ريما

هذه هي المرة الأولى التي أحاول أن أحصر بعضًا منك في النص. تبدين غريبةً عن اللغة، وأنت بالكاد تتهجئين أولى كلماتك وشتائمك البذيئة. معجزةٌ ما يستطيع الأطفال اللي في سن حضرتك أن يصنعوه باللغة. بالكلمات العادية السخيفة. تصبح في فمك إنجازًا يستحث الاصغاء والتسجيل والضحك والمباهاة. خاصةً إذا كان الشخص المتباهي هو السعيد السعيد الذي نطقت أمامه بهذه الكلمة أو تلك، للمرة الأولى. يكون السعيد السعيد. هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها لشخص أعرف أنه لن يقرأ ما أكتب ولن يصغي لي وأنا أقرأ، لأن كلماتي لا تعنيه. هذه هي المرة الأولى التي لا يعيرني فيها شخص أكتب له الاهتمام الكافي. كأنك تمدين لسانك للقلم والورقة واللغة. تقولين لنا: كلامكم لا يهمني. هل جلبتم الهدايا؟ الكلمات معك أقوى وأنضج. للحروف المتلاحقة السريعة من فمك الصغير إستقلالية متناهية: الراء هي لام، والسين ثاء والحروف التي قبل تصبح بعد، والتي بعد تصبح قبل. ونحن ننظر إلى فمك الصغير ونكاد ننفطر حبًا وسعادةً: كأنك تعيدين صياغة الأشياء من جديد: هذه “تنتا” وليست “شنتا”. هذا “بوندو” وليس “شامبو”. وهذه “بغليه” وليست “بكلة”. هذا “سِميير” وليس “سميرًا”. هذا “نام” وليس “هشامًا”. هذه “إمك لبك” وليست “كس أم ربك أخو شرموطة”. كومة سوداء من اللحم وزعيق لا ينتهي كنتِ، وكنتِ شرسةً وعصبيةً، وما زلتِ، وكنتِ جسدًا طريًا محشوًا في بامبرز مليء بالبراز، وكنتِ إسمًا جديدًا أضيف إلى قائمة معارفي فصرتِ من أهمهم، وكنتِ همًا جديدًا من البكاء في المقاهي وقبل النوم وبعد النوم وبين النوم، وكنتِ فرحًا مكبوتًا لا نعرف كيف نعامله، فإذا أطلنا حملانك بكيتِ، وإذا قصّرنا منه غضبتِ، وإذا خرجنا بك إلى الشارع انتفضتِ، وإذا عدنا بك إلى الداخل انطلقت بالنواح. كنتِ نقطة فرحٍ في عالم سيء، وما زلتِ؛ كنتِ لحظة شوقٍ...

يوميات فلسطيني في الفورد

بشتّى الألوان: حمراء، زرقاء، بيضاء، رمادية. تقطع الطريق بين القدس ورام الله، مرارًا وتكرارًا. الذاهب إلى رام الله (من معهم تصاريح) والعائد منها، كلهم ينتظرون على النواصي، يلوّحون بأياديهم مرة ولا يلوّحون مرارًا، لأنّ السائق يبدأ بالتطبيل والتزمير والإلحاح من بعيد. يكفي أن يلتقط بعينيه الثاقبتين (ولهما استعمال آخر أكثر فائدةً) شبحًا واقفًا من بعيد ليبدأ بسمفونيته الوجودية. الفورد ملكة الشارع… وملكة الشارع هذه تخلّت عن اسم عائلتها “ترانزيت” من زمان. هي الآن “فورد” حاف، من دون مقدمات أو نهايات، أشهر من أن تُعرّف؛ أشهر من أن تحتاج إلى اسم عائلة. السائق الشاب في بداية العشرينات أو أواخرها، يصفّر أو يدندن باستمرار. لستم بحاجة إلى معرفة اسمه، هو ببساطة “أبو الشباب” أو “خيّي”، ورقم “بلفونه” ملصق بأرقام بارزة على زجاج الفورد. 9 أرقام وهو معكم (أو معكنّ) على الخط: آلو، هنا سائق الفورد… الفورد المطعّمة بالفرو والخشاخش والمسابح الرخيصة: صالون متنقل، وكأنك في بيتك، لم تغادره بعد. بيت حزين… الفراغ الذي خلفه الاهمال وعدم الانتباه وقلة التنظيم مُلئَ بالفوردات. مئات منها، بل الأف وربما الألفان؛ تحل محلَ السير المنظم والتاكسيات الصفراء القليلة. شيكلان ونصف وأنتم في الطريق إلى مبغاكم. بين المدينة المقدسة وبين رام الله، العاصمة الفعلية للوطن العائد من غربته إلى غربته الجديدة. الجميع يكرههم، وهم في غيّهم: متكبرون، سمجون وثقيلو الظل. فوقهم ومن حولهم ومن تحتهم كاسيتات وكاسيتات: أيهاب توفيق، عمرو ذياب، نجوى كرم، أصالة، نانسي عجرم، أليسا. عصر السرعة يبدأ من مسجلاتهم (المسروقة والله أعلم) لينتهي في أقدامهم الثقيلة فوق دعسة البنزين. أنت إذا صعدتَ إلى الفورد في الصباح فإنك تخاطر بحياتك أكثر من أفراد “حرس الحدود” الذين يحرس بعض من أفراده الحاجزَ في مفرق الضاحية. الكيس المعبّأ بقوانين السير التي وُزّعت على خلق الله فرغ...

أخي

ذهب أخي إلى نابلس. قبل يومين. ذهب ليشترك في فيلم سينمائي عن اثنين يخططان لتنفيذ عملية انتحارية في مدينة يهودية. سيلعب دور المرافق للإثنين المكلف من جهة قائد “التنظيم”. سيكون اسمه جمالاً. وأنا هنا سألعب دور المترقب. قبل قليل دخلت إلى موقع إنترنت إخباري: الجيش الاسرائيلي يدخل نابلس في حملة اعتقالات. أخي هناك. في فندق “القصر”. قلقي شديد. صحيح أن كل الفلسطينيين أخوتي، ولكنه “أخي”! أخي مع مزدوجين وعلامة تعجب. أخي عن حق وحقيق! هاتفته. الخط رديء. قال إن كل شيء على ما يرام. فهو في فندق الصحفيين. حتى الأطفال يلعبون في الشارع. وهم يجلسون في الداخل لأن التجول ممنوع. أخي في نابلس وأنا في حيفا، وللمرة الأولى أشعر بأنّ الاجتياح وصلني. يرقد في غرفتي. يشقّ عليّ سكينتي المزيفة. للمرة الأولى عرفت ما يعنيه أن تكون هنا وأن يكون أخوك هناك- وهذا مخيف جدًا الآن! (3...

فرفحينة

مساءُ الخير. شكرًا لإدارةِ المهرجانِ على دعوتِي، وأرجُو ألاّ أثقلَ على عشّاقِ الفلامنكو في دقائقِي القليلةِ هذه.. هلْ يَصْدُقُ التاريخُ وهو يروي قصةَ زريابَ الذي دخلَ على قومٍ، فعزَفَ فضحِكوا، فعزفَ فبكوْا، فعزفَ فرقصُوا، فعزفَ فنامُوا، فخرجَ؟ من أين يأتي السحرُ الذي في أحرفِ النوتةِ السوداءِ الهادئةِ؟.. وقد يسألُ السائلُ أيضًا: هل للموسيقى مكانٌ، والأيقاعُ الوحيدُ في الحياةِ هو صوتُ القذائفِ الذكيّةِ، وعويلُ الأخبارِ المنبعثِ من حناجرِ المذيعاتِ الجميلاتِ؟.. كيف يمكنُ للمغنّي أن يُغنّي، وللعازفِ أن يعزفَ وللسّامعِ أن يسمعَ، والصوتُ الوحيدُ الذي يرسمُ حدودَ أيامِنا هو صوتُ شارون؟.. كيفَ؟.. يمكننا أن نحاولَ.. أنظرُوا إلى مِفتاحِ الصّولِ وسَترَوْن. مفتاحُ الصولِ هو أصلُ الأشياءِ وبدايةُ الموسيقى، ونحنُ هنا أصلُ الأشياءِ وبدايةُ الموسيقى؛ مفتاحُ الصّولِ نَغمٌ للحَياةِ، ونحنُ هنا نَغمُ الحياةِ؛ مفتاحُ الصُّولِ مَسرّةٌ للبشرِ، ونحن هُنا مَسرةٌ للأرضِ… من الأرضِ نجترحُ موسيقى أيامِنا. نعزفُها جِهارًا وسرًا وبقاءً. لم يدُمْ شعبٌ إلا وكانت الموسيقى مياهَ أشجارِه، ومزارعِه وورودِه وشتلةِ الباذنجانِِ وشجرةِ التفّاحِ الشّهيِّ؛ نصدحُ بالميجَنا والعتابا، ونُدَوْزنُ الشّبابةَ على وقعِ أقدامِ الدّبّيكةِ في أفراحِنا الرّيفيةِ. نختلسُ الحبَّ الممنوعَ في أغانينا: ظريف الطّول وعيني يا ظريف، حبّيتك سنتين ومين اللي عرف؟.. نكتبُ أهزوجةً لطفلٍ ينامُ، وأهزوجةً لحبيبٍ يسافرُ، وأهزوجةً لإبنٍ لن يعودَ من الحبِّ، وأهزوجةً للفرحِ العابرِ خلسةً، وعنوةً، وعلى الرغم من أنفِ القنّاصةِ. نكتبُ أهزوجةً للقناصةِ على سطوحِ سعاداتِنا يحاولون اصطياد معانينا: حيِّد عن الجّيشي يا غْبيشي، قبل الحناطير ما يطلوا… على هذه الأرضِ ما يستحقُّ الغناءَ. على هذه الأرضِ ضحكةُ طفلٍ ونشوةُ أمٍ وارتعاشةُ حبيبٍ. على هذه السفوحِ والشطأانِ ما يُشعلُ النارَ في أوتار العودِ، وفي أوتارِ الكمانِ وفي ضرباتِ الأيقاعِ، لتصبح أغانينا الشعبيةُ تعويذةً للحبِّ الحاملِ بالأملْ، نربّيه على مهلْ. لدينا في الموتِ ما يكفي من الحياةِ لنُغنّي: جفرا...

خالتي حكمية

كان اسم “حكمية” يتردّد في فضاءات الطفولة، في قريتي الجش. منذ أن سمعته للمرة الأولى، وأنا طفل في بداية تشكُّل الوعيِ، عرفتُ أنّها إنسانةٌ هامةٌ. كان اسمُها يتردّدُ بحُبٍّ واحترامٍ وبعض الهيْبة. فحين يَروُون شيئًا عن حكمية، تتبعه كلماتٌ معهودةٌ لا زلتُ أتذكّرُها، مثل “فظيعة” و”كل احترام” و”جدعة”. خالتي حكمية، تعلمتُ أن أناديها، كما علّمتنا أُلفةُ القريةِ الصغيرةِ، حيثُ الجميعُ “عمّي” و”خالتي”. أمّي تُحبُّ خالتي حكمية كثيرًا، وكانت تتعامل معها على أنها نموذج للمرأة المثالية: متعلمة، قوية، مُدبّرة، لبقة وقيادية. وأنا أيضًا أحببتُ خالتي حكمية. فهي مثلت في عينيّ هذا النموذج بجدارةٍ، وفي كلِّ زيارةٍ لها ولعمّي عدنان إلينا كُنتُ أحبُّها أكثرَ، لأنني مع تقدُّمِ وعيي وفَهمِي للحياةِ، عرفتُ كم هُو نادرٌ أن تجتمعَ هذِهِ الصِّفاتِ في إنسانٍ، وخصوصًا في امرأةٍ، في مُجتمعِنا الصَّعبِ والمُنغلقِ. لم تلتقِِ دوائرُ حياتنا كما يجبُ، ولكنها كانتْ دائمًا حاضرةً في خانةِ الناس الذين يَعنُون للمرءِ شيئًا هامًا في الحياةِ. في كلِّ مكانٍ كُنتُ أصلُهُ، خصوصًا في الجليل، كنتُ أُسألُ دائمًا أسئلةً عن عائلتي وابنُ مَن أنا، ولكن السُّؤال التالي أو الذي بعدَهُ كان دائمًا: “شو بتقرب لعدنان وحكمية؟” وكنتُ أجيب بفخر عائليٍّ فِطريٍّ، لأنّ خالتي حكمية تبنّتْ اسمَ عائلتي وصارت جُزءًا من مُكوِّناتِه وهُويّتِهِ عند الكثيرين. أعتقدُ أنّ الكثيرين يَحترمونني ويحترمون عائلتي بفضلٍ منها، لأنها احتضنتْ عائلتَنا، بالاسمِ وبالفعلِ، ورفعتْ من شأنِها بقدر ما كانتْ محبوبةً وكبيرةً. الموتُ دائمًا يُحيلنا إلى الحسرة والتحسُّر، ولكنني لا أجدُ نفسي فاعلاً ذلكَ في حضرة خالتي حكمية. فهذا لا يليقُ بها. هيَ، القوية، المقدامة، الشجاعة، لا يليق بها رثاءٌ بُكائيٌّ ولا كلماتُ وَداعٍ باكيةٌ. فنحنُ، جيلُ العائلة الشابِّ، وجيلُ هذا الوطنِ الشابِّ، تعلّمْنا الكثيرَ مِمَّن سبقونا، والمحظوظُ المحظوظُ –مثلي ومثل غيري آخرين- من تقاطعتْ دروبُهم مع أشخاص...

الملاك الشيطان

أريد أن أكتب لك قصيدةً عن إمرأة ملاك، تتحول إلى شيطانٍ في السريرِ. سأكتبُ في القصيدةِ عن نظراتِها المخيفةِ التي توجّهُها الى داخلِ عينيّ فـ “أنضغط”، كما قالت هي بفخرٍ واعتزازٍ. سأكتب في القصيدة عن اللمسةِ الأولى والقبلةِ الأولى (الشهيةِ، الرائعةِ، الرطبةِ، الشبقةِ) وعن النشوةِ الأولى. سأكتبُ كيف سافرتْ إلى نشواتِها المدمرةِ ستَ مرّاتٍ دون أن يطرفَ لها جفنٌ. سأكتب كيف كادت تسحقُ ذكورَتي تحتَها وكيفَ خجلتُ من أن أقولَ لها ذلك. سأكتبُ في القصيدةِ عن شعرِها الطويلِ الذي ظلّلَني وأنا مُستلقٍ تحتَها مثل محاربٍ قديمٍ وَقَعَ في أسْرِ محاربٍ شابٍ مِقدامٍ، يودُّ أن يلقّنَ هذا العجوزَ درسًا في الأخلاقِ. في القصيدة التي سأكتُبُها لكِ عن المرأةِ الملاكِ التي تتحولُ الى شيطانٍ في السريرِ، سأصفُ جسدَها الخلابَ الفاتنَ. سأكتبُ جملةً تشبه الجملةَ التاليةَ: “جسدُها ألفُ تدويرةٍ منَ الشّهوةِ وألف تدويرةٍ من الاستسلامْ..” سأكتبُ عن جسدِها السهلِ- الصعبِ، عن جسدِها الغضِّ- الصلبِ، عن جسدِها الدافئِ- الباردِ، عن جسدِها الشاحبِ- المُفعمِ، عن جسدِها المتمردِ- المستسلمِ. سأكتبُ عن جسدِها كيفَ يتحولُ إلى عاصفةٍ من الانقباضاتِ التي لا تنتهي إلا لتبدأَ من جديدٍ. سأكتبُ عن جسدِها الجائعِ. سأكتب شيئًا يشبه: “جسدُها الجائعُ يأكلُ من فُتاتِ عرقي. جسدُها الجائعُ يأكلُ من عَرقِ فُتاتي.” في القصيدةِ التي سأكتبُها لك عن المرأةِ الملاك التي تتحولُ إلى شيطانٍ في السريرِ، سأكتبُ عن ضحكتِها الخجلةِ- الوقحةِ، وعن نهديها اللذين باتّساع شهوتي إليها. وسأكتبُ أيضًا عن شهوتي لها، بما يشبه: “شهوتي إليكِ مثلَ سنبلةٍ حبلى تملأ الأرضَ –في كلِ لحظةٍ-  سنابلْ” أريدُ أن أكتبَ لك قصيدةً عن المرأةِ الملاكِ التي تتحولُ إلى شيطانٍ في السريرِ. أريدُ أن أقولَ في القصيدةِ كم أن حظّي سعيدٌ، وكمْ أن الشيطانَ يحبُّني، فيبعثُ لي في كلِ مرةٍ إمرأةً ملاكًا تتحولُ إلى شيطانٍ في...