أن الربَ، خالقَ الحبِ، يرضى بحب من لم يجرب الحب ويعرفه؟..

سأخرج الآن. لا بد من أن أخرجَ. ولكنني أخجلُ من الناس. ماذا سيقولون عند رؤيتي؟ هل سيقولون إن البقية في حياتي؟.. هل سيُحرَجون عندما يقولون ذلك؟ هل هم غاضبون من دفن “العاصية الداعرة” في قريتهم، وفي حديقة كنيستهم؟.. ولكن ماريا لم تحدثني عن شيء من هذا القبيل. ربما أرادت أن توفر عليّ مشقة الاستماع إلى هذه التفاصيل المؤلمة. ما أجملها الأخت ماريا. ما أكثر حنانها وعطفها. ما أكثر ما أحب لها الخير. هل تراها تعرف أنني أعرف؟..

ما أجمل الشمس. عيناي تؤلمانني. دموعي تنزل وحدها. هذه دموع النور. دموع الضوء الذي لم ترياه منذ أسابيع. ما أجمل أن يبكي المرء استقبالا للنور. ما أجمل زهر اللوز الأبيض الذي يزفُّ بساتين القرية عروسًا لأعشاش العصافير والحمام. ما أجمل الدنيا في هذا الصباح. لم أكن خططتُ لذلك، ولكنني وجدتُ قدميّ تحملانني إلى خلف القنطش حيث دفنّاها. ما أجمل قبرها. لا بد أن ماريا هي التي اعتنت بالقبر ونظفت الأعشاب من حوله ووضعت هذه الورود الحمراء على الرخام البسيط المتواضع.

لم أكن خططتُ لذلك، ولكنني وجدتُ نفسي أركع إلى جانب القبر، وألمسُ رخامَه البارد المطعّم بالندى الرطيب بجبهتي، وأستسلم لدموع النور التي كانت تنزل من عينيّ، وأتمتم بهدوء ولذة:

“أمي.. إشتقت إليك.. إشتقت إليك كثيرًا…”

 

14  |  ماريا

لن أعتذر لأحدٍ أبدًا. المجدُ لله وفي الناس المسرة. وأنا عشتُ في مسرةٍ. عشتُ في مسرتي، كما أمرَنا الربُّ. أيها الرب الكبير، أيها العالم والرائي والسامع، هل أخطأتُ؟ هل أصبحتُ زانية كما يقول الناس؟ كيف أكون زانيةً وأنا لم أضاجع إلا زوجي، ولم أحبّ إلا زوجي؟ أتغار مني أيها الرب، لأنني بدّلتُ حبَّك بحبِّ آدمي؟ هل تعرفه أيها الرب؟ هل رأيتَه وسمعتَه وأحسستَ به مثلي؟ هل بوسعك أن تحسّ بما يحسّ به الناس؟ هل أنت قادر على كل شيء كما يقولون؟..

لن أموت إلا واقفة. حتى لو كنت واقفة في الهواء. عندما يجدونني معلقة على البلوطة فوق التلة سيقولون: “تفو! الزانية!” لا يهمني. كل ما أريده هو أن أكون أعلى منهم، أن أطل عليهم من فوق، أن يرفعوا رؤوسهم لكي يروني؛ أن يكونوا تحتي. سأموت واقفة ولو معلقة. هل ستكون معي أيها الرب؟ هل سترأف بألمي وبحزني وأنا معلقة على البلوطة العتيقة؟

سأعلق نفسي من دون غطاء رأسي الأبيض. سألبس الفستان الأسود المطرز الذي لا يعرف بوجوده إلا حبيبي. الفستان الذي خيّطته سرًا وأحببته سرًا وطرّزته سرًا ولبسته سرًا، في غرفة عبدك الكاهن. لبسته لحبيبي. لبسته لزوجي. لبسته كما لا تلبسه العرائس: لبسته كل ليلة. في كل ليلة كان يأتي فيها حبيبي كنت ألبسه. كان يطير فرحًا. كان يدور في الغرفة وفي يده شمعتان ومن حولنا بخورك المقدس، ويغني لي: “يا وردة من جوا الجنينة”… أنا وردة حبيبي من جوا الجنينة.. كنا نتزوج كل ليلة من جديد. كنا نحب كل ليلة من جديد. أتغار أيها الرب؟ أتكره ذلك؟

سأموت بفستان عرسي. سأعلّق نفسي وتحتي الشمعتان تضيئان الليل. سيجدونني في النهار. ستكون الشمعتان منطفئتين. أريدك أيها الرب، أيها الرحوم الرحيم، أن تبقي على الشمعتين مضيئتين. أريد أن يرى الناس الشمعتين مضيئتين من تحتي. شمعتا عرسي. أيَغارُ الناس من شمعتيْ عُرسي؟ فليغاروا. المهم ألا تغار أنت، أيها الرب الحبيب.

لا ألومه على أنه تركني. زوجته تموت، إبنه يكرهه، الناس تحتقره. رأيته قبل يومين وهو جالس أمام بيته ينتظر قرص الشمس البرتقالي ليراكَ فيه. أرجوك ألا تخيّب ظنَّه أيها الرب. أعرف أنك ستكون هناك، في قرص الشمس البرتقالي. كن هناك ولو من أجل زوجته، من أجل ولده، من أجل الشمس. لا ترحل عن القرص البرتقالي. أتعرف كم حبيبًا مثل حبيبي يراك في هذا القرص البرتقالي؟ أتعرف أيها الرب؟

لن أندم على شيء. لن أحتقر نفسي، لن ألوم ذاتي، لن أتنكر لحبي وشهوتي. سأعلق نفسي في فستان عرسي الأسود المطرّز. نحن تزوجنا على سُنتك وتحت نظرك. قال لي: “قولي: زوّجتكَ نفسي”، فقلت. ثم قلت له: “قل لي: زوجتكِ نفسي”، فقال. وكان هناك شاهدان، أنت وفستاني الأسود المطرّز. أيُّ شاهدين أفضل منك ومن فستاني الأسود المطرّز؟.. قل لي أيها الرب الرؤوم، أي شيء أفضل؟..

أرجوك أيها الرب أن تُبقي على الشمعتين مضيئتين.


15  |  الحلم

حلُم الشيخ الصغير جمال بأنه فارسٌ يلبس الأبيضَ ويمتطي صهوة حصانه الأبيض وينهب الحقول نهبًا. وحلم الشيخ جمال بأن الحصان كان كبيرًا ولامعًا وله ذيل طويل أطول من الحقول نفسها. وكان في الحلم يمتطي الحصانَ وكأنه يمتطي الغيمَ، ويسبح في الهواء الكثيف البارد تحت شمس الجليل الساطعة. وفي الحلم رأى الشيخ جمال أنه كان يحتزم سيفًا لامعًا، له رأسان اثنان وعليه محفورة الآية القرآنية:

{ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }

ثم وصل الشيخ جمال إلى قريته، وكان الناس جميعهم، عن بكرة أبيهم، كبيرهم وصغيرهم، ينتظرونه على التلة تحت البلوطة. ورأى الشيخ جمال والدته عائشة تلبس الأبيض وتتوسط الجمعَ مبتسمةً له، مرحبةً به. ثم نزل الشيخ جمال عن حصانه ونظر إلى الجميع، فخرّوا له ساجدين خاشعين، إلا والده، الشيخ علي. فلمّا تقاعس الشيخ علي عن السجود له حرك الحصان الأبيض ذيله فاحتوى الشيخ علي ورفعه إلى الأعلى نحو السماء، فصرخ الشيخ علي صرخةً عظيمةً، ثم اختفى…

وفي الحلم رأى الشيخ جمال أن القرية كلها دانت للاسلام دينًا ومذهبًا، ورأى أمه عائشة والأخت ماريا تسيران معًا نحو المقبرة المحاذية للتلة. ورأى أيضًا أن القوم يجزلون له الحب والخنوع الخالصيْن، وينادونه بالمُخلص، فاستيقظ في الفجر والدموع تملأ لحيته وذقنه وبلوزته البيضاء. فقام من فوره ونظر عبر الشباك إلى قرص الشمس البرتقالي، فرأى في القرص ما أذهله وأثار الرعب والفرح العظيمين في ذات الآن؛

رأى صورة وجهه تسطع في القرص وكأنها الشمس نفسها!


16  |  الجنازة

لم يقترب أحدٌ من الشيخ علي. الكل احتضن الشيخ جمال وقبّله، ولكن أحدًا لم يُعَزِّ الشيخ علي بوفاة زوجته. عندما انطلقت الجنازة سار الجميع وراء النعش، ولكن أحدًا لم ينظر إلى الشيخ علي، الذي سار في المؤخرة، وحيدًا، ذليلاً، مُنكسرًا. لم يردد مع المشيّعين: “لا إله إلا الله، باقٍ حيٌ وجه الله”. فهو كان يعرف ذلك. كان أكثر واحد في الجنازة يعرف أن وجه الله باقٍ حيٌ. فهو يراه كل فجر في قرص الشمس البرتقالي.

الأطفال أول من يجهر بالأمور. الأطفال أول من يصرخ بالأمور:

“هناك، على التلة”…

توقف المشيعون حين رأوا الأخت ماريا معلقة من رقبتها على شجرة البلوط المرتفعة فوق التلة المطلة على مقبرة المسلمين الملاصقة لمقبرة المسيحيين. توقفوا ونظروا ولكن أحدًا لم ينبس ببنت شفة. أول من استأنف المشي كان الشيخ جمال. ومن بعده حَمَلة النعش ومن بعده باقي المشيعين. الشيخ علي وحده ظلَّ واقفًا ينظر إلى شجرة البلوط ويتذكر السجائر الأولى التي دخّنها تحت هذه الشجرة. لم يكن ينظر إلى ماريا المتدلية من الشجرة بفستان زفافهما الأسود المطرّز. لم يكن يستطيع ذلك. كان ينظر إلى البلوطة ويتذكر سجائره الأولى تحت هذه البلوطة…

لم يحر صنعًا. لم يفكر حتى في أنه لا يحير صنعًا. أيهرع إلى حبيبته المعلقة على الشجرة أم يكمل سيره وراء نعش زوجته؟

على الرغم من أن الريح كانت أقوى من إرادة الناس على الثبات، إلا أن جسد ماريا المعلق لم يتمايل في الهواء.

كان إبراهيم “الأهبل” يقف تحت ماريا المعلقة على البلوطة وينظر إليها بدهشة. لم يعرف لماذا بقيت الشمعتان مضيئتين، مع أن الدنيا ريح ومع أن الشمع كله احترق. إقترب من الشمعتين ومدّ يديه ليدفّئهما بنور الشمعتين. إغتبط لذلك عظيم الاغتباط. للمرة الأولى في حياته شعر بهذا الدفء، ولو كان إنسانًا “عاقلا”، وقادرًا على التفكير كباقي البشر، لكان قال لنفسه من دون شك: “الله يضيء هاتين الشمعتين”.

من حيث وقف إبراهيم “الأهبل” استطاع أن يرى الجمع الغفير وهو يتجمع حول القبر المفتوح الذي كانوا ينزلون فيه جثة عائشة، واستطاع أن يرى الشيخ علي ما زال واقفًا في مكانه، متوسطًا المسافة القصيرة- الطويلة بين المقبرة وبين التلة، وينظر إلى شجرة البلوط العالية…

من حيث وقف إبراهيم إستطاع أن يرى في الجهة المعاكسة عددًا من السيارات الحربية محملة بالجنود، والكثير من الجنود الراجلين يتقدمون بحذر باتجاه بيوت القرية.

من حيث وقف إبراهيم “الأهبل” استطاع أن يصرخ بأعلى صوته، ليسمعه الجميع ويلتفتوا إليه:

“جاء اليهود!! جاء اليهود!!”

 (آب 2004)

 

[1]القنطش هو بيت الكاهن الذي يكون ملاصقًا للكنيسة عادةً، ويكون من غرفة واحدة على الأغلب، معدة للنوم والعبادة.

[2]المخدر بالعامية الجليلية هو حارس كروم وحقول القرية الساهر على أمنها وحمايتها من الغزاة ومن المتطفلين على أنواعهم. وقد اشتهر غالبية المُخدّرين بقسوتهم وغلظة قلوبهم نتيجة حرصهم على حراسة أملاك أهل القرية من الطامعين بها.

[3] الفستقية هي غرفة كبيرة تُقام في مقابر المسيحيين، لاحتواء نعوش الميتين.

تقديم تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *