أصدر مجمع اللغة العربية- الناصرة، مؤخرًا، نشرة مصطلحات تحوي ترجمات عربية معاصرة لمصطلحات تنتشر في حياتنا اليوميّة بالعبريّة، في مجالات القضاء والجغرافيا والقرطاسيّة والتربية والرياضيّات. لا شكّ في أنّ هذه المبادرة ممتازة وتحمل في طيّاتها عدة أمور هامة، منها توفير كلمات ومصطلحات بالعربيّة لمن يرغب، والتأكيد على ضرورة تجديد اللغة العربيّة وعصرنتها.

اللغة العربيّة المعياريّة (الفصحى) ليست لغة طيّعة ومرنة (رغم جمالياتها)، على عكس العاميّة المحكيّة، الرشيقة والمرنة والقادرة على نحت الكلمات ببراعة. لذلك، هي لغة الحريّة اليوميّة وتشغيل الخيال والإبداع، لغة الأمّ الحقيقيّة، الصديقة، كما أنّ الفصحى هي لغة الأمّة. وعليه، فإنّ محاولة ضخّ الدم والألوان المعاصرة في اللغة العربيّة المعياريّة أمر حاسم وبالغ الأهميّة، لأنّه يُقرّب اللغة من الناس ويشجّعهم على تبنّي مصطلحاتها، من دون أن يتّسم ذلك بالعنجهيّة والتكبّر والتنفير التي يتقنها شرطيّو اللغة البغيضون الذين يجلسون في الصف الأول بكلّ ندوة ويصرخون طول الندوة: “يا عمّي مرفوع مش منصوب”؛ “المستمعون وليس المستمعين!”، وهم بذلك يمارسون قمعًا وترهيبًا بدلًا من تحبيب الناس باللغة.

وتتميّز هذه النشرة الجديدة بالبحث عن مصطلحات حيّة، غير متذاكية وبسيطة قدر الإمكان، وهنا يكمن سرّ نجاحها برأيي. مثلًا: استخدام كلمة “دافعيّة” لترجمة מוטיבציה (Motivation)، وهي كلمة موفقة جدًا من حيث احتوائها على المعنى الجوهري للكلمة من دون استخدام كلمات عسيرة اللفظ أو الفهم، مثل: حَثّ ؛ حَفْز ؛ حَمْل ؛ دَفْع. وعليه، فإنّ عمليّة تعريب المصطلحات العبريّة أو الأجنبيّة يجب أن تسعى برأيي إلى أيجاد الكلمات التي تدمج بين كلمات أقرب ما تكون من المعنى الأصليّ وبين سهولة هضم هذه الكلمات في السياق اليوميّ أو الكتابة المهنيّة- التقنيّة المتداولة.

وبالمقابل ثمة كلمات لا يجدر ترجمتها لأنّها لن تؤدّي يومًا الغاية الأساسيّة من وراء هذه النشرة، وهي تحفيز الناس على استخدام كلمات عربيّة بدلا من الأعجمية، مثل ترجمة كلمة “تيبِكس” بـ “ماحٍ”. فلنعرّب كلمة تيبكس ولتصبح جزءًا من اللغة، تمامًا مثل الحاجة لتبني كلمات جديدة عصرية باللغة وتصريفها لأفعال، على غرار: سَمّس يُسمِّس تسميسًا. لمَ لا؟

(لتدوينات الـ “300 كلمة” السابقة)

 

Related Posts

  • 45
    ومع ذلك، يظلّ سؤال السبب عن الكتابة والنشر ماثلًا، حتى في سياقاته المضحكة الطريفة. فالأضحوكة تحكي عن الكاتب الشهير جورج برنارد شو، لا أوقعكم الله بلسانه، حين قال له كاتب حقود لا يحبّه: "أنا أفضل منك، فإنك تكتب بحثا عن المال، وأنا أكتب بحثًا عن الشرف." فردّ عليه برنارد شو:…
    Tags: كلمة, أنّ, اللغة, أو, علاء, حليحل, لغة, ثقافة
  • 42
    لا بدّ أن يأتي باحث يومًا ما ويثبت الفرضيّة التي أفكّر بها مؤخرًا: كلما تطوّر العلم وزاد عمر الإنسان سنينًا، خفّت حماسته ورغبته بالعيش بالطول والعرض. في السّابق كان معدّل عمر الإنسان أقصرَ بكثير: 25-30 في العصور الوسطى، 30-40 مطلع القرن العشرين، وليرتفع في أيامنا إلى 66 عامًا كمعدّل عالميّ،…
    Tags: أن, علاء, حليحل, ثقافة, كلمة
  • 40
    توظيف استثنائيّ لما يمكن تسميته بـ "المقزّز" و"القبيح" قلّما تمّ استخدامه في الرواية العربيّة•يمكن النظر إلى هذه الرواية بوصفها رواية على تخوم الما بعد حداثيّة، وستُظهر لنا ذات بطلها الرئيسي ذاتًا منقسمة على نفسها متشظية، وغير مدركة بالكامل لذاتها
    Tags: لغة, اللغة, حليحل, علاء, ثقافة
  • 40
    لانغستون هيوز أديب وناشط أسود أمريكيّ عانى العنصريّة وعانت عائلته العبوديّة، وفي مذكراته كتب أنّ "الكتب (هي) ما يسعدني، وأنا بدأت أومن بالكتب وعالم الكتب الرائع- حيث إذا عانى شخص، عانى في اللغة الجميلة". هل تتجمّل المعاناة في النصّ؟ لماذا يرتفع الحزن العادي من أمر مبتذل إلى حزن "متميّز" جدير،…
    Tags: أنّ, أن, ترجمة, اللغة, الكلمات, كلمة, اليوميّة, حليحل, علاء, ثقافة
  • 37
    لا أذكر أنّني خفتُ بهذا الشكل في حياتي. انتابتني صعوبة قاتلة في التنفس وتسارعت دقّات قلبي بوتيرة لم يسبق أن وصلتها قبل ذلك إلّا يوم امتحان كورس "مدخل للاقتصاد أ"...
    Tags: أن, أنّ, علاء, حليحل, ثقافة