في أعقاب الكتاب المفقود

 علاء حليحل قصة الكتاب العربي المذهلة داخل إسرائيل، بدءًا بالنكبة وحتى اليوم: من طبع، من أصدر، من باع، من اشترى، وخاصة، من انضم إلى قافلة إسرائيلية عسكرية في لبنان ليبثّ بشارة الكتاب العربي من لبنان، في ساحة “بيت الكرمة” في حيفا؟! بدأ صالح عباسي، صاحب ومؤسس مكتبة “كل شيء” في حيفا، حديثه، بالتفاخر بأنّ نسبة القراء الأعلى في العالم العربي قبل النكبة في 1948 كانت في فلسطين. “هذه معطيات اليونسكو”، شدد عباسي، منعًا للالتباس. ولكن هذا التفاخر اختفى عندما انتقل الحديث عن الوضع اليوم. فقد قطع عباسي شوطًا طويلاً منذ أن بدأ بالاتجار بالكتب في العام 1968، وبعد ذلك بنشرها؛ وهو الشوط الذي يلخّص قسمًا بالغًا من تأريخ الكتاب العربي في داخل إسرائيل- الكتاب المحلي والمستورد. وعلى الرغم من الوضع المزري والمتدني الذي يعاني منه الكتاب العربي في الداخل، كتحصيل حاصل لوضع القراء العرب والوضع العام، إلا أن هذه النتيجة لم تكن أبدًا “تسجيلات لموت معلن”. على العكس تمامًا؛ فربما تكون هذه تسجيلات لازدهار معلن سلفًا. فقد كانت البداية واعدةً جدًا، وكان التعطش كبيرًا والتدفق من جانب القراء غزيرًا نحو مراكز بيع الكتب والمكتبات. وقد التهم القراء العرب الكتب بنهمٍ وعوّضوا بذلك عن القطيعة والوحدة في دولة اليهود الفتية، اللتين ألمّتا بهم جراء النكبة. ولكن، وبكثير من المفارقة، كانت إسرائيل هي التي خلقت بأيديها هذا التشوق لكل ما هو مطبوع بالعربية، وهي التي ستحدو بالعرب في الدولة، في نهاية المطاف، إلى هجر هذا التشوق والتنكر لمصدر المعرفة والثقافة الأساس والمتفرد- الكتاب. هذا ما يعتقده على الأقل الناقد والباحث الأدبي والثقافي أنطوان شلحت. واليوم، لم يتبقَ من تلك الأزمان إلا نوستالجيا دافئة وحميمة ومؤلمة، تنعكس في حجم المبيعات المضحك (المبكي) وبجمهور قراء آخذ في الانقراض، وفي مجال تجاري يتحول شيئًا...

من الداخل، مع المحبة

علاء حليحل 20 حزيران 2002 المذياع ينقل النقاشات الحادة بين الساسة ورجال الجيش حول الحل. الحل مطلوب سريعًا، والآن. يجب أن ندخل ونسحقهم. يجب أن نبني جدارًا شائكًا لا تدخل منه النملة. يجب قتل عرفات أو ترحيله. ومن سيأتي بعده؟ المحلل العسكري في جريدة “الناس الذين يفكرون” يقول إن عرفات اليوم ليس أكثر من رمز وإن من يحكم الشارع الفلسطيني هو “العصابات”- ومن هنا تنبع صعوبة الموقف. من هنا ينبع عجز إسرائيل الجبارة عن كسر شوكتهم، هؤلاء الفلسطينيون. زياد أبو زياد يتحدث للمذيع العربي في راديو “الشاطئ” عن البيان الموقع الذي نشر في الجريدة ويدعو الى وقف العمليات التفجيرية- الاستشهادية- الانتحارية- الفدائية- العسكرية- النوعية… هل هناك فجوة بين الطبقة المثقفة وبين الشعب في فلسطين؟ أبو زياد يوافق ولكن يتحفظ. وأنا أتحفظ وأحاول ألا أوافق مع أحد. هكذا أضمن. لا توافق ولا تعارض. كن على الجدار وأطللْ على ما تريد. فربما يحصل في النهاية ما تريد. أمنون دانكنر، رئيس تحرير “معريف”، ينبح في الاذاعة العبرية بضرورة تربية الفلسطينيين. فنحن أكثر أخلاقية منهم. وعلينا أن نربيهم كمجتمع لأنهم انتحاريين. وفي المرة القادمة التي سندخل الى مخيماتهم ومدنهم علينا أن نضحي بجنودنا لأننا لن نرضى بممارسات غير أخلاقية مثلهم. فنحن لسنا هم. جريدة “الحياة” وحدها نشرت صورة المعتقلين الفلسطينيين في جنين أمس، بينما نشرت باقي الصحف العربية صور العملية الـ (إملأوا الفراغ) في القدس مساء أمس. طرفا هذه المعضلة في صورتين موجزتين. موجز للأنباء: مقتل ضابط وجندي إسرائيليين في قلقيلية. لا يهم. لماذا الحاجة الى موجز؟ ألا يستطيعون الانتظار الى نشرة الأخبار العادية؟ ما المثير في مقتل محتليْن مدججيْن بالسلاح؟ لماذا لا يخرجون الى موجز للأنباء للتحدث عن الألف ونيّف من المعتقلين الفلسطينيين في اليومين الأخيرين؟ من يذكرهم؟ (من يُضرب عن التدخين...

هذا الصيف الحقير!

علاء حليحل في مثل هذه الأيام، أكاد، ودون إرادةٍ وتصميمٍ حقيقييْن مني، أن أرزم حقيبة سفري وأن أعود الى قريتي الجبلية الوادعة الهادئة حتى الملل المُشل. كل ذلك بسبب الصيف. هذا الصيف الرطب، الكريه، البغيض، الدنيء، الحقير، البليد، الدبق، الهُلامي، الغضروفي، الانتهازي، النفعيّ، المتسلق، المتساقط، المتذبذب، المتزبزب، المارق، الداعر، الفاسق، العربيد، العميل، المتعاون، اللحدي، الكتائبي، الصهيوني، المرتشي، السخيف، الغبي- وأكثر من كل ذلك: الكلب!! أنا أكره صيف حيفا. وفي لحظات الانكسار تتحول كراهية الصيف الى حيفا نفسها؛ حيفا التي أحبها وتحبّني حتى النخاع، حتى أن الحب بيننا انتقل الى أغراضنا المشتركة والى أصدقائنا المشتركين والى البهائم التي تدب في شوارعها أيضًا، كقول الشاعر: وأحبُها وتُحبُني ويُحبُ ناقتَها بعيري ولولا الحياء لأعلنت قطع علاقتي مع حيفا، سيدة العشق والهيام، وكاشفة نهديها المكتنزين في شارع “أبي النواس” القهوجي. ولكن ما يمنعني من القيام بهذه الخطوة المصيرية هو شتاء حيفا الرائع، ولكن لهذا باب آخر. وأتمنى في هذا الموضع الحياة الزاخرة للجريدة الفتية التي تحتوي مقالي الآن بدفءٍ وحرارةٍ شبقيْن، لتتسنى لي الكتابة عن شتاء حيفا الرائع مستقبلاً. والى بعض الانكسارات: العرق: دلت إحصائية رسمية أخيرة، أجريتُها وأنا متبطح على الكنبة قبل يومين، مقابل الهوّاية التي تطن أكثر مما تُهوّي، على أن عدد القتلى من ضحايا رائحة العرق في الصيف يضاهي عدد القتلى في حوادث الطرق، أو ينيف قليلاً. واكتشفت في هذه الاحصائية الجذرية أن قتلى العرق الصيفي لا يلتكش لهم أحد، ولا يُوثقون في سجلات الدولة الرسمية، باعتبار أن السلطات لم تنتبه الى السبب الحقيقي حتى الآن. أمثلة: من يسوق السيارة ولا يستعمل السبيد ستيك، أو مزيل رائحة العرق، تفوح رائحة إبطيه في السيارة المكيفة فيتفاعل ثاني أكسيد العرق مع هايدروكربونات النتانة، فينتج عن التفاعل غاز الابطين المنوّم الذي يشتت عقل...

ماذا قال المهدي؟..

عن مسرحية “لا لم يمت” وأشياء أخرى… علاء حليحل مسرحية “لا لم يمت” هي مسرحية عن التاريخ. والتاريخ في هذه المسرحية يرويه المنهزم، وليس المنتصر (حاليًا). تاريخ الفلسطيني الذي ينتظر المهدي ويرفض التصديق أن المهدي هو نحن معًا، وكل على حدة. في هذا الزمن الرديء يبدو انتظار المهدي كانتظار غودو، كانتظار المطر في عز الصيف. د. حسين برغوثي، مؤلف المسرحية، لم يسعفه الحظ في التيقن بنفسه من قدوم المهدي المنتظر. في الغرفة الباردة الخضراء، التي كان ينتظر فيها النهاية الحتمية، في مستشفى رام الله، كان حسين يرغب في الجلوس على الكرسي. ملّ السرير الذي ربما ناء بحمله، في أيام العجز والاحتلال الأخيرة. لم يكن باديًا عليه أنه ينتظر المهدي. المهدي، ذلك الدواء العجيب من لبنان الذي كان عليه أن يمر عبر بيروت وعمان، عاصمتي الدماء والجلاء، ليصل الى الجسر ثم الى رام الله المحاصرة. وربما، كان المفروض أن يؤجل انتشار المرض الخبيث. المهدي لم يصل وحسين توفى ورام الله لم تستيقظ الى أي صباح جديد. عندما رأيت المسرحية في الناصرة قبل ثلاثة أشهر. لم يكن شيء على أرض الواقع يبشر بما سيحدث: بالاجتياح وبموت حسين البرغوثي. على الأقل، لمن لم يكن متعمقًا في الأمرين. الآن، وبعد كل ما حدث، تبدو هذه المسرحية واقعية أكثر بكثير مما كانت عليه عند مشاهدتها للمرة الأولى. واقعية، على الرغم من التخيل الدراماتيكي فيها وعلى الرغم من الترميز واعتماد الأساطير والروايات الضبابية غير المسندة. في صلب هذا العمل يختبئ سر قوتها: أنها غير ملزمة في الحيثيات الزمانية أو المكانية. وحتى لو تحقق الحلم الفلسطيني بعد عمر طويل، فان “لا لم يمت” ستبقى خير مرافق للمسيرة القادمة، والتي تليها ايضًا. *** “لا لم يمت” هي مسرحية أنيقة. من الصعب جدًا كتابة مسرحية أنيقة ورشيقة، خاصةً...

“المكانُ الشّيءُ إن دلّ عليّ”

علاء حليحل “هكذا أنا، هكذا بالضبط، خاصةً عندما تختلط الأمور عندي، أبدأ بالحديث عن شيء ما، أستعين ببعض القصص لأشرح الفكرة، تختلط الأشياء أمامي، فأجد نفسي في مكان آخر، وتضيع الفكرة. أبدأ بالحديث عنها وعن علاقة القصص بها فتختلط الأمور أكثر، وهكذا الى أن أفقد الصلة تمامًا مع بدايات الحديث ومع أسباب سرد القصص، “على المرء أن يراوغ نفسه أحيانًا” أقول لنفسي”. بهذه الفقرة القصيرة، مع بعض الزيادات غير الضرورية جدًا، يمكن تلخيص شكل الرواية التي تحاول هذه السطور بقلم الكاتب نفسه، الإطلال عليها، في أيجاز يود أن يكون بليغًا. وينجح. “عند حضور المكان”، رواية جمال ضاهر الأولى، غامضةٌ غموض الأفكار، واضحةً وضوح النوايا. “عند حضور المكان” هي محاولة لرسم المكان من خلال الزمن، ومن خلال أمور أخرى تتعلّق بالزمن: الأولاد، الأحفاد، الجدة، الأم، الشباب، الشيخوخة، العجز والقوة، الجنس والشهوة، الرغبة في الفهم بعد عمر طويل. حدود المكان المنشود، حضوره وطغيانه، تمنعّه وتسربه من بين حزمات الأفكار المتتالية أبدًا، تنكشف على طول الرواية، في انسياب يكاد يكون غير مرئي، شفافًا لا يحتاج لنقاطٍ وفواصلَ أو لمقدمات وتعريفات. الأبطال (وربما هو بطل واحد في النّهاية) لا تحتاج الى تعريف أو سيرة ذاتية أو حتى لأسماء. جمال ضاهر استطاع أن يرقى بالتجريدية في اللغة الى مستوى آخر من الاتقان، يجعل العام والهلامي أخ الخاص والمـُعرَّف. المكان في هذه الرواية هو آخر ما يشغل الكاتب، في ظاهر الأمر، وأكثر ما يُشغله في باطنه. ولكنه -أي المكان- الفكرة المتشكلة على هامش كل ورقة من الرواية: المكان يحضر في الأشخاص، في الأفكار، في الأفعال وفي القصص. على الأخص في القصص. هذا “الجانر” الشّعبي الذي يجعل العام خاصًا لكل طفل ولكل بالغ، ويجعل الخاص عامًا لكل راوية وراوٍ: “أريد لأيامي أن تمتلئ أحداثًا”؛ “مرور الوقت...

مماطلة وزارة الداخلية وضيق الوقت يمنعان حليحل من زيارة بيروت!

حليحل وشبلي يشاركان في فعاليات مهرجان “فري ذه وورد” في لندن ويمثلان مهرجان “بيروت 39” * صدور أنتولوجيا الكتاب الـ 39 بالعربية والإنجليزية وتوقيعها في لندن * نشاطات أدبية وإعلامية بارزة للإثنين في الأيام الأخيرة علم موقع “العرب” صباح اليوم الأحد أنّ مشاركة الكاتب علاء حليحل في مهرجان “بيروت 39” في العاصمة اللبنانية، قد تعذرت ولن تتحقق نهائيًا، وذلك لعدم استكمال معاملات استصدار تأشيرة دخوله إلى بيروت، للمشاركة في فعاليات المهرجان، فيما يواصل حليحل مشاركته في مهرجان “فري ذه وورد” (أطلقوا سراح الكلمة) ومعرض لندن الدولي للكتاب في العاصمة البريطانية. وقال مدير مهرجان “هاي فستيفال”، بيتر فلورنس: “منذ تلقينا قرار العليا الإسرائيلية يوم الثلاثاء، كانت لدينا ساعات قليلة لتفعيل الضغط على الحكومة اللبنانية لتجاوز المنع القانوني المضروب على زيارة حاملي جوازات السفر الإسرائيلية إلى لبنان. ولكن مثل هذه العملية كانت ستستغرق أشهرًا في المسار العادي، تمامًا كما حصل في إسرائيل. وعندما اعتقدنا أننا أحرزنا تقدمًا ما، جاء بركان أيسلنده ليلغي جميع الرحلات المخططة وليسخر من جميع القيود السياسية. علاء حليحل واحد من كتاب “بيروت 39″ بغضّ النظر عن مكان تواجده، وكتاباته عابرة لجميع الحدود. نحن نتطلع قدمًا للعمل معه ومع زملائه الكتاب في جميع المهرجانات التي ننظمها حول العالم في خلال السنوات العشر القادمة”. وكانت المؤسسة الإسرائيلية، ممثلة بوزير الداخلية إيلي يشاي، قد تجاهلت توجهات حليحل المتكررة طيلة الأشهر الأخيرة بالحصول على ردّ حول نيته التوجه إلى بيروت. ولم يصل ردّ الداخلية الرافض للزيارة إلا في 11 نيسان الجاري، قبل انعقاد جلسة العليا بيوم واحد. وقد انعقدت جلسة العليا للنظر في الموضوع في 12 نيسان، أي قبل يومين من بدء المهرجان، فيما صدر أمر السماح بالسفر في 13 نيسان، أي قبل يوم واحد فقط من بدء المهرجان! وقد أدت...