منذ أن حملتُ الكتاب الأول الثخين عن الفنّ المعاصر في مكتبة جامعة حيفا عام 1994، وأسد عزّي من الفنانين التشكيليّين المفضّلين عندي على الإطلاق. مخزون أعماله الكبير متنوّع ويدلّ على مشروع دائم التطوّر والبحث؛ قدراته الفريدة والنادرة في “الرسم التخطيطيّ” (Drawing) من جهة، وحساسيته الكبيرة وبالغة الحدّة في الرسم بالألوان (painting) أيضًا. بخط واحد، شبه متصل، يستطيع أن يرسم شخصيّة على الورق أو القماش، بلون واحد رئيس، أو بعدّة ألوان، بقدرات تقنيّة عالية يسيطر من خلالها على كلّ التقنيات والوسائط: أقلام رصاص، أكريليك، حبر، زيت، قطع أقمشة… أسد عزّي فنان نادر على كلّ المستويات.

في حفل افتتاح معرض رسوماته، “وجوه من بلدي”، مساء السبت الماضي، غصّ بالدموع وهو يلقي كلمته الترحيبيّة في صالة المركز الجماهيري (الثقافي) في بلدته شفاعمرو. عزي غادر شفاعمرو عام 1955 وهي المرة الأولى في حياته التي يقيم فيها معرضًا في بلدته، بين ناسه وأهله. أعتقد أنّ لا شيء يمكن أن ينافس مثل هذا الشعور، خصوصًا في الفنّ التشكيليّ. فالمسرح والسينما والأدب حاضرة أكثر بكثير من الفنّ التشكيليّ في النشاطات الجارية في بلداتنا وقرانا، ولذلك يظلّ المعرض الفنيّ أمرًا استثنائيًّا من ناحية ندرته ومقولته الخاصّة في المشهد الثقافيّ الريفيّ. كأنّ الفنان يعلن عودته إلى مسقط رأسه بعد عشرات السنين في “المنفى” الضروريّ واللازم لأيّ مسيرة إبداع.

يحبّ أسد كثيرًا أن يقسّم مساحة القماش أو الورق إلى قسميْن عاموديّيْن، وهذا ما فعله في سلسلة البورتريهات التي أنجزها لهذا المعرض. نصف المساحة للبورتريه والنصف الآخر لأسد الفنان، يرسم عليه ما يراه مناسبًا من الناحية البصريّة للبورتريه. ما يشبه المقولة البصريّة والمجتمعيّة والسياسيّة التي ترتبط في ذهن الفنان بخصوص الشخصيّة التي رسمها.

الشخصيات التي رسمها أسد في المعرض شخصيات من أهل شفاعمرو، ومن خارجها، من مختلف مجالات الحياة، والانفعال في القاعة كان كبيرًا لأنّ غالبية الحضور كان يبحثون عن بورتريه “قريبهم”، أو يتصوّرون بجانبه. اتصال مباشر وحميميّ بين الفن التشكيليّ وبين مستهلكيه. بورتريهات لأشخاص يبني أسد من خلالهم بورتريه كبيرًا له.

(لتدوينات الـ “300 كلمة” السابقة)

Related Posts

  • 47
    من غرائب القضايا التي قرأتُ عنها أخيرًا: الجيش الأمريكيّ يدّعي ملكيته على رسومات رسمها معتقلون في معسكر غوانتانمو! ففي أكتوبر المنصرم أجري في نيويورك معرض لرسمات أنجزها معتقلون حاليون وسابقون في غوانتانمو؛ 30 لوحة عُرضت ضمن "مَغناة للبحر: فن من خليج غوانتنامو" في كلية جون جيه للعدالة الجنائيّة. في أعقاب…
    Tags: المعرض, أن, رسمها, كلمة, فن, معرض, الفنّ, أو, تشكيلي, حليحل
  • 44
    في موقعها تشير الأمم المتحدة إلى وجود 145 يومًا دوليًا في شتى المواضيع، ومن يملك الوقت الكافي للاحتفال باليوم العالمي للبريد واليوم العالمي للجبال؟ وكيف يمكن الاحتفال باليوم العالمي للبريد؟ أن نبعث رسائل حبّ للغزال المرسوم على السيارات الحمراء؟ يبدو من معاينة هذه القائمة المرتبة حسب الشهور أنّ الكثير من…
    Tags: إلى, أن, حليحل, مجتمع, علاء, سياسة, ثقافة
  • 44
    تكمن أهمية «التجمع»، السياسية والثقافية والاجتماعية، في نظري الشخصي، وهذه المقالة هي رأي شخصي وليس رأي الصحيفة، في أنه حزب المواقف، أكثر من كونه حزبًا شعبيًا كاسحًا، يحصد الأصوات، كإنجاز أساسي ورئيسي يضعه نصب أعينه. وكونه كذلك، فإنّ «التجمع» ثبّت منذ إقامته خطًا فكريًا وسياسيًا تحوَّل إلى حجر الزاوية في…
    Tags: إلى, أن, أو, حليحل, مجتمع, علاء, سياسة, ثقافة
  • 40
    لا بدّ أن يأتي باحث يومًا ما ويثبت الفرضيّة التي أفكّر بها مؤخرًا: كلما تطوّر العلم وزاد عمر الإنسان سنينًا، خفّت حماسته ورغبته بالعيش بالطول والعرض. في السّابق كان معدّل عمر الإنسان أقصرَ بكثير: 25-30 في العصور الوسطى، 30-40 مطلع القرن العشرين، وليرتفع في أيامنا إلى 66 عامًا كمعدّل عالميّ،…
    Tags: أن, علاء, حليحل, ثقافة, كلمة, الحياة
  • 37
    "مرحبا. أنا أسجلكم هذا الفيديو اليوم لإنه ممكن يكون آخر فيديو بحياتي. وبرضو عشان تتأكدوا إنه أنا حقيقية وموجودة... حاليا أنا موجودة، لكن بعدين ما أعرف أيش ممكن يصير. وإذا انتشر هذا الفيديو وأشياء تانية تأكدوا إنه صار لي شي. والدي محمد الجعيد هوا المسؤول عن معاناتي... وبعدين عنفني جسديًا...…
    Tags: أو, حليحل, مجتمع, علاء, سياسة, ثقافة