كانت على الآلة المُسجّلة ثلاث مكالمات: “هاي سمير، جولي تتكلم. اتصل بي إلى الفندق.. 6944588. على فكرة، الساعة التي قضيناها في غرفتي كانت عالمًا آخر (ضحكة قصيرة).. اتصل بي”؛ “سمير، أود رؤيتك. لقد جئت اليك صباحًا ولم أجدك. أنا أتكلم الآن من الشارع. سأعاود الاتصال. هذا عباس إذا كنت نسيت صوتي”؛ “سمير، ليليان تتكلم. أنا في الكلية الآن، سأعود عصرًا. إنما أردت تذكيرك بوجودي في شقتك. لا تعدّ الطعام.. في رأسي أكلة ستنسيك كل سني الفلافل التي مررتها في حيفا. باي”.

دخل إلى المطبخ وأعدّ لنفسه كأسا من الليمونادة المثلّجة. عاد إلى الشرفة، اقتعد كرسيه الوثير، مدّ رجليه على كرسيّ آخر وفتح على الصفحة الثالثة في الملحق. صورة كبيرة لغرفة استقبال في أحد بيوت الدعارة. أكثر من خمس فتيات يرتدين ما قلّ ودلّ من الملابس ويقتعدنَ أرائكَ وثيرة وغالية الثمن. العناوين لم تكن تختلف كثيرًا عمّا قرأه في مكتب عباس. “تقرير: عباس الجنوبي”. البداية مشابهة أيضًا، ثم بعض الجمل عن أماكن تواجد هذه البيوت.

“قبل أن نخوض في هذا العالم المليء بتفاصيله الخاصة وسيرورته التي تختلف كلية عن عالمنا نحن -عالم الزبائن- فلنبدأ بالكشف الخطير الخاص بملحق الجمعة. في بداية الاسبوع وتحديدًا يوم الأحد في الثالثة بعد الظهر، أصدر قاضي محكمة الصلح في حيفا أوامر اعتقال بحق أربعة شرطيين وضابط في شرطة حيفا وبحقّ ثلاثة مواطنين يُشتبه في إدارتهم وملكيتهم لأكثر من (21) بيتا للدعارة في حيفا. الأسماء التي وُجهت إليها الاوامر: يوسي ميخائيل، قائد قسم التحقيقات في شرطة حيفا؛ مئير دهان، محقق في قسم الآداب في شرطة حيفا؛ عبد سالم، محقق في قسم الآداب في شرطة حيفا؛ وڤيكي دزرائيلي، عميلة سرية في قسم الآداب في شرطة حيفا. بالإضافة إلى الشرطيين، رجل أعمال معروف ومدير شركة إرساليات تعمل في الكرمل ورجل “شاباك” متقاعد. الأوامر استصدرت بناءً على تحقيق شامل ومُكثّف استمرّ أكثر من شهريْن أداره “قسم التحقيق مع الشرطيين” التابع لوزارة العدل.

“يُستدل من نتائج التحقيق، وبناءً على معلومات موثوقة وصلت إلينا من مصدر رفيع في شرطة حيفا، أنّ الشرطيين الأربعة أقاموا ولأكثر من ثلاث سنوات علاقات “تجارية” مع عدد كبير من بيوت الدعارة في حيفا وفي منطقة الهَدار خاصة، تم بواسطتها تحويل مبالغ شهرية كبيرة من البيوت إلى يوسي ميخائيل، قائد قسم التحقيقات في شرطة حيفا، وهو بدوره قام بتقسيم المبالغ على الشرطيين الثلاثة المتبقين. كل المعتقلين تم تمديد اعتقالهم عشرة أيام.

“من المعروف حتى الآن يُستدلّ ما يلي: أصحاب بيوت الدعارة دفعوا للشرطيين حوالي عشرين ألف شيكل شهريًا لقاء التستّر على نشاطاتهم في المدينة، واستثناء البيوت التي يديرونها من قائمة المداهمات. بحسب الفحص الذي أجراه ملحق الجمعة فإنّ أيًّا من بيوت الدعارة التابعة للمواطنين المذكورين لم يُداهم بالمرة ولم يتم التبليغ عنه. مصدر رفيع في شرطة حيفا صرّح لملحق الجمعة بأنّ الشرطيين المتورطين في القضية سيتلقون، في حال ثبتت التهمة عليهم، أكثر من عشر سنوات حبس لكلّ واحد منهم. توجهنا إلى الناطقة بلسان شرطة حيفا، يافا هزوريّع، إلا أنها رفضت التعقيب على الموضوع واكتفت بالردّ: “الموضوع قيد التحقيق”.

“وإلى تفاصيل الكشف عن القضية: توجه قبل ما يقارب الشهرين شخص باسم غريغوري ڤيسوتسكين، مهاجر جديد، متزوج وله ولدان، إلى “قسم التحقيق مع الشرطيين” وأدلى باعترافه الخطي بضلوعه في شبكة رشاوى ضخمة بالإضافة إلى عمله في بيوت للدعارة تابعة لرجل أعمال معروف، واستعداده التام لمساعدة القسم في الكشف عن هذه الشبكة التي تمتدّ خيوطها بين أصحاب بيوت للدعارة في حيفا وبين شرطيين يقف على رأسهم قائد قسم التحقيقات. بعد تحقيق موسّع وشامل وسرّيّ للغاية مع السيد ڤيسوتسكين وفي الأماكن الصحيحة تم اطلاع وزير الأمن الداخلي ووزير القضاء على نتائج التحقيق وصدق ادعاءات غريغوري ڤيسوتسكين كلها. رئيس قسم التحقيقات مع الشرطيين اجتمع بوزيري القضاء والأمن الداخلي ووضعا خطة عمل دقيقة وسرية للغاية، نظرًا لحساسية الموضوع.

“كانت الخطة تقتضي الاستمرار بما يحدث وعدم التدخل حتى يتم توثيق كل شيء وسدّ كل الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها المشبوهون. غريغوري كان همزة الوصل بين مشغليه في بيوت الدعارة وبين يوسي ميخائيل. كانا يلتقيان مرة في الشهر للدفع ومرات أخرى غير ثابتة لتبادل المعلومات أو الاحاديث حول العمل ومتطلباته. المشكلة التي جابهت المحققين هي انعدام الصلة المباشرة بين غريغوري و”الرؤوس الكبيرة” المُدبرة. كان يحصل على التعليمات والنقود عن طريق الفحص اليومي للدرج الثالث في المكتب الموضوع في بيت الدعارة الذي يعمل فيه. لم يتكلم يومًا مع أحد عن الموضوع، أو يتلقَّ تعليمات مباشرة من أحد. حتى المرة الأولى تمّت بالطريقة نفسها. فتح الدرج ليجد مبلغًا كبيرًا من المال ومرفقة به ورقة كتب فيها ما عليه أن يعمله بالمبلغ، وفحصه اليومي للدرج. “مع المبلغ”، كُتب في الورقة، “ستجد دائمًا ألف شيكل هي حصتك من العملية”. في هكذا وضع بإمكان الشرطة الكمن لغريغوري ويوسي ميخائيل واثبات التهمة ضد كل الشرطيين. ولكن المشكلة كانت مع الطرف الآخر. فمن دون أدلة ثابتة أو توثيق للقاء مع أصحاب بيوت الدعارة، فإنّ تجريمهم أو اثبات التهمة عليهم هو أمر مستحيل، إذا أخذنا بعين الاعتبار أيضًا براعة المحامين الذين سيتوّلون الدفاع عنهم.

“وهنا دخلت الخطة. كانت الخطة تهدف في النهاية إلى التقاء ميخائيل بأصحاب البيوت وتسجيل المحادثة التي ستدور عن الرشاوى. كانت الصعوبة واضحة؛ أولا، الصعوبة الكبيرة في جعل “الرؤوس الكبيرة” يلتقون بيوسي ميخائيل، في الوقت الذي اتخذوا فيه إجراءات صارمة وشديدة الحذر لعدم الالتقاء به، وثانيًا، جعلهم يتحدّثون عن الرشاوى إذا ما التقوا به. هذان الأمران بدوا شبه مستحيليْن لولا الفكرة التي اهتدى إليها المقدم يوآف راز، من “قسم التحقيقات مع الشرطيين”، والتي يمكن القول عنها فقط إنها اعتمدت على عميلة سرية.

تُجنّد الفتيات العاملات في البيوت بطريقتين على الأغلب؛ الأولى، “إستيراد” الفتيات من دول الاتحاد السوڤييتي سابقا ومن دول أوروبا الشرقية. كان المكتب (بيت الدعارة) يشتري الفتاة بما يتراوح بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف دولار على الأقل. يتم دفع المبلغ إلى “الصديق” في الدولة الأخرى الذي يُجند الفتيات. منذ لحظة وصول الفتاة إلى المكتب، تنقطع صلتها مع “الصديق” أو مع العالم الخارجي، نهائيًا. ويتضح للفتيات سريعًا أنّ الحديث الذي دار عن 50 بالمئة من الأرباح وعن ظروف معيشة عالية، كان من وحي خيال “الصديق”. منذ اللحظة الأولى تُحبس الفتاة في غرفة معتمة وتعيش ثلاثة أيام متتالية من الاغتصابات والتجويع والتخويف. الهدف: إيصال بلاغ صارم ولا يقبل التأويل، إمّا العمل معنا وبشروطنا وإمّا ما أنت فيه. كل الفتيات يرضخن في النهاية بالطبع ويعبرن فترة تدريب وتأهيل من يومين، تتضمن شراء ملابس، التدرّب على فحص النقود للتأكد من أنها غير مزورة وحفظ الكلمات العبرية الضرورية للعمل (300 شيكل، مرتان، من روسيا، اسمي…، أسرع، أسرع).

“الطريقة الثانية للتجنيد هي محلية. المكتب ينشر إعلان “مطلوب” في الصحف وينتظر. نسبة التجنيد بهذه الطريقة تصل عادة إلى 30% من الفتيات ويكُنّ عادة إسرائيليات محليات. من الهام التشديد على أنّ ظروف عمل الإسرائيليات المحليات هي أفضل بكثير من الأخريات. فهُنّ لا يضطررنَ للمبيت في المكتب أو العمل ساعات طويلة ومنهكة قد تصل إلى 18 ساعة يوميًا وأحيانا أكثر. ناهيك عن أنّ الفتيات المحليات يُسوقنَ على أنهنّ الأفضل والأنظف!”

كانت بقية التقرير تتحدث عن اعترافات زبائن دائمين واعترافات عاملة سابقة في أحد البيوت. الكثير من الجنس والشذوذ والكثير من المبيعات للجريدة، في ذلك اليوم.

(إلى صفحة الرواية)