بدا عباس شاحبًا بعض الشيء وهو يراجع بعض الأوراق خلف مكتبه في الجريدة. “لم أسافر”، قال رأسًا من دون إلقاء التحية في المكالمة الصباحية المبكرة صباح السبت. لم يستوعب سمير وجوده في الأريكة يحضن ليليان من الخلف. حتى صوت عباس بدا له من عالم آخر.

“من أنت؟”

“ماذا يعني من أنا؟”

“آه، أهلاً.”

“صح النوم، نوم العرايس. أتدري ما الساعة؟”

في تلك الأثناء كان سمير قد قام بهدوء وحذر وأعاد الغطاء على ليليان. اتجه رأسًا إلى الحمام وهو يحمل الهاتف.

“لا لست أدري، ما الساعة؟”

“التاسعة والنصف.”

“ماذا؟”، صاح سمير وهو يحدث ضجيجًا بتبوله الصباحي، “أتوقظني في التاسعة والنصف، لماذا يا رجل؟.. ألا تخاف ربك؟”

“ماذا تعني بألا تخاف ربك؟.. متى يستيقظ الانسان العادي في نظرك؟”

“دعني من جدالاتك هذه الآن.. لِمَ لم تسافر؟”

“تطورات خطيرة في قضية الرشاوى منعتني من ذلك. ألم تود معرفة كل شيء عن غريغوري؟”

“بلى، ماذا حصل؟”

“هذا الحديث ليس للهاتف. تعالَ إليّ، أنا في الجريدة الآن.”

“قل لي رؤوس أقلام على الأقل!”

“لا أستطيع. ما سأقوله لك غاية في السّرية والخطورة، في هذه المرحلة على الأقل. ولا يمكن المعرفة أبدًا إذا كان هناك من يتنصت علينا الآن.. أنا لم أعد أعرف شيئا في هذه الدولة الزانية.. تعالَ إليّ سريعًا.”

ابن الزانية! كان سمير يحتقن غضبًا ولهفة بعد المحادثة. ها هو عباس يستغلّ رغبته في معرفة ما حلّ بغريغوري ويجبره على الذهاب إليه في هكذا ساعة. أتكون خدعة من عباس ليحمله على الذهاب إليه؟ أيريد التحدث عن أميرة؟ مما لا شك فيه أنّ عباس بدا متلهفًا جدًا للقائه والحديث معه. وحتى وإن كانت هذه خدعة منه ليحمل سمير على الذهاب إليه والاستماع إلى شكاوى قلبه الكسير، فإنّ ذلك لا يضايقه أبدًا. بالعكس؛ فهو صديقه وهو يحسّ بالمسؤولية تجاهه، خصوصًا أنّ السبب المباشر في ترك أميرة له هو شهواته الحيوانية. أميرة. ماذا حلّ بها؟.. لم يسمع منها منذ أن غادرت غضبى مساء أمس الأول، ماذا حلّ بها بعد انفصالها عن عباس؟.. كيف كان اللقاء بالنسبة لها ولماذا لم تتصل به حتى الآن؟

ارتدى ملابسه بسرعة واستغنى عن غلاية القهوة الصباحية الأزلية. جولي ما زالت في حيفا تنتظر فرصة شراء المعرض، لا بد أنها الآن في حضن الدال نقطة ابن الزانية في فندقها تحاول ألا تقع أرضًا عن السرير لضخامة كرشه. ابتسم وهو يهرول نازلا الدرج.

“من الأفضل لك أن يكون ما لديك لتقوله يستحقّ ما فعلته بي هذا الصباح، وإلا والله العظيم لعلقتك في ساحة الحناطير!”

“إجلس”، أمر عباس بهدوء. “أتودّ شرب القهوة؟”

“بالطبع، سادا.”

خرج عباس وعاد بعد دقائق قليلة حاملا غلاية القهوة الزرقاء المهترئة، التي لا يطيب له شرب القهوة إلا إذا طبخها فيها. نوع من التعلق الذي يطوّره الإنسان بحاجيات يومية عادية تمُت لطقوسه الشخصية الخاصة. ربما تزمّت غير مفهوم إذا أردتم. لا يبدو عليه اليأس أو التحطم اللذان يجب أن يبدوا على شخص تركته محبوبته بالأمس. ربما التطورات الجديدة في القضية أعادت إليه الحياة فجأة. هكذا هو مع العمل.

“إسمع يا عزيزي”، عدّل عباس من جلسته في الكرسي الجلدي (المهترئ أيضًا والتابع للتعلق آنف الذكر)، “هل قرأت التقرير أمس؟”

“كل كلمة.”

“عظيم. لا بد أنك تساءلت عن الخطة التي اهتدى اليها المقدم يوآپ راز والتي اعتمدت على عميلة سرية.”

“نعم.”

“ما سأرويه لك الآن غاية في السّرية والخطورة، لا أحد غيري وغير المشتركين في الخطة يعلمون بالأمر حتى الآن.”

“أنا مُصغٍ.”

“حسنًا. فلنعُد إلى ما جاء في التقرير. كانت اللقاءات مع الزبائن تتمّ عادة في الفنادق، والمكتب كان يوصي على فندق بعينه دائمًا لرخص أسعاره. في هذا الفندق تُحجَز غرف دائمة للمكتب وتُركّب في الغرف كاميرات سرية. هذه الكاميرات مفيدة جدًا. من ناحية تُستخدم لابتزاز رجال سياسة أو اقتصاد على يد أصحاب البيوت، ومن الناحية الأخرى فإنّ الأشرطة تُنقَل إلى الشرطة إذا كان اسم الزبون مُدرَجًا في قائمة تمرّرها الشرطة إلى المكاتب كل فترة. مثل هذه الاتفاقيات كانت متبعة ومعروفة في الشرطة وكانت متبعة أيضًا في هذه الحالة، من دون علاقة بقضية الرشاوى. كانت الأشرطة تُحوّل إلى أصحاب البيوت لسبب آخر غير ابتزاز الزبائن: اصطياد الفتيات الممتازات.

يختار أصحاب بيوت الدعارة الفتيات الممتازات لرفاهيتهم الشخصية. يخرجونهنَّ من المكاتب ويسكنونهنَّ في شقق خاصة ومُكلفة. كانت الشرطة تعلم بهذا الأمر ولكن لم يكن هناك ما يضايقها فيه. من هنا جاءت فكرة المقدم راز. الفكرة كانت تجنيد عميلة شرطة سرية تكون في نفس الوقت عاهرة وذات مواصفات عالية. بحث سريع في ملفات قسم الآداب كشف عمّا لا يقلّ عن عشر عميلات سريات يعملن في الدعارة، ثلاث منهن ذوات مواصفات عالية. لماذا ذلك؟.. رجل الأعمال المعروف، مُشغّل غريغوري، سيشاهد العميلة حتمًا والأمل كبير في نقلها إلى الشقة الخاصة. من هناك الطريق قصيرة إلى كسب ودّه وثقته والتوصية على ترقية غريغوري لإخلاصه في العمل. الترقية ستقرّب غريغوري بالطبع من “الرأس الكبير” وستصبح إمكانية طرح أفكار جديدة عليه أسهل بكثير.”

“أية أفكار جديدة؟”

“الخطة كانت بأن يعرض غريغوري على مشغّله تحسين أساليب العمل مع الشرطة وزيادة نجاعتها. كان على غريغوري أن يقنع مشغّله بالالتقاء بيوسي ميخائيل للبحث في أساليب العمل الجديدة. كانت الأساليب الجديدة تنصّ على فتح حساب بنكيّ سريّ تُودع فيه المبالغ الشهرية. الايداع يتم عن طريق حساب بنكي في تايوان يكون تابعًا لإحدى الشركات الوهمية التي أسّسها المشغل والتي يدير بواسطتها أعماله الممتدة من الدعارة إلى تبييض العملات الصعبة والقمار. التحسين الثاني المقترح كان بتبادل المعلومات عن طريق الإنترنت والبريد الإلكترونيّ. يقوم المشغل ببناء موقع في الإنترنت لإحدى شركاته الوهمية. الدخول إلى البريد الالكتروني وسحب الرسائل يكون بحسب كود سريّ يعرفه ميخائيل وغريغوري فقط. لستُ بحاجة طبعًا لأن أقول إنّ هذه الاقتراحات كان هدفها الجمع بين المشغل وميخائيل لمرة واحدة وتسجيلهما يتحادثان حول ذلك. بعدها يُقبض عليهما سوية.

صبّ عباس القهوة في فنجانين.

“تفضّل.”

“شكرًا. وبعد ذلك.”

“المثير للعجب لأول وهلة هو نجاح الخطة. أعني زرع العميلة السرية في المكتب واستحواذها على إعجاب المشغّل ونقلها إلى الشقة الخاصة في أقلّ من أسبوع. لم يمضِ شهر حتى كانت قد استحوذت على ثقة ومودة المشغل، حتى أنها أخذت تناديه بألقاب للدلع. قلتُ لأول وهلة، لإنه بعد أن تعرفت إلى هوية العميلة بطل العجب.”

“لماذا؟”

“لحُسنها الأخّاذ وجاذبيتها القاتلة. ما يهمنا أنه بعد حوالي الشهر اُوعز إلى العميلة بالتحدث مع المشغّل عن غريغوري ومدى إخلاصه وتفانيه وثقتها به. وروت له أيضًا أنه أطلعها وحدها على مهمته السرية مع ميخائيل وأنّ لديه أفكارًا جديدة حول الطريقة الأفضل والأضمن للاتصال بميخائيل. وهذا ما تمّ بالفعل. كمنت الشرطة للإثنين في الشقة الخاصة التي كانت العميلة تقطنها وألقت القبض عليهما. بعد حوالي أسبوع انتهى التحقيق وحصلتُ أنا على السبق الصحفي الكبير.”

“ليس من الصعب الاستنتاج أنّ المصدر الذي زوّدك بالسبق وما زال يزودك بالتطورات هو العميلة السرية.”

“عظيم، عظيم”، صاح عباس، “أرى أن عليّ ضمك إلى طاقم الجريدة.”

“شكرًا جزيلاً، أنا هيك ومش خالص.”

“ماذا تقول؟”

“كما في الافلام. لم أتوقع كل ذلك من غريغوري يومًا. كان يبدو لي دائمًا أنّ القطة تأكل عشاءه.”

“يوضع سرّو.. قل لي متى ستعود إلى العمل؟..”

“غدًا. الإجازة تنتهي اليوم.”

“ممتاز، تكفيك الصياعة والبطالة.. كيف كانت الردود على المعرض بالمناسبة؟”

“جيدة جدًا. اتصل بي بالأمس صحفي يعمل مع مجلة “ستوديو” وطلب حوارًا طويلاً.”

“طبعًا يا عم، ستدخل التاريخ من أوسع أبوابه.”

“في هذه اللحظة أفضّل فنجانا آخر من القهوة على التاريخ وأبوابه.”

“تِكرَم..(صبّ القهوة للاثنين).. ثم قل لي ما هو سرّ اهتمامك بغريغوري هذا، لا تقل لي لأنه جارك.”

“في الواقع، أخته…”

“ها ها.. كنتُ متأكدا، والله كنت متأكدا.. ليس من شيمك أن تبالي بما يحدث للذكور.”

“لا تبالغ أرجوك.. ها أنا أهتم بما يحدث لك مثلا..”

“نعم.”

لقد داس على العصب الحسّاس، لا مجال للرجعة..

“هل من جديد؟”

“لا.”

“هل تحادثتما مجددًا؟”

“لا.”

“وما العمل؟”

“لا أرى ضرورة في عمل شيء.”

“هيا، بربك، أنت تحبها وهذا وحده كافٍ لأن تحاول .. صدقني أنّ هذا يستحق.”

“ولكنها لا تحبني، أأروي لك القصة من جديد؟”

كان الغضب الزاحف باديًا على وجهه. يغضبون بشكل خاص بهم هؤلاء الجنوبيون.. يبعثون على الخوف.

“على مهلك يا رجل، لسنا بحاجة الآن إلى الغضب.”

“من السّهل عليك قول ذلك.”

“لأنه من السهل عليّ قول ذلك فإنّ عليّ قوله.”

“إسمع، لقد قالت بصراحة إنها لم تعد تحبني وإنّ الحياة معي أصبحت مملّة، ماذا عليّ أن أفعل، أن أستأجر بهلوانا يسلينا في الليل؟”

“إهدأ قليلا..”

إهدأ، إهدأ، إهدأ! هل كنتَ ستهدأ لو كنت مكاني؟.. ها؟.. كيف كنت ستتصرف عندها؟”

“لقد مررت بحدث مشابه كما تعلم.”

“من؟.. عبلة؟.. أضحكتَني. هل تودّ القول إنّ زواج عبلة أثّر فيك؟.. لقد رميتها رمية الكلاب، خنتها وهي ما تزال تنتظرك لتقرر.”

“ماذا؟.. من أين عرفت؟”

“عرفت. ما لم أعرفه هو اسم الفتاة.”

صمت.

“ما بك؟.. هل تخجل مني؟.. أنا أعرف أنك مهووس جنس.”

صمت.

“هل تودّ معرفة اسم الفتاة؟”، تمتمَ سمير.

إذا كان عباس قد عرف كلّ ذلك فمن السّهل أن يعرف أنّ الحديث يدور عن أميرة، خصوصًا وأنّ عبلة تتجول الآن كالنمرة الجريحة في حيفا، بعد أن أكد لها شكوكها بغبائه. سامحني عباس، أحبك جدًا وأعزك. أنا لا استحق صديقا نظيفا مثلك. لا أصدق أني فعلتُ ما فعلته بحقك، يا إلهي كم أخاف احتقارك لي، كم أخاف وحدتي من بعدك، لماذا خنتكَ، لماذا؟.. رجاء أخير، لا تضربني الآن…

“إنها أميرة…”

(إلى صفحة الرواية)