حُب صوفيّ يتواجد

“حب في غيمة” يكسر نمطية “شاعر القبيلة” التثويري أو الحشدي أو المنافق والمتملق. هذا الكونسرت لا يُشاهَد مرة واحدة فقط. عليكم أن تتجاوزا هول المشاهَدَة الأولى كي يتسنّى لكم هضمه بشكل أفضل وأكثر صَحوًا

علاء حليحل

ستكون هذه المرة الأولى التي أكتب عن عمل يشارك فيه أو يشرف عليه أخي عامر حليحل، الممثل والمخرج. هذه مكاشفة ضرورية للقراءة ومن يعتقد أنّ هذه المقالة مَرشيّة أو أنّ شهادتي مجروحة، يمكنه ببساطة أن يتجاهل ما سيأتي هنا.

برغم أنّ القيّمين على الكونسرت الشّعريّ “حبّ في غيمة” لم يُعلنوا عنه عملاً صوفيًا، إلا أنني سأحاول أن أشير إلى أنّ هذا الكونسرت الجديد وغير الاعتياديّ هو كذلك. ولكنني سأبدأ بالموسيقى. فأنا منذ سنوات فقدتُ أيّ فضول لمشاهدة عروض أو كونسرتات موسيقية، وخصوصًا الفلسطينية منها، لا لأنني أكره الموسيقى الفلسطينية، التقليدية والمعاصرة، بل أحبّها وأستمع لها بشكل دائم وأقدّر مُنتجيها وواضعيها. لكنني لا أحبّ الجديّة المفرطة في مثل هذه العروض. فمعظم الموسيقيّين على الخشبة يتعاملون مع العروض وكأنها امتحان للتوجيهيّ أو تقديم لأطروحة الدكتوراة، يظلون طيلة العرض جديّين ورصينين ويحسبون حساب كلّ كلمة ولفتة وكأنّ كلّ مهنيّتهم (الجميلة والقوية) مطروحة على المحكّ إذا ما ابتسموا أو –والعياذ بالله- وقفوا ورقصوا مع الجمهور وصفقوا معه وتبادلوا الحديث والنكات. ناهيك طبعًا بالاستحواذ الكبير بعدم الخروج عن النصّ (الموسيقي) وحذافيره وتلابيبه وأصول الطَّقس، وكأنه نصّ مقدّس لا يجوز سبر أغواره وتركه يحيا حياة جديدة منفلتة مع الجمهور الحيّ الذي غلّب نفسه وأتى لمشاهدة العرض.

وعلى عكس كلّ هذه الجديّة يأتي فرج سليمان الرائع ويكسر كلّ مفاهيم الأداء الموسيقيّ عندنا. فهو عازف بيانو ومُلحّن بالغ الموهبة، لكنه آثر في هذا العرض أن “يعزف” على العود والتشيلو، وهو لا يجيد العزف عليهما كما يجب، فاتحًا كلّ الأبواب والبوابات أمام الارتجال الحقيقيّ ومحتضنًا الموسيقى بحبّ غامر لدرجة إلغاء نفسه كموسيقيّ يجب أن يثبت حرفية ومهنية عالية، تاركًا المنصّة لنقرات خفيفة على ظهر العود وبعض “الزعرنات” اللطيفة مع التشيلو. هذا فعل آسر وخلاّب، لا بديل عنه في مثل هذا العرض ولا يمكنني أن أتخيّل عرضًا كهذا مبنيًا على التجريب من دون توجّه كهذا. لقد سطعت مهنية وحرفية سليمان لأنه تنازل عن الرغبة في إثباتها، وأثبت أنّه مُجدّد عربيد و”وقح” ولا يخشى النظر في عينيْ الموسيقى التي ترتدي ربطة عنق وضربها على قفاها لتترك المنصّة سريعًا. لقد أعاد سليمان في هذا العرض الحياة لفعل “يلعب الموسيقى” (Play) واستبدل الفعل الجامد والرسميّ “يعزف” أو “يقدّم”. الموسيقى في هذا العرض لَعوب وفيها من “الزعرنة والشغب” ما يكفي لملء أكبر القاعات بالحبّ والشبق والدهشة والرغبة الكبيرة في احتضان من يجلس إلى جانبك.

وإلى جانب ذلك، تأتي النصوص الشعرية (نزار قباني ومحمود درويش وجمانة حدّاد وطه محمد علي وأنسي الحاج) حارّة وسرديّة ودراميّة بامتياز، وذلك بفضل الإعداد النصيّ والدراميّ، حيث تحوّلت القصائد الخمس إلى ما يشبه الملحمة الطويلة المترابطة، تتصاعد بتوتّر لاهثٍ، يشبه إلى حدّ كبير سعي الصوفيّ إلى الوجد عبر إنهاك جسده. فالتواجد هو السعي اللانهائي لإدراك سرّ الذات الإلهية، التواصل معها والذوبان فيها، وهو في هذا العرض سعي لا نهائيّ لإعادة الاعتبار لقصيدة الحبّ وحالة الحبّ والتناقضات القائمة في طقوسه الكثيرة. أداء عامر حليحل وتريز سليمان وميسان حمدان وإباء منذر يُذيب الفوارق بين الغيم المحيط بالمنصة وبين ترابيّة التقنيات الأدائية، فلا تعرف كيف غطست في الكرسيّ واكتسبت تعبيرًا واحدًا لا يتغيّر هو نصف الإغماضة التي تدفعك لوقف الرؤية ورؤية الرؤيا. ويندمج هذا مع الخيار الذكيّ الموسيقيّ: فسليمان كان ينقر مقطوعات قصيرة ويسجلها في بث مباشر ثم يطلقها للفضاء تعود على نفسها (Loop) لتتراكم المقطوعات فوق بعضها البعض في تكثيف كبير لعملية التواجد اللانهائية التي تنبني في العرض. دائرة متنامية من الشعر والموسيقى.

لقد كسر هذا العرض النمطية المتداولة في الأمسيات الشعرية التي نعرفها: فالنص لا يعطي الدور للعود أو الكمان، والعود لا ينتهي من وصلته ليبدأ الشعر، وهكذا دواليك. ما يفعله “حب في غيمة” هو مستوى جديد ومليء بالتحدّيات لمثل هذا النوع من الحضور المسرحيّ والشعريّ، وفي نهايته تقول لنفسك بتأكيد لا تأتأة فيه: بالطبع! كبار المسرحيين شعراء، من الإغريق مرورًا بشكسبير ولوركا ومحمد الماغوط وممدوح عدوان. هذا كونسرت عصيّ على التعريف خصوصًا أنّ الاثر الذي يخلّفه على المشاهد(ة) لا شبيه له ولم تعشه من قبل في الثنائية التي اعتدنا عليها: مسرح أو شعر.

“حب في غيمة” يكسر نمطية “شاعر القبيلة” التثويري أو الحشدي أو المنافق والمتملق. هذا الكونسرت لا يُشاهَد مرة واحدة فقط. عليكم أن تتجاوزا هول المشاهَدَة الأولى كي يتسنّى لكم هضمه بشكل أفضل وأكثر صَحوًا. ومن يدري، فربما نجحتُ في المرة القادمة بكتابة مقالة فيها ولو القليل من الانتقاد.

حب في غيمة ■ نصوص: نزار قباني ومحمود درويش وجمانة حدّاد وطه محمد علي وأنسي الحاج ■ الرؤيا الفنية وبمشاركة: عامر حليحل وتريز سليمان وفرج سليمان ■ مع مشاركة: ميسان حمدان وإباء منذر ■ إضاءة: فراس طرابشة ■ صوت: أمير خليلية.

 (نشرت هذه المادة في موقع قديتا بتاريخ 5 نيسان 2014)

تقديم تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *