علاء حليحل

قصة الكتاب العربي المذهلة داخل إسرائيل، بدءًا بالنكبة وحتى اليوم: من طبع، من أصدر، من باع، من اشترى، وخاصة، من انضم إلى قافلة إسرائيلية عسكرية في لبنان ليبثّ بشارة الكتاب العربي من لبنان، في ساحة “بيت الكرمة” في حيفا؟!

بدأ صالح عباسي، صاحب ومؤسس مكتبة “كل شيء” في حيفا، حديثه، بالتفاخر بأنّ نسبة القراء الأعلى في العالم العربي قبل النكبة في 1948 كانت في فلسطين. “هذه معطيات اليونسكو”، شدد عباسي، منعًا للالتباس. ولكن هذا التفاخر اختفى عندما انتقل الحديث عن الوضع اليوم. فقد قطع عباسي شوطًا طويلاً منذ أن بدأ بالاتجار بالكتب في العام 1968، وبعد ذلك بنشرها؛ وهو الشوط الذي يلخّص قسمًا بالغًا من تأريخ الكتاب العربي في داخل إسرائيل- الكتاب المحلي والمستورد. وعلى الرغم من الوضع المزري والمتدني الذي يعاني منه الكتاب العربي في الداخل، كتحصيل حاصل لوضع القراء العرب والوضع العام، إلا أن هذه النتيجة لم تكن أبدًا “تسجيلات لموت معلن”. على العكس تمامًا؛ فربما تكون هذه تسجيلات لازدهار معلن سلفًا. فقد كانت البداية واعدةً جدًا، وكان التعطش كبيرًا والتدفق من جانب القراء غزيرًا نحو مراكز بيع الكتب والمكتبات. وقد التهم القراء العرب الكتب بنهمٍ وعوّضوا بذلك عن القطيعة والوحدة في دولة اليهود الفتية، اللتين ألمّتا بهم جراء النكبة. ولكن، وبكثير من المفارقة، كانت إسرائيل هي التي خلقت بأيديها هذا التشوق لكل ما هو مطبوع بالعربية، وهي التي ستحدو بالعرب في الدولة، في نهاية المطاف، إلى هجر هذا التشوق والتنكر لمصدر المعرفة والثقافة الأساس والمتفرد- الكتاب. هذا ما يعتقده على الأقل الناقد والباحث الأدبي والثقافي أنطوان شلحت.

واليوم، لم يتبقَ من تلك الأزمان إلا نوستالجيا دافئة وحميمة ومؤلمة، تنعكس في حجم المبيعات المضحك (المبكي) وبجمهور قراء آخذ في الانقراض، وفي مجال تجاري يتحول شيئًا فشيئًا إلى فزاعة تعسة تحارب في سبيل انتصاب قامتها في حقول صحراوية محبطة. وإذا أصرّيتم على معرفة رأيي كإنسان يمتهن الكتابة على أنواعها، فإنني سأذكر أمامكم بألم كبير أنّ لا أمة أكثر تعسًا من تلك التي تتحول الفزاعات فيها إلى أطلال أخيرة من آخر ما تبقى من العقل والعقلانية. وقد لا يكون من اللياقة السياسية بمكان أن أكتب ما سأكتبه، إلا أنّ الفخر القومي الذي يميّز الأقلية العربية اليوم داخل إسرائيل، في السنوات العشر الأخيرة بالذات، لا ينعكس على أرض الواقع وفي الحياة اليومية، بأيّ شكل من الأشكال. على الأقل –وخاصة- في الثقافة. فوضع القراءة والنشر في المجتمع العربي يشابه مجالات الثقافة الأخرى: المسرح، الموسيقى، السينما وهلمجرا. هي وحدها الدبكة –المميز الفولكلوري الأسطع للعرب في إسرائيل- تواصل الضرب برجليها بقوة، وعندما يرقص الفولكرور على أطلال الثقافة فهذا هو الوقت المناسب للصلاة والابتهال!

“في سنة 1977 جاء السادات إلى البلاد”، يستذكر عباسي زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات. “أثناء زيارته نزل في فندق “دان كرميل” في حيفا. فقمت بزيارته هناك وأعطاني رسالة شخصية للشخص الموقت الذي عُيّن في السفارة المصرية الجديدة، زغلول إسمه على ما أذكر، لكي يمنحني فيزا للسفر إلى مصر. أخذت الرسالة وسافرت إلى تل أبيب. وهناك أعطوني فيزا ورسالة أخرى لتسهيل المعاملات. ومن هناك انطلقت رأسًا نحو غزة، ثم رفح ومن هناك في سيارة أجرة حتى القاهرة، ورأسًا إلى فندق إنتركوننتال. وقمت خلال 4-5 أيام بزيارة حوالي 36 دارًا للنشر وملأت ثماني “كونتينرات” بالكتب. وقد أسعفني الحظ عند وصولي، إذ أنني لم أكن أعرف بوجود سوق عملة سوداء وهكذا صرّفت الدولارات التي معي بضعفيْ ما خططت له: بدلا من 80 قرشًا حصلت على 130 قرشًا لقاء الدولار الواحد.

“بعد أن انتهيت من شراء الكتب خرجنا في قافلة. وأينما توقفنا للمراقبة كلهم ضربوا لنا تعظيم سلام بعد أن رأوا الرسالة من السادات. وصلنا إلى إسرائيل، ووجدت على الحدود الكثير من الصحفيين ينتظروننا في الجانب الاسرائيلي. ولم أدفع أية ضرائب على الكتب، وكان هذا استيراد الكتب الأول من مصر!! حتى من دون دفع أية ضرائب!!”- شدّد عباسي. في حيفا قاموا بتزيل الكتب في ساحة “بيت الكرمة” في معرض الكتب وعمل ستة أشخاص بكدٍ لتلبية احتياجات ومتطلبات الشراة الذين وقفوا في ساحة “بيت الكرمة” بالطوابير من الصباح وحتى العاشرة ليلا. عباسي: “جلبنا الكثير الكثير من الكتب، منها كتب في الاختصاصات المهنية وكتب تنظيرية ودراسات، بالاضافة إلى الكثير من المجالات التي لم أكن أفهم بها شيئًا. ووقتها جلبت من مصر 12،000 عنوان وكل عنوان بنسخ عديدة، وبالتالي كميات هائلة من الكتب”.

هذه ليست القصة الوحيدة التي حدثت مع عباسي عن الاتجار بالكتب العربية في إٍسرائيل. وما يبعث على الذهول والبلبة سوية، هو أنّ الانكشاف للكتب العربية المستوردة من العالم العربي كان مرتبطًا بشكل مطلق بالاحتلالات الاسرائيلية المستمرة! عباسي يصوغ ذلك بشكل أفضل: “على الرغم من أنّ الاحتلال لا يحمل أية فوائد، إلا أنّ الفائدة في هذه الحالة كانت في الانكشاف للكتب (في الضفة الغربية وغزة- ع.ح.). إلا أنّ هذا الانكشاف كان محدودًا. فكان هناك تاجران كبيران جدًا وقتها: المحتسب في القدس والدنديسي في الخليل. وقد نوّع المحتسب في عناوين الكتب التي كانت تجارية في الغالب، وباع القليل اليسير من الكتب الأخرى النوعية. وفي المقابل كان الدنديسي أكبر وأقوى: فقد ملك 500-600 عنوان، ومن كل عنوان ما يزيد على الألف نسخة. وأجرِ الحساب لوحدك. عندما بدأنا في الاتجار بالكتب سنة 1968 بدأت بطلب سلسلات مترجمة عن الانجليزية من خارج البلاد، مثل سلسلة “الليدي بيرد” التي صدرت في 300 عنوان؛ وسلسلة “الفراشة” المترجمة عن الانجليزية أيضًا، التي خشي في البداية من استيرادها. قلت له: على مسؤوليتي. أجلبها فقط. وبعنا كل ما جلبه”.

وما يزيد من تجسيد العلاقة المذهلة والمزعزعة بين احتلالات وحروب إسرائيل مع الدول العربية وبين الانكشاف على الكتاب العربي هو قصة لبنان. عباسي: “في حرب لبنان (1982) كان لي صديق في وزارة المعارف، أهرون زبيدة إسمه، عرض عليّ إدخالي إلى لبنان لجلب الكتب من هناك. وهكذا ركبنا سيارتي الترانزيت وسافرنا إلى صور. وقمنا بتحميل الكتب التي طلبتها، وتناولنا الغداء وعدنا. وهكذا جلبت الكتب من لبنان، التي كانت بجودة عالية من ناحية الورق والطباعة، وبيع كل ما جلبناه في نفس اليوم. في تلك الليلة أشعلنا المنقل في ساحة “بيت الكرمة” وأكلنا وشربنا حتى ساعة متأخرة. وهكذا تأخرت على الموعد الذي ضربته مع زبيدة في صبيحة اليوم التالي للذهاب مجددًا إلى لبنان. ونتيجة لذلك وبّخني جدًا وغضب واستمر في الصراخ لساعة. في النهاية قلت له: خلص، أنا عائد إلى حيفا. وعندما تيقّن من أنني جدي صمت. ونتيجة لتأخرنا تفادينا انفجارًا كبيرًا في صور في نفس المكان الذي كان من المفروض أن نكون فيه ذلك الصباح. فاحتضنني وقال إنني أنقذت حياته! فكل تأخيرة بخيرة- قال لي. وعلى الرغم من الانفجار، أرفقوا بنا قافلة عسكرية (إسرائيلية) ودخلنا وحمّلنا الكتب في السيارة”.

سألت عباسي بوجه مليء بالتعبير عن الانذهال عمّا إذا كان يرى العلاقة بين الاحتلالات الاسرائيلية وبين الاتجار بالكتب. فضحك وأجابني: “أنا أسمي ذلك غنيمة. أنا أيضًا تزوجت بزوجتي التي من القدس بعد 1967”.

لم يكن يهم إذا كان ما حدث غنيمة أم لا، لأنّ عباسي واصل في النمو: “عندما بدأت كنتُ أنا والسروجي والسعدي. ثلاثة تجار فقط. وتركزنا السروجي وأنا في كتب المطالعة الشعبية وأوصينا على عناوين من هذا النوع. في سنة 1973 ضعف المحتسب جدًا وأصبح الدنديسي المسيطر الأكبر. وفي معرض الكتاب الدولي في القاهرة في 1980 وافقوا على مشاركتي. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يشارك في المعرض عربي من إسرائيل، وحتى اليوم ظللت المشارك الوحيد. حتى العام 1987 كنّا مشغولين جدًا. كانت الناس متعطشة للكتب. كنت تقريبًا لوحدي في المجال. وقد عمل معي وقتها الكثير من المعلمين أذكر منهم: حبيب خشيبون (مسرحي ومدير مدرسة؛ أقام مع زوجته فريال فرقة “سلمى” للرقص الشعبي وهو اليوم مدير الانتاج في مسرح “الميدان”) ورياض اغبارية ورشدي الماضي (شاعر ومُربٍ) وأمين أبو عيسى ونبيل شما وعصام زيدان وغيرهم. حوالي 20 معلمًا.

“في المرحلة الرابعة تحولت إلى ناشر أيضًا، بالاضافة إلى التوزيع والاستيراد. كان ذلك في العام 1987. بدأنا في الأدب المحلي. طبعنا أكثر من 70 عنوانًا لأدباء محليين، على الرغم من الصعوبة في بيع الأدب المحلي، التي استمرت حتى اليوم. ومؤخرًا أعدنا إصدار ديوان راشد حسين في مصر. أنا أطبع الكتب في مصر لكي يكون بالامكان إشراكها في معارض الكتب في العالم العربي”.

في قلب الانعزال الذي غاص فيه الكتاب العربي في البلاد، يبدو أدب الأطفال الملجأ الأخير للتاجر المحبط. عباسي: “بدأنا أخيرًا بطبع أدب الأطفال. كانت هناك ميزانية لطبع 4 كتب من مركز أدب الأطفال التابع للكلية العربية لتأهيل المعلمين في حيفا. لدينا اليوم لجنة من 15 عضوًا، يرئسها حنا أبو حنا. كل كتاب يُقرأ على يد اللجنة ثلاث مرات ويمرّ بالغييرات المطلوبة. سأقول لك فقط إن كاتبًا مشهورًا جدًا في هذا المجال لم ننجح في طبع كتبه التي قدمها للجنة لأنه لم يجتز امتحان اللجنة. دعني من الأسماء، لا أريد ذلك في الجرائد. كما أنّ نجيب نبواني، مدير الكلية، أصدر عندنا أربعة كتب”.

وكيف وضع أدب الأطفال اليوم، سألته. عباسي: “نحن نبيع الكتب بأسعار تتراوح بين 15 وحتى 35 شيكلاً. أدب الأطفال يحظى بشعبية أكبر وأسعاره أقل. ويمكن أن يستقر السعر على 28 شيكلا في مبيعات مركّزة. نحن نبيع من كتبنا حوالي 2،000 نسخة من كل عنوان. ومجمل المبيعات السنوية يصل إلى 100،000 كتاب في السنة، بالاضافة إلى المستورد.” وماذا مع أدب البالغين؟ – “نحن نبيع بين 50،000 و 60،000 نسخة سنويا، وهذا يعود بالأساس إلى مبيعاتنا للمكتبات العامة، التي تشتري معظم هذه الكمية”.

وقد سجّل أدب الأطفال بالعربية نجاحًا جميلاً إلى درجة أن عباسي بدأ بترجمة كتب أطفال من العربية إلى الانجليزية وبيعها في خارج البلاد. وقد شارك في معرض “بولونيا” في أيطاليا وفي فرانكفورت والقاهرة. وحتى اليوم أصدر 15 عنوانًا مترجمة إلى الانجليزية. وهذا إنجاز ليس بالقليل أبدًا قياسًا بالوضع الخطير الذي يعاني منه مجال النشر في البلاد.

لماذا لا تقرأ أقلية مجندة لنضال عنيد ومتواصل، أقلية تحارب على هويتها ولغتها، لماذا لا تقرأ الأدب الذي ينتجه مبدعوها؟ أو على الأقل، لا تقرأ هذه الأقلية الكثير أو حتى ما يكفي؟ للصحفي والناقد المتمرس أنطوان شلحت أجوبة قاطعة ومحزنة. محزنة جدًا في واقع الأمر. سألته لماذا يقرأ العرب هنا أقل وأقل؟ هل هناك أسباب خاصة للزمان والمكان، عدا عن الأسباب الكونية؟ فمع كل هذا، كنت لا أزال آمل، بيني وبين نفسي، بأنّ العالم هو المذنب. شلحت: “العرب هنا يقرأون قليلا لأن كل ما حولهم “يشجع” على القراءة القليلة، إن لم يكن على عدم القراءة البتة. فمن التركز في “قنوات الثقافة السريعة” المعولمة التي تتضاد، بطبيعتها، مع القراءة، إلى الطباع الاسرائيلية العامة التي تتميز بالخفة في كل شيء مرورًا بالتقليد الخارجي السطحي وغير المدروس لمجتمع الاستهلاك الذي يكون عادة على حساب الاهتمام بالمستوى الثقافي.

“كل ذلك وغيره ظواهر من الصعب القول إن العرب هنا متحررون منها، بل على العكس هم مأسورون بها. فضلا عن ذلك هناك وضعية من الغياب شبه المطلق، بل والمطلق، للحالة الثقافية التي تخلق جوّا من استبطان الحاجة إلى القراءة تهيمن على حياة العرب. أعني إنعدام المكتبات التجارية وأخطر من ذلك إنعدام المنابر الثقافية التي كانت في السابق دافعًا مهمًا لنشوء نوع من الحراك الثقافي الذي يفضي إلى تشجيع القراءة. زد على ذلك الصحافة العربية التي “إجترحت” مستوى من التفاهة والسطحية والابتذال يصعب إيجاد مثيل له في أي مكان على وجه الأرض، ولا أستثني أحدًا. وهناك طبعًا حالة التسييس الشاملة التي تطغى على العرب بتأثير من المحيط العام وبتأثير من القوى الفاعلة كافتها، التي لا ترى السياسة إلا في حقل من “دلالة القطيع” هي النقيض الكامل للقراءة باعتبارها مصدرًا لا استغناء عنه للمعرفة وللثقافة.

“أما الوضع في المدرسة العربية المفترض أن تكون مصدرًا للعلم وطلب المعرفة فإن الإحاطة به تحتاج إلى ما يتجاوز هذا التحقيق، ولذا سأكتفي بأن أعيد إلى الأذهان نتائج بحث قبل عدة سنوات، لم يصدر ما ينفيه لاحقًا، أشار إلى كون فئة المعلمين العرب أكثر الفئات التي لا تقرأ، ومن الطبيعي أن تربي هذه الفئة أجيالا ليست قارئة، في الحد الأدنى.”

– الناشرون والموزعون للكتب العربية هنا يقولون إن مبيعات الأدب المحلي قليلة جدًا، وحتى إنها هامشية، مقابل الأدب العربي العام، الذي يعاني هو أيضًا من صعوبات في المبيعات. هل الأدب العربي العام هو ذو جودة أعلى من الأدب المحلي أم أنّ هناك أسبابًا أخرى في رأيك؟

“أنا من المؤمنين الكبار بنظرية التراكم وأيضًا بنظرية التناص، ومن هنا أشخص أوضاع الأدب المحلي الذي لم يستطع أن يكرر ظاهرة الأدباء من الرعيل الأول، أو على الأقل لم يستطع ذلك إلى الآن. هذا لا يعني إستحالة تحقق ذلك الأمر في المستقبل، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هناك أصواتًا جديدة بدأت تبرز في الآونة الأخيرة وتعتبر سنونوات تبشر بربيع قريب.

“أما بالنسبة لتجار الكتب فإن شكواهم من صعوبات بيع الكتب المحلية تحيل إلى الأوضاع العامة، وإن القارىء اليوم لن يقبل على الكتاب المحلي إذا لم يكن، على الأقل، في مستوى الكتاب الوافد، العربي أو المترجم. لكن هنا فإن رأيًا عامًا سائدًا يقول بأن الكتاب المحلي دون المستوى يؤدي، وهو يؤدي فعلا، إلى ضياع الصالح في الطالح. وفي إفتقادنا لأية آليات أخرى يمكنها المساهمة في إشهار الكتاب الجيد (صحف، مجلات، ندوات..الخ) فإن الكتاب المحلي يصبح صنوًا للمستوى الهابط.”

– هل سيسمح الوضع الحرج للناشرين العرب وللأدب العربي المحلي اليوم بنشوء كتاب/ شعراء يحظون باعتراف عربي عام، مثل إميل حبيبي ومحمود درويش وراشد حسين؟

“تبقى هذه مسألة فردية قبل أي شيء. ولا أعتقد أن الاعتراف العربي بمن ذكرت من أسماء الأدباء جاء فقط على خلفية كون نصوص هؤلاء هي القاعدة الوحيدة التي زكّت ذلك الاعتراف، لكن لو لم تكن نصوصهم جيدة لما استمر ليوم واحد تربعهم على “عرش” الأدب العربي من محيطه إلى خليجه.”

– هل هناك خطوات يمكن اتخاذها قد تؤدي إلى إحياء النشر العربي؟ مثل مشروع محلي على شاكلة “كتاب في جريدة”؟
“مشروع “كتاب في جريدة” لا يزال رائدًا في العالم العربي في مضمار تشجيع القراءة. وهذا المشروع أجهض عن سبق تعمد وإصرار من قبل الجهة التي تبنته وبدأت به وهي جريدة “الاتحاد” بسبب ما تعانيه من أزمات يصعب حصرها. وكانت التضحية به من المؤشرات الدالة إلى حالتنا الثقافية وإلى نظرة الأحزاب السياسية إلى الثقافة في إطار “دلالة القطيع” السالفة.

“أما فيما يخص الخطوات المطلوب إتخاذها للنهوض بحالة النشر المحلية، فإن المتيسر الآن هو أن تبذل “دائرة الثقافة العربية” في وزارة المعارف والثقافة الاسرائيلية باعتبارها منذ فترة الحاضنة الأكبر للكتاب المحلي مزيدًا من الجهد المبرمج لإعادة ثقة القارىء المحلي، على ندرته، بهذا الكتاب من خلال إعتماد معايير صارمة للنشر تنأى عن العلاقات الخاصة والعامة وعن الشللية المسيطرة على هذا المشروع. هل يرجّى مثل هذا الأمر من دائرة للثقافة العربية في وزارة للثقافة الاسرائيلية؟ عن هذا السؤال لا أستطيع الاجابة.”

هل يشاطر عباسي شلحت الشعور باليأس من الوضع؟ ليس إلى حدٍ كبير في الواقع. فهو، على الرغم من كل شيء، متفائل: “لا مكان لليأس. في نهاية الثمانينات جاء الحاسوب، وفي التسعينات الانترنت، و”اختنقنا” قليلا. ولكن توجد ميزانيات، توجد مشتريات، الناس يعودون إلى الروحانيات، إلى الكتب. المشكلة اليوم ليست في الناس وإنما في الوضع الاقتصادي. فبدءًا من السنوات السبع الأخيرة صار الفقر هو عدونا الأساسي. اليوم ننظم ثلاثين معرضًا لنربح ما ربحناه في السابق في ثلاثة معارض، إلا أنّ الأمل موجود. في الماضي طرقت الناس أبوابنا واليوم نحن نذهب إلى الناس. هكذا هي الحياة.” وما هي أكثر الكتب العربية مبيعًا في البلاد؟ عباسي: “أدب الأطفال والموسوعات هي الأكثر شعبية، ناهيك عن كتب التخصصات على أنواعها. لقد ملّ الناس السياسة. اليوم يطلبون كتب الطبيعة والطب البديل والأعشاب والعضويات. الشعر حالة ميؤوس منها. وبالنسبة للروايات فإننا نبيعها في الأساس لطلاب المدارس. الكاتب المحلي لن ينجح في بيع أكثر من 20-30 نسخة. مع أن العدد الكلي يصل إلى حوالي المئة لأننا نبيع للمكتبات العامة بحسب عقود مختلفة. الأدب العربي من خارج البلاد هو أكثر شعبية من الأدب المحلي. هكذا هي الأمور”.

الطلائعيون

تواجد في أعقاب النكبة عدد قليل من دور النشر. وفي تلك الفترة التي أعقبت 1948 أصدرت كتب قليلة، أشهرها كان كتاب “رحلة إلى روما” من تأليف جورج نجيب خليل. في الخمسينات نشط في الناصرة فؤاد دانيال. وقد درج على السفر إلى قبرص وبحث عن الكتب الشعبية، مثل كتب إحسان عبد القدوس، التي اشتراها بأي ثمن، ونسخها بحوالي 2،000 حتى 3،000 نسخة وباعها في القرى الفلسطينية وفي الناصرة. وقد جمع بهذه الطريقة أكثر من 200 عنوان من مصر ولبنان. وبعد ذلك بدأ بنسخ كتب بحثية ونظرية مختلفة (عباسي: “أنا لا أسمي ذلك تزويرًا، لقد كان ذلك نتاج الواقع الصعب”). وقد أصدر كتبه على ورق جرائد وبجودة متردية، إلا أنه نجح في تأسيس “نادي الكتاب”، وأدخل لكل بيت كتبَ نجيب محفوظ وعبد القدوس.

إلى جانب نتاجه النشري أدار دانيال مدرسة لتعليم الطباعة في الناصرة. وحتى الخمسينات لم يزِد عدد العناوين الكلي بالعربية عن الـ 500 عنوان. واستمر عمل دانيال في فترة الحكم العسكري أيضًا وكان يبعث للمشتركين بالبريد في مطلع كل شهر كتبًا جديدة، وكان له الكثير من المشتركين.

بعده بدأت دور نشر ومطابع بالعمل خلال السنوات والفترات، نورد فيما يلي أهمها:

– “الصوت”: أقامها منصور كردوش وأصدرت ما ينيف على الثلاثين عنوانًا.

– “دار النشر العربي”: دار نشر الهستدروت بالعربية.

– “دار الشرق”: تخصصت في إصدار الأدب المحلي.

– مطبعة “الاتحاد”: أصدرت العديد من العناوين لكتاب وشعراء الحزب الشيوعي الاسرائيلي، بالاضافة إلى طباعة مجلة “الجديد”، التي كان لها قسط كبير ومركزي في بلورة الأدب الفلسطيني المحلي.

– “الأسوار”: تخصصت وما زالت في إصدار الأدب المحلي، على الرغم من أنها ضعفت كثيرًا في السنوات الأخيرة.

– “صلاح الدين”: أسسها في القدس الشرقية كلٌ من: توفيق أبو رحمة، داود خوري، مجيد الياس، شكيب كركبي والياس نصرالله. لم تدم فترة طويلة.

– “دار الهدى”: دار نشر كبيرة وناشطة جدًا ومن دور النشر والتوزيع الرئيسة اليوم. مقرها في المثلث على خلاف الدور الأخرى التي تمركزت في الجليل غالبًا.

– قسم الثقافة العربية في وزارة التربية: بدأ منذ العام 1989 بدعم إصدار الأدب العربي المحلي، ومن وقتها أصدر مئات العناوين، تراوح عدد النسخ منها من 600 إلى 1،000 نسخة لكل عنوان. في العامين 2001-2003 مثلا أصدر القسم حوالي 80 عنوانًا، كل عنوان بـ 600 نسخة. وهناك الكثير من النقد الموجه إلى هذا القسم نتيجة للجودة المتردية للكتب الصادرة عنه.

(نشرت هذه المادة في حزيران 2003)