أحلى الأعياد

منذ ذلك اليوم الصيفي المشمس، في ساحة البيت الأمامية، في بيتنا القديم في القرية، قبل سبعة عشر عامًا، وأنا أكره أعياد الميلاد. أكرهها لنفسي أولا، ولا أحب المشاركة فيها ثانيًا. مع الوقت صرتُ أجبرُ نفسي على حضور أعياد ميلاد من أحبهم من البشر

المَذقُون

لن يهمَّني بعد اليوم أيُّ شيءٍ. على مؤخّرتي كُلُّ ردّات الفعل التي سأصطدمُ بها وستصطدمُ بي. أبي لا شكّ سيستهجنُ وسيستنكرُ وسيُحوقلُ وسيُبَسْمِلُ وسيَسْتعوذُ. لا يهمُّني. فليفعلْ. هذه ذقني وأنا حُرٌ بها. أريدُ أن “أربّيها” ولو لمرةٍ واحدةٍ.

تعايُش

يجب أن أتحدث معه. فالأمر لم يعد يحتمل التأجيل، حتى لو أنه لا يعرفني أو لم يسمع بي. سأتصل به وسأقول: يتكلّم أنا وأريد منك “إكسًا ووايًا وزِدًا”. هكذا، بصراحة ومن غير مواربة، وإذا تلعثم أو استهجن المكالمة فإنني سأغيّر من لهجتي. سأقول له: إسمع، نحن عرب ونفهم على بعضنا البعض

باسبورت

“آلو، شالوم. هل يمكنني التحدّث إلى شولا؟” “لا أحد يعمل اليوم. مكاتب وزارة الداخلية مغلقة.” “مغلقة؟ اليوم الثلاثاء.” “حرب. ألم تسمع بالحرب؟” “ولكن الحرب في لبنان وكريات شمونة.” “وهنا أيضًا. أين تعيش؟ ألم تسمع بالصواريخ التي سقطت أمس في الكريوت وحيفا؟” “وما دخلنا في الكريوت؟ نحن في عكا.” “دخلنا ونصف! كل المكاتب الحكومية في الشّمال مغلقة.” “ومن أنتَ؟ ألم تقل إنّ المكاتب مغلقة؟” “أنا رجل الأمن. أحرس المبنى.” “ولكنّ المبنى مغلق.” “لا يهم. لا يمكن ترك المبنى من دون حراسة.” “وماذا سأفعل الآن؟” “بماذا؟” “بجواز السفر. يجب أن أجدده. فأنا مسافر.” “عليك أن تنتظر حتى تنتهي الحرب. لا أحد هنا ليعالج موضوع جوازك. عن إذنك.” “ولكن، ماذا سأفعل؟ متى ستنتهي الحرب؟” “سيدي، أرجوك، لا أحد يعرف متى ستنتهي الحرب.” “يومًا، يوميْن؟” “أرجوك سيدي، لا أعرف. طاب نهارك.” “لا يمكن أن تستمرّ الحرب لأكثر من أسبوع. هكذا قالوا في الأخبار. ألم تسمع؟ قالوا إنّ جميع حروب إسرائيل مع العرب لم تزِدْ عن أسبوع.” “لا لم أسمع. ولكن هذا مُرجَّح. فنحن سنمعسه مثل الصرصور!” “من؟” “نصرالله.” “كيف؟” “بالطائرات والمدافع. هل يمكن لهذا المخرب أن يصمد أكثر من يومين قبالة جيشنا؟” “لا أعرف. هل تعتقد ذلك؟” “طبعًا.” “ما اسمك؟” “فلاديمير.” “يعني الحرب ستنتهي قريبًا. سيعودون إلى العمل في الداخلية غدًا أو بعد غد…” “لا أعرف.” “وماذا سأفعل إذا لم يعودوا إلى العمل يا فلادي؟” “لا أعرف. طاب نهارك!” “لحظة! لحظة لو سمحت! هل يمكنني أن أحصل على رقم شولا النقال؟” “ماذا؟!” “إنها تعرفني. ستتذكرني. قل لها الكاتب الذي سيُسافر إلى بريطانيا.” “لا يمكنني مساعدتك بشيء، سيدي.” “أعطِني رقمها إذًا. إنها تتذكّرني شخصيًا. قبل أيام كنت عندكم واعتنت بطلب إصدار جوازي الجّديد. لقد تحدثنا سوية عن جولتي القريبة في بريطانيا. إنها تعرف بريطانيا...

عزارة

رغم سنواتي العشر، إلا أنني كنت قادرًا على استيعاب أنّ أمرًا جللاً وقع. كانت والدتي تغلق باب غرفة نومنا في كلّ مرة يُفتح، كي لا نسمع ما يدور من همس مضطرب في الصالة. لم تكن “جلسات” كهذه تتم في المنزل إلا في الأمور الجِّسام، ولم يكن باب غرفة الأطفال يُغلق أثناء قعدات القهوة والبابونج، بل على العكس: كان دائمًا مفتوحًا على الصالة، وكانت نساء الحيّ والعائلة يتناوبنَ على تقبيلنا في كلّ مرة ندخل ونخرج، والجملة نفسها لا تنفكّ تتردّد: “الله يحميهن.” يبدو أنّ أختي كانت تفهم أكثر مني، بسنواتها الإثنتي عشرة، وربما بحدسها الأنثويّ الذي بدأ يتفتح على واقع الحياة من حولنا، فكانت تنصت باهتمام عبر شقّ الباب وكان الخوف يسيطر على قسمات وجهها في كل مرة يعلو اللغط، فتهرع إلى عمق الغرفة وتجلس إلى المكتبة الصغيرة وتنهرني بحدّة: “سوّيت وظايفك؟” كان الهمس من حولنا يحمل من مرة إلى أخرى كلماتٍ مثل “عزارة” و”بهدلة”، إلا أنّ اللغط كان يزداد عندما يُسأل السّؤال نفسه، من مرة إلى أخرى، وبحدّة مُريبة كانت تبعث الخوف في طفولتي القلقة: “يعني هيي لازم تحكي؟ الله يفضحها!” كانت “العزارة” في الحارة قد انتشرت، وحتى حين لم أنجح في صدّ تسديدة الكرة صوب “مرماي” في ملعب الحارة، لم يوبّخني أحد من “الكبار” ولم يطلبوا عزلي عن مهمة حراسة المرمى كما كانوا يفعلون دائمًا. كان الانتباه مشدودًا إلى “العزارة”، وكانت الأحاديث تغلب على اللعب، حتى إنّ “رئيس الشلة” تنازل في النهاية عن لعبة “الجُول” اليومية، ليجلس إلى “الكبار” وليتحدّثوا عمّا حدث، ليس قبل أن يشعل سيجارة وينفخ دخانها بسنواته الست عشرة، ونحن “الصغار” نتحلق من حولهم، مُصرّين على سرقة ما أمكن من المعلومات والتفاصيل عن هذه “العزارة”، وكيف تبدو وما معناها. وعندما انذهل معظم المحيطين بي من...