من غرائب القضايا التي قرأتُ عنها أخيرًا: الجيش الأمريكيّ يدّعي ملكيته على رسومات رسمها معتقلون في معسكر غوانتانمو! ففي أكتوبر المنصرم أجري في نيويورك معرض لرسمات أنجزها معتقلون حاليون وسابقون في غوانتانمو؛ 30 لوحة عُرضت ضمن “مَغناة للبحر: فن من خليج غوانتنامو” في كلية جون جيه للعدالة الجنائيّة. في أعقاب هذا المعرض أعلن الجيش الأمريكيّ أنّه يمنع إخراج أيّ عمل فنيّ من المعتقل، مُدّعيًا أنّ هذه الأعمال مُلك للحكومة الأمريكيّة.

وقال أحد القيّمين على المعرض إنّ الغاية من ورائه إظهار إنسانيّة المعتقلين المنسيّين هناك، فيما رأت السلطات الأمريكيّة بالأمر خطرًا محدقًا. وكانت هذه الأعمال المعروضة قد أُخرجت من المعتقل بعد إذن خاص من الرئيس الأمريكي السابق أوباما. وقال أحد المحامين إنّ الأمر عُرف بعد منع إخراج اللوحات الذي كان ممكنًا حتى قبل فترة وجيزة، وأنّه علم بأنّ إدارة السجن تخطّط لحرق رسومات المعتقلين لديها، فيما قال محامٍ آخر إنّ إدارة السجن ستفرض قيودًا على عدد الرسمات المسموح إنجازها لكلّ معتقل، في الوقت الذي أكّدت فيه ناطقة عسكريّة أمر المنع وقالت إنّ هذا نابع عن تغيُر في السياسة المتبعة.

وتسوّغ وزارة الدفاع الأمريكيّة سيطرتها على هذه الأعمال الفنيّة بأنّها تُنتج في سياق دورات للرسم في المعتقل (بدأت عام 2009)، ولذلك فإنّ أيّ معتقل لم يُفرَج عنه لا يملك الحقّ ببيع أو عرض رسوماته، على عكس أولئك الذين أطلِق سراحهم. وبهذا، تتضح المفارقة الكبرى: يمكن للأسرى المحرّرين أن يبيعوا رسوماتهم التي رسموها في معتقل غوانتانمو، لكن لا يمكن أن يطالبوا باستعادة كرامتهم والسنين التي قضوها تحت التعذيب والعزل من دون محاكمة شفافة ونزيهة.

في كُتيّب المعرض كتب عمّار البالوشي، الذي ما زال معتقلًا: “أعتقد أنّ الفنّ وسيلة لمحاولة التعبير عن الألم (الجسديّ والذهنيّ) المتأتّي عن الخضوع للتعذيب لأكثر من 14 عامًا”. وكتب جميل أميزيان الذي أطلق سراحه عام 2013: “مثّل العمل الفنيّ شكلًا من التعبير أثناء فترة الاعتقال: التعبير عن مشاعري المتعلقة بالمستقبل الغامض؛ عن الأمور التي حُرمنا منها والأمور التي حلمتُ بها”.

(لتدوينات الـ “300 كلمة” السابقة)

Related Posts

  • 47
    الشخصيات التي رسمها أسد عزي في معرض "وجوه من بلدي" هي شخصيات من أهل شفاعمرو، ومن خارجها، من مختلف مجالات الحياة، والانفعال في القاعة كان كبيرًا لأنّ غالبية الحضور كان يبحثون عن بورتريه "قريبهم"، أو يتصوّرون بجانبه. اتصال مباشر وحميميّ بين الفن التشكيليّ وبين مستهلكيه. بورتريهات لأشخاص يبني أسد من…
    Tags: أو, أن, رسمها, المعرض, الفنّ, كلمة, معرض, فن, تشكيلي, حليحل
  • 37
    من أكثر الألغاز المستعصية عليّ حتّى اليوم، ذلك اللّغز المحيّر الصّادم الّذي لم أعثر على جواب له حتّى الآن: كيف نكون كآساد الشّرى في وجه الشّرطة والشّاباك واليسّام، ونكون نعاجًا تافهة أمام مُحتكري الدين والمنظومة الدّينيّة الشّعبيّة والطّائفيّة؟
    Tags: أو, أن, أنّ, أيّ, حليحل, علاء, سياسة, ثقافة
  • 36
    تكمن أهمية «التجمع»، السياسية والثقافية والاجتماعية، في نظري الشخصي، وهذه المقالة هي رأي شخصي وليس رأي الصحيفة، في أنه حزب المواقف، أكثر من كونه حزبًا شعبيًا كاسحًا، يحصد الأصوات، كإنجاز أساسي ورئيسي يضعه نصب أعينه. وكونه كذلك، فإنّ «التجمع» ثبّت منذ إقامته خطًا فكريًا وسياسيًا تحوَّل إلى حجر الزاوية في…
    Tags: أنّ, أن, أو, حليحل, علاء, سياسة, ثقافة
  • 36
    في موقعها تشير الأمم المتحدة إلى وجود 145 يومًا دوليًا في شتى المواضيع، ومن يملك الوقت الكافي للاحتفال باليوم العالمي للبريد واليوم العالمي للجبال؟ وكيف يمكن الاحتفال باليوم العالمي للبريد؟ أن نبعث رسائل حبّ للغزال المرسوم على السيارات الحمراء؟ يبدو من معاينة هذه القائمة المرتبة حسب الشهور أنّ الكثير من…
    Tags: أنّ, أن, حليحل, علاء, سياسة, ثقافة
  • 36
    لا بدّ أن يأتي باحث يومًا ما ويثبت الفرضيّة التي أفكّر بها مؤخرًا: كلما تطوّر العلم وزاد عمر الإنسان سنينًا، خفّت حماسته ورغبته بالعيش بالطول والعرض. في السّابق كان معدّل عمر الإنسان أقصرَ بكثير: 25-30 في العصور الوسطى، 30-40 مطلع القرن العشرين، وليرتفع في أيامنا إلى 66 عامًا كمعدّل عالميّ،…
    Tags: أن, عامًا, علاء, حليحل, ثقافة, كلمة