إميلي نوثومب كاتبة بلجيكيّة تكتب بالفرنسيّة، وقد انتهيت للتوّ من قراءة الترجمة العبريّة لروايتها القصيرة The Stranger Next Door، وبالفرنسيّة Les Catilinaires. قبل شهر أو أقل لم أكن قد سمعت بها من قبل، ولولا أفضال الرفيق خليل ناصيف في تشات أدبي فيسبوكيّ، لما كنت سأكتشفها- في هذه المرحلة على الأقلّ.

الرواية تتمحور في رجل وزوجته، خرجا إلى التقاعد واشتريا بيتًا قصيًّا نائيًا يخططان لقضاء ما تبقى لهما من أيام فيه، في عزلة حلما بها كلّ حياتيهما. عندما يتعرفان بجارهم الطبيب، تبدأ التداعيات المتتالية، بين زيارات دقيقة يقوم بها كلّ عصر، وصمته شبه المطبق، مرورًا بزوجته الغريبة وانتهاءً بنهاية مفاجئة مع أنها متوقعة (لن أسرد تفاصيل أكثر لمن يرغب بقراءتها).

نوثومب من الكتاب الذين يسيطرون سيطرة تامّة على حرفة الكتابة، يتلاعبون بالنصّ والقارئ، يتقنون السَّرد الذي يبدو مسالمًا ظاهريًا وهو يخفي تحته مضامين وصراعات بشريّة معقدة وثاقبة، عنّا كبشر. كتابتها شيقة، وسردها رشيق ومتقن، حتى في لحظات البطء والصمت والحيرة والتفكير، وهي المطبات التي يقع فيها الكتاب عادةً فينغمسون في التحليل والتشعبات والتداعيات وينسون دفع القصة قدمًا.

كتابها الأول الذي ثبّتها كروائيّة متميّزة ومثيرة (الذي بدأت قراءته أمس، وسأكتب عنه لاحقًا)، عبارة عن حوارات صحفية بين مراسلين ثقافيين وبين أديب حائز على النوبل يقضي أيامه الأخيرة بعد أن أصيب بالسرطان. يبدو لي أنّ نوثومب لم تبدأ صدفة بهذه الرواية: فمفهوم الكتابة والأدب والحديث عنهما- كلها مسائل تقلق الروائيّين الحقيقيّين الذين يدركون أنّ الكشف عن مركّبات الدي أن أيه الروائيّة أمر شبه مستحيل، ولذلك فإنّهم يقضون أعمارهم في الكتابة من منظور التساؤل والبحث: بحث في تفاصيل الرواية العينيّة، وبحث في مفهوم الكتابة الأدبيّة.

نوثومب تكتب بأسلوب ساخر ومخاتل جدًا، يجاور الفظاظة وهو بلا شكّ يثير حفيظة المعتادين على اللطافة أو الكياسة السياسيّة. تختار الكلمات الصادمة لتضعها على ألسن شخصيّاتها، وهي بهذا تؤدّي –بإخلاصٍ وتفانٍ- مهمة “الصدمة والدهشة”، التي على كلّ فعل إبداعيّ أن يحققها. نوثومب اكتشاف رائع ومثير للغاية. شكرًا رفيق خليل.  

(لتدوينات الـ “300 كلمة” السابقة)

Related Posts

  • 56
    تهادتِ الحافلةُ الحافلةُ بالركّاب وهي تتوقفُ عند المحطة القادمة، من دون أن يعرفَ كيف سيدخل كلُّ هذا الجمع الواقفِ عند المحطة، إلى هذه الحافلةِ الحافلةِ بالركابِ. أزاح رأسه صوبَ الشباك، ونظر صوب الجمع الواقف عند المحطة القادمة وتساءل عما إذا كان السائق سيتوقف وسيفتح البابَ لهم، رغم الاكتظاظ الكبير. ثم…
    Tags: أن, أو, قصيرة, حليحل, علاء, ثقافة, أدب
  • 52
    عليه أن يقترب عدة خطوات فقط ليطعنه في قفصه الصدريّ، ناحية اليسار بإصبعيْن، كما قالوا له. بإصبعين لا أكثر ولا أقلّ وعندها سيموت فورًا. سيطعنه كما علّموه في الرّزداق قرب حيفا أمس، حيث أعطوه هذه السّكين الكبيرة، الفرنساوية، وقالوا له: هذه مُميتة. هذه ستقتل أكبر ثور
    Tags: أن, أنّ, حليحل, أدب, علاء, رواية, ثقافة
  • 51
    يرى أنّ الصحافة والأدب يكمّلان بعضهما البعض، رغم أنهما يتضاربان في بعض الأحيان. ويعتبر في لقاء مع "أشرعة" أن الصحافة تبحث عن النص الصريح والمكشوف والفوري والأدب يتطلب نصًا خبيئًا (سَبْتكست) لا يخاف التورية والغموض والالتفاف على التفاصيل أحيانًا". وحول تطرّقه إلى مسألة الهوية الفلسطينية في أراضي 48 في رواية…
    Tags: أو, أن, أنّ, القصة, رواية, حليحل, علاء, ثقافة, أدب
  • 51
    يوسا روائي رائع وكبير. فصاحب "حفلة "التيس" غاص في عالم كيسمنت وخرج برواية ضخمة (نحو 560 صفحة) توزّعت على ثلاثة محاور: الكونغو، البيرو، أيرلندة
    Tags: الرواية, تفاصيل, رواية, علاء, حليحل, ثقافة, أدب
  • 51
    وفي مسابقة القصة القصيرة حصل صاحب قصة "زيارة متوقعة" على الجائزة الأولى، فيما تقاسم علاء حليحل (فلسطين)، وليد معماري (سورية) وماري طوق (لبنان) الجائزتين الثانية والثالثة معًا، حيث سيحصل كلٌ منهم على 500 دولار أمريكي. وستقوم "السفير" بنشر القصص الفائزة في قسم خاص يوم غد الجمعة.
    Tags: حليحل, علاء, القصة, قصيرة, ثقافة, أدب