علاء حليحل

المكان كان مكتظًا بالطّاعمين. مطعم “أبو مارون” في حيفا لا يكاد يفرغ من الواردين الجائعين، ومن الخارجين المُتخمين، ضحايا الحمص أبو فول. كنا نجلس، رائد فرح، وائل واكيم وأنا، حول الطاولة في وسط المطعم، ونحاول ألا نأكل أكثر من اللازم من الطعام اللذيذ، خاصةً وأن ثلاثتنا لن نُقبل ما حيينا في جمعية “النحفاء العرب”، إلا إذا كانت لدينا واسطة جمعياتية تهز الأرض هزًا وتفتقها فتقًا. من فوق صحون الفول والحمص والبطاطا المقلية بحسٍ مُرهف، كنا نتبادل ما أمكن من الكلام، بين لقمة وأختها. كنا نخطط لتأسيس مجلة ترفيهية جديدة، تكون أيضًا وفي نفس الوقت دليلاً لبرامج الفضائيات العربية، الدليل الذي لا دليل لنا سواه.

فرح سيدير ويموّل، واكيم سيصمم ويُمنتج (والأمران شتّان، لمن لا يعرف)، وعبدكم الفقير للمال سيُحرر. منذ البداية كان القرار بيني وبين نفسي بأنني سأكون المحرر وليس رئيس التحرير. فمن المفروض لكي أكون رئيس تحرير أن أترأس هيئة تضم محررين يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، على الأقل. في “ترفزيون” لم يكن الوضع كذلك، وخاصةً أن الشيء الوحيد الذي تجاوز أصابع اليد الواحدة في هيئة التحرير الفتية هو عدد علب السجائر التي كان يُراق دخانها على مذبح المولود الجديد. اتفقنا على كل شيء، وأطفأنا أعقاب السجائر في الصحون النظيفة التي خلفناها بعد أن فرغنا من جليها بالخبز الطازج. ففي خالص الأمر، وعلى الرغم من المحاولات الصادقة والمؤثرة لعدم الأكل كثيرًا، فاجأنا أنفسنا مرةً أخرى وأكلنا كثيرًا.

***

“آلو مرحبا يا أفندم”، قلتُ بلهجة مصرية جِشّاوية.

“أهلاً يا فندم”، أجابت محدثتي من القاهرة.

“منتكلم من حيفا، وإحنا بدنا، أيه… عاوزين نعمل مجلة فيها دليل لبرامج الفضائيات العربية وبدنا، عاوزين، نحط برامج الفضائية المصرية كمان، أيه.. برضو”، أسهبتُ في الشرح.

أغلقت الخط في وجهي، فانغلقتُ. تلك الشابة المصرية، شديدة العداوة للتطبيع، شديدة الجهل، لم تفهم أنني عربي أكثر من إم إمها التي شربت من التِرَعْ حتى قبّ باطُها فانقبّتْ. فقلت لذاتي المتألمة: لمؤخرتي، فالخاسرون همُ. بعد يومين اتصل بي عصام (على ما أذكر) وقال إنه من السفارة المصرية، فصرخت في سري: دي العملية وسعت أوي. عصام أراد أن يفهم من أنا ولماذا اتصلت بالفضائية المصرية وما هي آرائي السياسية وهل أنا مع التطبيع وهل أشاهد برامج الفضائية، ومن أي تلفزيون (بعد أن لم يفهم كلمة “ترفزيون” الجديدة) وما رقم حذائي ومقياس بنطلوني ولون كلسوني (الذي لا ألبسه إلا عند التوجه الى مطار بن غوريون الدولي للاغتراب الموقت. مين عارف، قد اضطر لخلع كلسوني التخريبي في الغرفة إياها). بعد أن وعد عصام بمعاودة الاتصال بمكاتب الفضائية المصرية وإفهامهم بيّنة الأمر، لم يعاود الاتصال ولم ننشر ولو حرفًا واحدًا من برامج فضائية مبارك.

أحمد من مكتب “أيه آر تي” في القاهرة كان بشوشًا أكثر ولم يفعلها تحته بعد أن قلت له إنني من حيفا (هاي كيف لو قلت إني من إسرائيل؟). كلير من مكتب “المستقبل” في بيروت وريما من مكتب “الجزيرة” في الدوحة وأبصر مين من مكتب “الال بي سي” أعادوا لي الثقة بالتواصل العربي-العربي، من النهر الى البحر. فصارت علائم الوصال تنعكس على هيئه أيميلات (برائد الكترونية) تصلني من أصقاع العالم العربي الممزق، فكنت إذا وصل أيميلٌ من الدوحة أطرب له وأرقص، وآمرُ له بالقهوة، كصنيع قائد محلي مُتخلف، حتى أخال الشاعر قال ما قاله عني:

إذا ما بدا أغرى به كلَ ناظرٍ

كأنّ قلوبَ النّاسِ في حبّه قلبُ

***

ثم بدأت أكتشف أن العمل على تحرير “ترفزيون” فيه من المنافع شيء عظيم، ومن المكائد شيء أعظم. ومن المنافع أنني كنتُ إذا ما وردت المكتب أتلذذ بالمكيّف البارد والدنيا حر، وأنعم بدفئه في الشتاء والدنيا قر. ناهيك عن الوجوه الحسنة، والرفقة الطيبة، وعظيم الحب من الناس. وناهيك أيضًا عن القوة التي تراها تتجمع بين يديك، فكأن الدنيا لك، وكأن الناس اسوارة في معصمك. فكان أنني وَجَلتُ من الاثقال على الناس، وتحميلهم ما لا يُحمّل، فصرت أناقش الحشورة الأمورة، رضي الله عنها ورَضيتْ عنّا، وأقنعها بأن البعض من أخبارها، لا تدخل في عداد الصحيح، ولن تبقي على مستريح. فلما اشتد الشديد، وتعالى الوعيد، خررتُ صريعًا أمام صياحها فنشرنا الذمّ قبل المديح، ولم ننشر إلا الصحيح، فكان منها ذلك لي، درسٌ في الشجاعة، وتبيانٌ في البراعة. وهكذا كان الى آخر عهدي بالحشورة، التي صرت أخاف على جلدي منها، فاتقي الله في خلقه، ولا أبلبع البيرة في أبي النواس إلا أقلّه.

ومن المكائد أنني سمنتُ وتَرهّلتُ وبانت دهوني على خاصرتي وعند كرشي، فصارت مهمة أمي في أيجاد عروس لي أصعب وأكدأ. وكان ذلك كله من القعود على الإست ساعاتٍ، ومن طلب البيتزا (لعنها الله في كل محضر) في الليالي الطويلة.

ولما كنت على امتداد أيامي، أبحث عن السمين في الغث، وعن المأكول في المذموم، رأيت من المناسب إضافة عنصر جديد على العاملين، فجاء غالب كيوان، طال عمره، وصار زميلاً لنا وللعزيزة منى نداف، التي تولت مسؤولية سَكْرَتَرة التحرير بجدارة. ومن ثم هبّ الحماسي العرابي، فراس خطيب، فصار يسد مسد العزيزة الندافية، بعد أن قررت هجرنا، ويتّمت حالنا. وصار أن العرابي السؤدد، في قدره المسند، أضفى على العمل لونًا وعلى المداومة طعمًا، فكأني به أقول مع الشاعر:

لقد حسُنتْ بك الأوقاتُ حتى

كأنكَ في فمِ الدهرِ ابتسامُ

***

تركتُ العمل في “ترفزيون” قبل ستة أشهر بالتمام والكمال. كنت قد أتممت ستة اشهر أخرى، بالكمال والتمام، حين خرجت. لم يكن الخروج سهلاً كالدخول، وكلنا يعرف أهزوجة دخول الحمّام. في “ترفزيون” تعرفت مرةً أخرى الى صعوبة مهنة التحرير والكتابة. فالشهور الأولى كانت عصيبةً وشديدة. لم يكن من سبقنا الى فعلتنا، فلم يكن من نقلده ولم يكن من نتجنب أفعاله. كان علينا التأسيس من الصفر. وهنا كانت الصعوبة. ليس من الصعب عادةً الاستمرار في جريدة قائمة، حتى لو تغيرت من النقيض الى النقيض. ولكن التأسيس لنوع جديد من الصحافة المكتوبة (مجلة ترفيهية- فنية، دليل تلفزيوني، زاوية تقولات) كان في الحقيقة مهمةً بدت لي احيانًا في أثناء التحضير لها شبه مستحيلة. فاذا تغاضينا عن شحة المصادر وضيق ذات اليد، فان الكوادر الصحفية اليوم تمارس المهنة وفق أصول قديمة بعض الشيء، وهذا ليس حكمًا عليها أبدًا. الكثيرون منهم رائعون ومهنيون جدًا. ولكن القليل اليسير منهم يمكن أن يندمج في مجلة مثل “ترفزيون”. من هنا، فان كل من عمل ويعمل في المجلة منذ تأسيسها هم من الشباب (شبانًا وصبايا).

لن أدخل في متاهات التقييم ولو للحظة. هذه ليست مهمتي. لا تقييم الماضي الذي كنت مشرفًا عليه ولا تقييم الماضي والحاضر الذي أشرف ويشرف عليه غيري. هذه مهمة الآخرين. ولا أعتقد أن صفحات “ترفزيون” ستقفل أمام الناس، بل ستبقى مفتوحة أمام النقد الشديد عليها وعلى العاملين فيها، كما كانت عندما عملت فيها وكما هي عليه اليوم. وسأنتقد أنا أيضًا إذا سُمح لي: يجب التشديد اليوم على أمر أساسي انتهجناه في البداية عن دراية ووعي وتصميم، ولا يُتّبع اليوم كما يجب: يُمنع منعًا باتًا أن تُنشر أخبار حشاشيرية من هنا وهناك عمّن يعمل في المجلة! هذه قاعدة مقدسة يجب ألا تُنتهك. إذا لم يُعمل بها فإن المجلة ستجد نفسها في متاهاتٍ عصيبةٍ من الابتذال وسوء النية وتسخيف القراء. من يعمل في المجلة هو ليس مهمًا. هو غبار عابرٌ فقط. الناس هم المهمون. إذا فُقدت هذه البوصلة فُقد كل شيء!

***

مضت سنة. كيف تمضي الايام. في نصف سنةٍ تعرفت الى الكثير من أهل الفن والترفيه عن كثب. تعرفت أكثر الى هذا العالم الصعب، المليء بالمكائد والغيرة والحسد والتقولات وقلة الاطراء وكثرة التشويه وغزارة الشتائم وضيق الأفق وانغلاق الذات وانفراج التظاهر وانحطاط القيم وسيادة التكبر. ووجدت في هذا العالم ايضًا الكثير من القدرات، والعديد من الاشراقات وما طفح من الناس الطيبين، أيضًا.

ومن حسن حظي أنني أمارس مهنةً لا توفر للأيام ملذة طمس آثارها. من يكتب، أي نوع من الكتابة، يتحايل على النسيان. سنة كاملة من الكتابة في “ترفزيون” تخلدت لدي. سأجمع الأعداد وأضعها في خزانة الأرشيف. إذا كنت على قيد الحياة، عندما يكبر أحفادي، ولم أمت من السرطان وأنا في الأربعين، أو من القلب وأنا في الواحدة والأربعين أو من الأيدز وأنا في الثانية والأربعين أو من الضغط وأنا في الثالثة والأربعين أو من حادث طرق وأنا في الرابعة والأربعين أو من انفجار باص وأنا في الخامسة والأربعين أو من جرعة زائدة وأنا في السادسة والأربعين أو من الملل وأنا في السابعة والأربعين أو من سكين زوجتي وأنا في الثامنة والأربعين أو من قنبلة نووية وأنا في التاسعة والأربعين أو من مشاهدة الحلقات المعادة لبرنامج “كوكتيل” وأنا في الخمسين، فانني سأفتح لأحفادي الأعداد بتأثر وارتعاش وأشرح لهم عما كنت أفعله في السابعة والعشرين من عمري، وكيف أن هذا الخبر في الحشورة مسّ أعضاء من جسد أمي بشكل شخصي، وأن هذا الخبر كاد أن يعرضني للمقاضاة، وهذا أيضًا، وهذا، وكيف أن هذا المقال حمل اليّ تهديدًا تلفونيًا مبطنًا من شخصية رفيعة المستوى، بتطبيش العظام في الجهة اليسرى من قبر جدي الأكبر.

في كل الأحوال، كل عام و”ترفزيون” بخير. والحشورة بخير. وكل القيمين عليها بخير. وبرج الأسد بخير. فبعد أن تركت المجلة جاء العزيز هشام نفاع ليفقع برج الأسد كل أسبوع فقعةً مؤلمةً، إنتقامًا على كل المدائح التي كلتُها لبرجي في النصف سنة. كل ما أتمناه أن يعيد العزيز رائد فرح الاعتبار لبرج الأسد (وهو برجه أيضًا) إحترامًا لذكرى الأيام الخالية. وبالمناسبة، لا تبحثوا عن المدبسة الزرقاء، فهي عندي في البيت…

(نشرت هذه المادة في مجلة “ترفزيون”، تشرين الثاني 2003)