حدّثني الرفيق رائف فقال: الفارق الأساسيّ بين العنف المبرَّر، الذي يمكن فهمه أحيانًا أو نقاشه، وبين الشرّ الخالص، هو الغاية من ممارسة العنف. فإذا كنت ستقتل رجلًا لمنعه من اغتصاب امرأة، أو كنت ستخوض معركة شرسة للدفاع عن أولادك، فهذا عنف يمكن تفهمه ونقاشه حتى مع السلاميّين. أمّا القتل من أجل المتعة، والقتل غير المبرّر، كقتل أسير حرب غير مسلح، أو أحراق قرية بأكملها لتهيئة مكان لجنود للعب كرة القدم- كلها تمثّل ما اصطلح على تسمية بالشرّ.

لا أعرف إذا كان العميد في الحرس الجمهوري الأسديّ، عصام زهر الدين، الذي قُتل الأربعاء الماضي، قد امتهن القتل من أجل متعته الخاصّة، أم أنّه كان يقاتل من أجل قناعة لديه بأنه يحمي بلده، ولكنّني أعرف أنّه كان يحبّ التقاط الصور له بجانب أشلاء الجثث. لن أخوض في نقاش المع والضدّ بخصوص مقاتلي نظام الأسد وحلفائه الأجانب المرتزقة، لأنّ ما يعنيني عادة (ككاتب) في مثل هؤلاء الناس: متى بالضبط ينتقل المرء من كونه جنديًا مقاتلًا لغاية أو هدف، إلى روبوت غريب لا يكتفي بتنفيذ الأوامر، بل يبدأ بالتلذّذ بها.

أصناف زهر الدين منتشرة في كل مكان، بين أوساط مقاتلي الأسد وبين معارضيه، في منطقتنا وفي مناطق أخرى. ولو صحّت التقديرات بأنّ الأسد نفسه هو من صفّى زهر الدين لاعتبارات سورية داخليّة، فإنّ هذا الروبوت يضحي مسألة مركّبة، فيها عنصر مأساويّ بشخصه هو أيضًا. تبلُّد الأحاسيس وقتل الفطرة البشرية في داخلك يجعلان منك رجلا حديديًا يضرب بالنار والرصاص بلا رحمة، لكن هل هناك خط أحمر في هذا التبلّد عليك ألّا تتجاوزه؟ كأن تبدأ بالتحوّل إلى نموذج مقاتل يهدد أخ الرئيس، أو يعيق تقدمًا دبلوماسيًّا في أوروبا؟

أخال دائمًا أنّ الحروب الأهليّة تدمّر النفس البشريّة أكثر بكثير من حروب الغرباء. أنتَ بحاجة لكميات كبيرة من الحقد والخوف والرغبة بإذلال الآخر لترفع بندقيّة في وجه ابن بلدك. الحروب الأهليّة هي التربة الأكثر خصوبة لنموّ أشخاص مثل زهر الدين وغيره، وهي الديكور الأمثل لالتقاط الصور مع الجثث.  

(لتدوينات الـ “300 كلمة” السابقة)

 

 

Related Posts

  • 33
    يصف كراجة الصعوبات في السجن أمام سماع الموسيقى: سطوة الأوقات والسجانين؛ تخلق المسجلات والراديوهات الموجودة؛ الديسكات السيئة؛ مراعاة نوم ويقظة الآخرين في الزنازين المزدحمة. "مدافن الأحياء" كما يصفها في رسالته. لو كنا في فيلم لكانت أغنية "هدير البوسطة" التي تلعب الآن في "فتوش"، ودحدوح بجانبي، ستنقلنا بلحظة إلى معتقل عوفر،…
    Tags: إلى, إذا, متى, كلمة, قتل, هل, يحبّ, لتدوينات, الـ, السابقة
  • 33
    من أكثر الأمور إزعاجًا، عند تبادل السّجالات والنقاشات، مع رفاق "الجبهة" و"الحزب الشيوعي"، هو ضرورة احتمال التزمّت الديني-الغيبي الذي يركبهم، رغم قناعتهم بأنهم علمانيون. فبالنسبة لهم، الحقيقة تطل من كتيّبات مؤتمراتهم وصحفهم، ولا مجال لأيّ نقد، خصوصًا ضدّ من نصّبوهم أنبياء العصر الجديد، بعد موت لينين وماركس. فكل من تسوّل…
    Tags: أو, أنّ, حليحل, علاء, ثقافة, الدين
  • 33
    من أكثر الألغاز المستعصية عليّ حتّى اليوم، ذلك اللّغز المحيّر الصّادم الّذي لم أعثر على جواب له حتّى الآن: كيف نكون كآساد الشّرى في وجه الشّرطة والشّاباك واليسّام، ونكون نعاجًا تافهة أمام مُحتكري الدين والمنظومة الدّينيّة الشّعبيّة والطّائفيّة؟
    Tags: أو, وجه, أنّ, دائمًا, مثل, إلى, حليحل, علاء, سياسة, ثقافة
  • 32
    تكمن أهمية «التجمع»، السياسية والثقافية والاجتماعية، في نظري الشخصي، وهذه المقالة هي رأي شخصي وليس رأي الصحيفة، في أنه حزب المواقف، أكثر من كونه حزبًا شعبيًا كاسحًا، يحصد الأصوات، كإنجاز أساسي ورئيسي يضعه نصب أعينه. وكونه كذلك، فإنّ «التجمع» ثبّت منذ إقامته خطًا فكريًا وسياسيًا تحوَّل إلى حجر الزاوية في…
    Tags: أنّ, إلى, أكثر, أو, حليحل, علاء, سياسة, ثقافة
  • 31
    فالشباب من الاسرائيليين يحجّون أكثر من مرة في السنة (وهناك المدمنون الثقيلون الذين يعودون لزيارات متفرقة إلى البلاد، أحيانًا)، للاصطياف والتبطح على ساحل البحر الأحمر، وتدخين خيرات الأرض الخضراء، ونسيان الخدمة في المناطق الفلسطينية المحتلة، والشاب الذي ضربوه على الحاجز، والشيخ الذي ضحكوا عليه وهو يحاول القفز من على باطون…
    Tags: إلى, أو, أكثر, أنّ, علاء, حليحل, سياسة, ثقافة