“الجزيرة”. أجلس أمام التلفاز وأحمل المتحكم بيدي الملقاة الى الأرض بإهمال. أحمل المتحكم ولا أستعمله. لا أغيّر المحطة. خمسة وتسعون هو رقم “الجزيرة” في لائحة القنوات التي تحملها الكوابل الى الشقّة الباردة. خمسة وتسعون، وما فوقها عرب يبثون الأفلام والرقصات، وما تحتها عبريون يبثون الأكاذيب والتحريض. والمتحكم في يدي. يرفض أن يرتكن الى الحقيقة المرة أنه ما من مكان ألجأ إليه إلا الخمسة والتسعين. جزيرة في بحر الموجات الأثيرية التي لا تنفك تذكرك بالدنيا العاهرة التي نعيش فيها. في الواقع، الدنيا ليست عاهرة. هي هكذا، كانت وما زالت. نحن فقط من نتفاجأ في كل مرة من جديد. نحن في تفاجئنا سخيفون حتى البكاء. نثير الشفقة. نثير غضب من ينظر الينا: نجلس أمام المرناة، المتحكم موجه على “الجزيرة”، نشتم تارةً، نصرخ تارةً، نيأس تارةً، نبكي تارةً، نفرح تارةً. فعرفات لم يُقتل بعد. هكذا قالت “الجزيرة” الآن…

***

“الجزيرة”. المذيع يحاول أن يعرف من وليد العمري ما إذا كانت اسرائيل دخلت الى مكتب الرئيس. وليد لا يعرف بالضبط، ولكنه يعرف أن اثنين من حراسه نزفوا حتى الموت وأن الرئيس يجلس على ضوء الشمعة. في القناة الأولى الاسرائيلية يهتم المراسل العسكري بأن يفصّل لائحة الطعام التي سمحوا بإدخالها الى مكتب الرئيس: جبنة بيضاء، قطع لحم، مياه معدنية، خبز. يعني: نحن الاسرائيليون نعرف كل شيء. حتى ما يأكله عرفات نعرفه. واسرائيل حتى في حصارها هي انسانية وتدخل الطعام الى رئيس الارهابيين وعدو اسرائيل الأول. فكيف يمكن للعربوشيم التتر، الحفاة العراة، أن يقولوا عنّا بعد الآن إننا محتلون وبرابرة؟ “الجزيرة”. جيفارا البديري متمركزة في بيت لحم. الاسرائيليون في طريقهم الى هنا. الاسرائيليون سيدخلون بعد قليل وسيشعلون الأرض نارًا. كيف يستقبلون الدبابات والرشاشات وجند الله المختارين؟ ماذا يفعل الأب أمام أبنائه، ماذا تقول الأم لأطفالها، ماذا يقول القائد لجنوده؟ كلٌ لحاله؟ سنموت معًا؟ نلتقي عند الفجر؟ تصبحون على وطن؟ لماذا لا تستطيع “الجزيرة” أن تنقل ما تقوله الأم لأطفالها الكثيرين المتحرجمين في غرفة واحدة؟ ماذا يسأل الأطفال أمهم في هذه اللحظات؟ هل سنموت؟

***

“الجزيرة”. خمسة وتسعون والعد مستمر. مذبحة في بناية. ثلاثون قد يكونون قتلوا. الملك (؟) عبدالله بن الحسين ينذر اسرائيل. المظاهرات في مملكته الورقية أرغمته على التغريد. غرّد الملك فاهتز غصن في مكتب شارون. ثم هدأ. شيرين أبو عاقلة تقول إن رام الله أصبحت منطقة عسكرية مغلقة. شيرين من رام الله. فهل سيرغمها الاحتلال على مغادرة بيتها لإسكاتها؟ شيرين، ما الأوضاع الآن في رام الله؟ وليد، هل ما زال الرئيس على قيد الحياة؟ جيفارا، هل دخلوا بيت لحم؟ المتحكم يرفض أن يظل صامتًا. الام بي سي: دارما وغريغ، كوميديا أمريكية. الأيه آر تي: أفلام وكليبات. قناة مصر الفضائية: أغنية جماعية جديدة للنجوم العرب على غرار “الحلم العربي. الال بي سي: فيلم أجنبي وفتيات نصف عاريات. المستقبل: اهتمام ملحوظ ومقابلات أثيرية من الداخل. الخطوط تنقطع. المؤامرة تشتعل من جديد. القناة الثانية: العملية في حيفا. هناك قتلى عرب. وحدة مصير اسرائيلية. البعض يقول الرمز الأكبر للدو كيوم. دو كيوم؟ القناة الأولى. مبعوث الشاباك رون بن يشاي يردح لقواتنا. قواتنا تتقدم. قواتنا تصمد. قواتنا لا تخاف من الليل في رام الله. قواتنا ترد على النيران من مكتب عرفات. عرفات يصنع المشاكل ثانية. يضطرنا الى الدفاع عن أنفسنا، هذا العربوش غير المتحضر، ونحن على بعد أمتار من غرفته المعتمة. عرفات لا يفهم أبدًا. هل علينا أن نقتله ليفهم؟ طبعًا. فالعرب لا يفهمون الا بالقوة. “الجزيرة”. شاعر العروبة سميح القاسم يدافع عن زبائن العاهرات الباريسية: على مهلكو يا مشاهدين. لا تشتموا الانظمة العربية. فأنا في قطر وعلي العودة الى الداخل عن طريق الأردن. ثم يجب ألا تنقطع الدعوات والمحاضرات عني من دول النفط. لا أستطيع أن أشتم. هل تريدون أن يحبسوني؟ من زمان لم يحبسني أحد…

***

“الجزيرة”. خمسة وتسعون ساعةً والعدّ يزيد. أنا جائع. الحوض مليء بالصحون الوسخة. ليس في الثلاجة ما يؤكل. من يملك القوة على النزول الى البقالة لشراء الخبز والسردين؟ أنام على الكنبة قليلاً. أحلم بأن الجيوش العربية قد هجمت. بشار وحسني وعبد ومعمر ومحمد… كلهم هجموا. يمتطون دباباتهم الأمريكية ويلوحون بالسيف والقرآن. يطلبون الشهادة. الشهادة إياها وليس الشهادة من أمريكا. شهادة حسن السلوك. أستيقظ فجأةً. بين الصحو والغيبة. أرى الشيخ القرضاوي يفصّل أنواع الجهاد: جهاد عسكري، جهاد سياسي، جهاد اقتصادي، جهاد ثقافي، جهاد شخصي. خمسة أنواع وهناك حملة: جاهِدْ بنوعيْن واحصل على الثالث مجانًا. عفوًا أيها الشيخ الجليل، أنا لا استطيع على الجهاد العسكري، فأنا كما تعلم، ولكن إذا جاهدتُ جهادين من باقي الأنواع، هل أحصل على الجهاد الثالث مجانًا؟ وسؤال آخر لو سمحت، أعرف أن الوقت ضيق، ولكن لو امتنعت عن الأكل هذه الليلة ونمت في جوعي، هل يعتبر هذا جهادًا شخصيًا؟ وسؤال أخير وأعرف أن وقتي انتهى: هل يصح أن نرفع صورة شهيدة ليست محجبة؟ وأرجو أن أوجه تحياتي عبر “الجزيرة” الى أهلي في القرية، وأود أن أسمع أغنية وطنية لو سمحتم. والأهل في حيفا بخير. ينظمون المظاهرات ويرون محطتكم ويتأملون خيرًا. والأقلية كلها بخير وعلى أتم وجه. حتى أن بعض الكوادر وجدت الوقت في مظاهرة يوم الأرض للتشاجر فيما بينها على حقوق نشر الاعلام الحزبية واللافتات. وسؤال أخير جدًا، أخير بالفعل: هل يصح يا شيخنا القرضاوي أن أسب على الزعماء العرب بأقذع الشتائم؟ هل يسمح الدين بشتم الخونة، حتى لو كانت الشتيمة: يلعن دينكو يا أولاد القحبات؟؟…

***

“الجزيرة”. قبل أسبوع فقط كانت تود أن تقابل شارون وهاش العرب عليها. كيف تقابل “الجزيرة” شارون والقمة ملتحمة والشعوب ملتحية؟ كيف تدنسون شاشاتنا بوجه هذا الكريه؟ وأنا أسأل “الجزيرة”: كيف دنستم شاشتي بصور الخنازير من بيروت، وهم يرتعون في قذاراتهم في الزريبة التي سمّوها القمة؟ اعتذري لي يا جزيرة وإلا توقفت عن مشاهدتك فورًا! ريشت بيت: ليبرمان يطلب من شارون أن يبعث كم طائرة إف 16 ويمحو “المُكاتَأة” عن وجه الأرض. بمن فيها. المذيعة ليست متأكدة: حتى عرفات؟ أجل، كل من فيها. وعليك الا تكثري من الأسئلة فنحن سننظف سلطة البث بعد الانتهاء من رام الله. “الجزيرة”. انتدبت نفسي لأكون مراسل “الجزيرة” في شقتي: علاء، كيف الأحوال عندك؟ أخ جميل الأوضاع عندي متوترة جدًا. مناسيب العجز والضعف والخصي النفسي تهدد بانخلاع الكنبة من تحتي. وصلني بيان مستعجل الآن من الثلاجة تعلن فيه مسؤوليتها عن عملية التفجير التي قد تحصل في سخان الماء، لأنني نسيته مشتعلاً منذ الصباح. وجميل، هناك أنباء غير مؤكدة تشير الى أن رائحة الخمول واليأس في الشقة قد أوقعت ما لا يقل عن عشرة ضحايا من الصراصير البشعة المختبأة في خزائن المطبخ. كما قدرت الفصائل المنتشرة على السجاد المتسخ أن منظري الكريه قد يحمل الدول العربية على إعلان الحرب عليّ لأنني متخاذل ويائس وضعيف. وتلقيت قبل قليل إشارة من سلطات الاحتلال تعلن فيها عن تلفزيوني منطقة عسكرية مغلقة. وبعد إذنك جميل أود أن أذكر المشاهدين من عربنا بحفلة ملحم بركات وحفلة وديع الصافي وصباح فخري المعمولة لعربنا في عمان، كما أرجو ألا ينسى جمهور الشباب حفلة الدي دجيه الأول في فندق الماريوت. حتى هنا جميل. وسأوافيك بباقي التفاصيل إذا لم تخنقني المهانة.

***

“الجزيرة”. خمسة وتسعون. الرقم يظهر على الشاشة. الرقم يختفي فجأة. البث ينقطع في عز اللقاء مع عزمي بشارة. البث انقطع بعد بَرقةٍ شتويةٍ غاضبة. أنتقل بين المحطات العربية. معظمها شاشة سوداء أيضًا. إذًا ليست هذه مؤامرة. القمر الصناعي حساس للبرق والرعد، مثل العرب. أطمئن. أنزل الى الراديو الذي أعمل فيه. يقرأ زميلي ما تيسر من سورة الأخبار. تحت جنح الظلام تختطف قوات الأمن أجهزة البث في إشارة لنا، واللبيب من الاشارة يفهم. الموجة صامتة. أجلس في المكتب وحيدًا، صامدًا في غرفة البث الخرساء. الاغراء بفتح الميكروفون والبدء بسمفونية شتائم لمن هبّ ودبّ لا تُقاوم. ننتقل الى مراسلنا في حيفا أيتاي رابوبورط، ماذا يحدث في راديو “الشاطئ”؟ أيتاي: يبدو أن أحد المذيعين قد جُنّ وصار يخربط على الهواء. المعلومات التي لدينا تقول إنه في المزرعة الآن وسيطلق سراحه في سنة 2007. حتى هنا حاييم.  شكرًا أيتاي. والى حالة الطقس المتوقعة مع شارون…

***

“الجزيرة”. ثمانية وعشرون عامًا قضيتها على الأرض، لأنتهي وقت الشدة حُطامًا على كنبة، تكاد أن تٌثقب تحت وزني المحترم. شعبي يخجل مني بالطبع. ماذا أنفعه وقت الشدة؟ لا شيء. مجرد مُشاهدٍ من بين الملايين الكثيرة التي تصرخ في عبّها.

“الجزيرة”: علاء، كيف الوضع عندك؟

الوضع عندي كما هو عليه..

الوضع عندي كما هو..

الوضع عندي كما..

الوضع عندي..

الوضع..

الوض..

الو..

ال..

ا..

..

(نشرت هذه المادة في “فصل المقال، نيسان 2004)