الحافلة- قصة قصيرة

علاء حليحل

تهادتِ الحافلةُ الحافلةُ بالركّاب وهي تتوقفُ عند المحطة القادمة، من دون أن يعرفَ كيف سيدخل كلُّ هذا الجمع الواقفِ عند المحطة، إلى هذه الحافلةِ الحافلةِ بالركابِ. أزاح رأسه صوبَ الشباك، ونظر صوب الجمع الواقف عند المحطة القادمة وتساءل عما إذا كان السائق سيتوقف وسيفتح البابَ لهم، رغم الاكتظاظ الكبير. ثم توقفتِ الحافلة. فتحَ السائق البابيْن، الأمامي والخلفي، وصاح في الميكروفون: “أرجو من الواقفين في الوسط أن يعودوا إلى الخلف”، ثم أعادها مرة ثانية وقد بدأ منسوبُ العصبية يزدادُ.

لم يعُد الواقفون في الوسط إلى الخلف، ليس لأنهم كانوا شريرين أو سيئين، بل لأنه لم يكن مكان في الخلف يعودون إليه. صاح السائق مرة ثالثة في الميكروفون، وكانت عصبيته بائنة وواضحة: “أرجو من الواقفين في الوسط أن يعودوا إلى الخلف”!! في مثل هذه المواقف كان يُفضّل عادةً أن يصطنع النوم، أو أن يُغلق عينيه على الأقل، ريثما تتوقف الدوكة، لئلا يُنظر إليه بازدراء لأنه لا يقوم ويُجلِس مُسنةً أو مُسنًا مكانه. لكنه لا يريدُ أن يقومَ الآن في نهاية اليوم وبعد 12 ساعة من العمل المتواصل.

وكان اعتاد أن يقول لنفسه وهو يرى المُسنين والمُسنات يقفون في الوسط ويكادون يقعون عليه كلما تمايلت الحافلة، مَيْمنةً أو مَيْسرةً: “فليذهب كلُّ المسنين إلى الجحيم. هم يجلسون طوالَ اليوم من دون عمل يُذكر وأنا تُفتح مؤخّرتي في العمل. فليذهبوا إلى الجحيم”!

بعد أن يئس السائق من إمكانية دحش رُكّاب آخرين، أغلق بابَ الحافلة من دون أن يراعي أولئك الواقفين على درجاتِ الحافلةِ والمحشورين بين داخل الحافلة وخارجها. تعالتِ الصيحات من هؤلاء وتعالتِ الصيحاتُ ممن بقوْا خارجَ الحافلةِ مُعلَّقين بين السماءِ والأرضِ، ثم صرخت مُسنة حُشرت كالسردينة بين رجليْن ضخميْن: “ألا تخجل من نفسك؟ ألا تخجل؟ ألا تخجل؟” ثم قال السائق: “يللا أيتها السيدة، إما أن تبقي أو تنزلي! يللا”…

تهادتِ الحافلة رويدًا رويدًا وهي تحاول أن تشُقَّ طريقها الثقيلة في أحد شوارع المدينة الصاعدة نحو الجبل، ثم نظر إلى حوله، وللأمام وللخلف، ثم نظر ثانية. ورغم أنّ الحافلة كانت ثقيلة ومليئة بالركاب حتى الاختناق، إلا أنه لم يَرَ سوى أخيلة شفافة تقف محشورةً في الحافلةِ وتحاولُ ألا تقع إلى أحد الجانبيْن، حين تميلُ الحافلة مَيْمنةً أو مَيْسرةً.

ألقى برأسه على نافذة الحافلة الزجاجية الكبيرة، وكل ما تمنّاه في سِرِّه في تلك اللحظة، لو أنه مات في يوم أكثر هدوءًا…

(نشرت هذه المادة في موقع ’عرب48’’ بتاريخ 12 حزيران 2005)

Related Posts

  • 59
    يرى أنّ الصحافة والأدب يكمّلان بعضهما البعض، رغم أنهما يتضاربان في بعض الأحيان. ويعتبر في لقاء مع "أشرعة" أن الصحافة تبحث عن النص الصريح والمكشوف والفوري والأدب يتطلب نصًا خبيئًا (سَبْتكست) لا يخاف التورية والغموض والالتفاف على التفاصيل أحيانًا". وحول تطرّقه إلى مسألة الهوية الفلسطينية في أراضي 48 في رواية…
    Tags: أو, أن, إلى, قصة, حليحل, علاء, ثقافة, أدب
  • 57
    وفي مسابقة القصة القصيرة حصل صاحب قصة "زيارة متوقعة" على الجائزة الأولى، فيما تقاسم علاء حليحل (فلسطين)، وليد معماري (سورية) وماري طوق (لبنان) الجائزتين الثانية والثالثة معًا، حيث سيحصل كلٌ منهم على 500 دولار أمريكي. وستقوم "السفير" بنشر القصص الفائزة في قسم خاص يوم غد الجمعة.
    Tags: حليحل, قصة, علاء, قصيرة, ثقافة, أدب
  • 54
    تُعقد يوم بعد غد الجمعة (1 شباط)، ندوة خاصة لنقاش وإطلاق كتاب "الأب والابن والروح التائهة" للكاتب علاء حليحل، الصادر عن "دار العين" للنشر في القاهرة. وتجري الندوة في مقر المعرض الدولي للكتاب في القاهرة في مدينة نصر، في الساعة الخامسة مساءً.
    Tags: حليحل, قصيرة, علاء, الحافلة, قصة, ثقافة, أدب
  • 53
    وقصص علاء حليحل التي جمعها تحت عنوان مثير "قصص لوقت الحاجة" وصدرت عن دار الآداب في بيروت بعد أن فازت بجائزة القصة القصيرة التي نظمتها مؤسسة عبد المحسن القطان ضمن برنامجها للثقافة والعلوم، من هذا النوع الذي يُثير ويشدّ ويطرح الأسئلة ويصعب القبض عليه فيما لو أردت الوقوف على سر…
    Tags: أن, إلى, علاء, أو, حليحل, قصة, ثقافة, أدب
  • 51
      في منتصف شباط 2005 أصيب الكاتب الراحل سلمان ناطور بنوبة قلبيّة تجاوزها، وها هو الآن، بعد عشر سنوات بالضبط، وفي منتصف شباط، يُصاب بنوبة قاتلة لم تمهله. نُشرت هذه المقابلة معه في مطلع آذار 2005 في صحيفة "المدينة" في حيفا، ونعيد نشرها بعد رحيله المفاجئ والموجع، وفيها خططه للسنين…
    Tags: أن, أو, إلى, أدب, ثقافة, علاء, حليحل

تقديم تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *