علاء حليحل

نُشر صباح اليوم، الأربعاء، أنّ أريئيل شارون، رئيس الحكومة الاسرائيلي، يخطط لطرح خطته الانفصالية -التي مُنيت بهزيمة شنيعة في استفتاء منتسبي “الليكود”، أخيرًا- أمام الحكومة التي يتزعمها، في مطلع الأسبوع القادم. ولكي يحظى شارون بأغلبية في حكومته فإنه سيلجأ إلى خدعة بسيطة: تقسيم خطة الانفصال إلى مراحل عينية، يجب على الحكومة لاحقًا أن تصادق على كل مرحلة ومرحلة فيها. ما هي هذه المراحل؟ الانسحاب من المستوطنات في قطاع غزة مع الحفاظ على السيطرة العسكرية الاسرائيلية على “معبر فيلادلفيا” والمعابر الحدودية؛ والانسحاب من أربع مستوطنات في الضفة الغربية فيما بعد.

وعلى الرغم من الصعوبة في التكهن بميزان القوى في الحكومة الحالية إلا أن المراقبين السياسيين يقدّرون أنّ الحكومة مقسومة إلى قسمين متساويين في دعم ورفض هذه الخطة، وهم يرجّحون أن شارون سيحاول إقناع “الحلقة الأضعف” في المترددين، وهو وزير الخارجية، سيلفان شالوم (شالوم يخشى من انهيار الحكومة واضطرار شارون للتحالف مع حزب “العمل”، وبالتالي ضمان وزارة الخارجية التي يحبها جدًا لبيرس أو غيره من حزبه). لفهم الصورة بشكل أبلغ، لا ضير في ترسيم ملامح عريضة لهذه الحكومة بحسب التقسيمات الحزبية فيها: في هذه الحكومة (15) وزيرًا من “الليكود” (العدد يشمل شارون) وهم: بنيامين نتنياهو، سيلفان شالوم، ليمور لفنات، أيهود أولمرط، عوزي لانداو، غدعون عزرا، مئير شطريت، شاؤول موفاز، داني نافيه، يسرائيل كاتس، تساحي هنغبي، نتان شَرَنسكي وتسيبي لفني. من “شينوي” خمسة وزراء: يوسف (طومي) لبيد، أليعازر زندبرغ، يهوديت نؤوت، أفرهام بوراز ويوسف بريتسكي. من “هئيحود هليئومي” (الوحدة القومية) ثلاثة وزراء: أيفي أيتام، بيني ألون وأفيغدور ليبرمن. من “المفدال” وزيران: يتسحاق ليفي وزفولون أورليف.

الشق اليميني في حكومة شارون مؤلف من نصف وزراء “الليكود” و”المفدال” و”هئيحود هليئومي”، وشق المركز أو اليمين المعتدل مؤلف من نصف وزراء “الليكود” و”شينوي” (وزراء “شينوي” بعدد وزراء “هئيحود هليئومي” و”المفدال”). هذه التقسيمة هي مأزق لشارون، ولكن، وهذا هو السؤال المطروح في هذه العجالة: هل ستؤدي إنتخابات جديدة إلى نتائج أفضل لشارون، أم أنّ خيار حكومة “وحدة وطنية” جديدة هو الأفضل في مآل الأحوال الآني، أم أنّ الوضع الحالي هو الأفضل له بالذات؟

في طرحه لهذا السؤال أمام نفسه فإن شارون ينظر في الأمور التالية:

“اليسار الصهيوني”: قد تكون المظاهرة التي جرت يوم السبت الأخير هي مظاهرة نادرة جدًا -وربما الوحيدة- التي يخرج فيها (150،000) متظاهر من لب “اليسار” الصهيوني، ليدعموا رئيس حكومة من “الليكود”، وليس أيّ رئيس حكومة؛ ليدعموا أريئيل شارون، نفس الشخص الذي تظاهر ضده (400،000) متظاهر من نفس المعسكر في العام 1982، في أعقاب اجتياح لبنان ومجزرة صبرا وشاتيلا، وفي نفس الموقع: ميدان “رابين” في تل أبيب، الذي كان اسمه وقتئذ ميدان “ملوك إسرائيل”، لأنّ رابين لم يكن قد قُتل بعد. المهم في هذا السياق هو أنّ اليسار الصهيوني يدعم شارون في خطته بلهفة (اليسار لم يطرح بعد بثِقل مسألة تنصّله من دعوته التاريخية إلى إبرام اتفاق متبادل مع الفلسطينيين، ورفضه للحلول الأحادية الجانب؛ هذه الاشكالية التي حُلّت في المظاهرة الأخيرة عن طريق الشعار المزودج المتنصّل: “نخرج من عزة؛ نبدأ بالكلام”). هذا الدعم مريح جدًا لشارون لأنه يعفيه من ربط نفسه بـ “اليسار” الصهيوني وحزب “العمل” في مرحلة لا يودّ فيها أن يبدو “يساريًا” أكثر من اللازم، وفي نفس الوقت، يمنحه شبكة أمان ودعم في الكنيست والشارع الاسرائيلي هو بأمسّ الحاجة إليهما. في هذه النقطة، يلعب “اليسار” الصهيوني في ملعب شارون ويحمي مرماه بحرقة، من دون أن يحظى بإمكانية تسجيل أيّ هدفٍ في أيّ مرمى على الاطلاق!

كما أنّ شارون ومستشاريه ينظرون إلى المظاهرة الأخيرة وإلى رصّ الصفوف في اليسار الصهيوني، عن طريق حركة “ياحد” الفتية بزعامة يوسي بيلين، ألدّ أعداء اليمين الاسرائيلي، وينظرون أيضًا إلى تذمّر الشارع والمصوّتين من بلدات التطوير والموشافات الفقيرة (معقل “الليكود” التاريخي) من الوضع الاقتصادي وما تفعله حكومة شارون واليمين بفقراء شعب إسرائيل، ينظرون ويسمعون ويمتلئون خوفًا!

إذًا من الجائز التقدير في هذا السياق أنّ شارون راضٍ عن الوضع القائم وليس من مصلحته التوجه إلى انتخابات، إذا كانت هذه هي المسألة الحاسمة في التوجه إلى الصناديق.

“اليمين والمستوطنون”: منذ بدء شارون في الاعلان عن “الحاجة إلى إنهاء الاحتلال واستحالة استمرار السيطرة على ثلاثة ملايين ونصف المليون من الفلسطينيين” وانتهاءً بخطته الانفصالية أحادية الجانب، واليمين في مأزق قيادي حقيقي. وفي ضوء محاولات اليسار الصهيوني الحثيثة لبناء قيادة جديدة ومتراصة تطرح بديلا للوضع الذي ساد في هذا المعسكر منذ هزيمة أيهود براك المُذلّة (الذي يسعى للعودة مجددًا!!)، فإنّ اليمين يتحدّر بسرعة نحو فراغ قيادي في حالة استقالة شارون أو الاطاحة به من قيادة “الليكود” لصالح بنيامين نتنياهو أو أيهود أولمرط أو حتى شاؤول موفاز. من هنا الشعار السْكيسوفريني الذي انضوى تحت اليمين والمستوطنين في حملتهم المرتبة والمنظمة ضد خطة شارون الانفصالية: “نحبّك شارون؛ نصوّت ضد الانفصال”. أي أنّ اليمين والمستوطنين، وعلى الرغم من معارضتهم الكبيرة لما يقوله ويفعله شاورن في الفترة الأخيرة، لا يجرؤان بأي حال من الأحوال على الدعوة للإطاحة به، لأنهم يقدّرون، وهذا تقدير مُرجّح بكافة المعايير، أن الطوفان من بعد شارون.

فأيّ قائد يميني يأتي مكان شارون لن ينجح في لملمة أشلاء معسكر “اليمين-المركز” ولن ينجح في فرض قيادة يمينية تنجح في جمع “شينوي” و”العمل” إلى جانب طاولة الحكومة. فاليمين، تاريخيًا، يخاف من أن يكون يمينيًا أكثر من اللازم، كما أنّ “اليسار” كان يخاف، تاريخيًا، من أن يبدو يساريًا أكثر من اللازم (يمكن استشفاف هذا الادعاء من تركيبات الحكومات المتعاقبة التي ألّفها اليمين واليسار على السواء). شارون، اليوم، ولهول المفارقة وسخريتها، هو اليميني المركزي الذي يستطيع المحافظة على حكم اليمين من دون أن يفقد شرعية حكم اليمين ومن دون أن يخضع لإملاءات “اليسار” أو المركز الصهيونييْن (لا أحد على فكرة يعتقد أنّ شارون بادر لخطته الانفصالية بضغط من اليسار أو “شينوي”؛ خطة شارون الانفصالية هي خطته مئة بالمئة وقد يكون من الجدير التمحيص جيدًا وعميقًا في السؤال الذي يتبادر إلى ذهن الكثيرين اليوم: هل حقًا تغيّر أريئيل شارون؟).

شاورن والجيش: لقد نجح شارون نجاحًا باهرًا في بناء جدلية مثيرة (سياسيًا) بينه وبين قيادة الجيش الاسرائيلي. فعندما يكون مريحًا له إبراز سطوته وقدراته العسكرية (الاجتياح في 2003؛ اغتيال الشيخ أحمد ياسين) فإنه يبرز في هذه الاعتداءات العسكرية كنجم ساطع. حتى أنّ الدعاية الاسرائيلية لم تنسَ لثلاثة أيام متواصلة التذكير صبحَ مساءَ بأنّ شارون قاد شخصيًا عملية تصفية الشيخ أحمد ياسين. ولكن في عمليات أو نشاطات تكون مصحوبة عادةً برفض إسرائيلي داخلي وآخر عالمي، يخبو نجم شارون وينسحب بهدوء ليسلّم الدفة لموفاز وقائد الأركان العامة، موشيه يعلون. هل رأيتم أو سمعتم شارون في الأيام الأخيرة في “مجزرة رفح”؟.. أبدًا، موفاز ويعلون هما نجما هذه العملية!

هذا نجاح آخر لشارون في الساحة السياسية الاسرائيلة وهو يؤثر على قطاعات واسعة في الجمهور الاسرائيلي، ما عدا العرب مواطني الدولة الذين لن ينسوا شارون قبية وصبرا وشاتيلا- ولكن هذا لا يهمه أبدًا، فهم ليسوا في جدول اهتماماته- الأيجابية على الأقل.

هذه النقاط أعلاه تأتلف جميعها إلى نقطة أخرى لا تقل أهمية وهي “فزاعة العمل”. في كل أزمة ائتلافية يهرع شارون للاتصال ببيرس ويهرع بيرس بدوره إلى الانكار وهلم جرًا. هذه لعبة صارت سمجة بعض الشيء في المشهد السياسي الاسرائيلي، لأنها لم تعد تقنع أحدًا بالضرورة. ليس من مصلحة شارون أبدًا إقامة حكومة مع “العمل” قريبًا وليس من مصلحة اليمين الحتمية أن يفعل ذلك. من هنا يجوز التقدير أنّ خطة شارون الانفصالية ستحظى بأغلبية (ضئيلة، بحسب التقديرات أعلاه)، وعندها سيخرج المستوطنون إلى الشوارع ثانية. ولكن معركتهم عندها ستكون أصعب، لأنّ شعار “نحبك شارون، نصوت ضد الانفصال” لن يجدي نفعًا هنا. فالحديث عندها سيدور عن حكومة إسرائيل كلها، وعندها على اليمين المتزمت وأحزابه أن يقررا في لحظة حاسمة: الاكتفاء بالاحتجاجات الشعبية أم القيام بخطوة انسحاب سياسية تدفع بشارون إلى أمرين أحلاهما مُرّ: انتخابات جديدة، أو حكومة مع “العمل” و”شينوي”.

ويجب ألا ننسى في هذا السياق أن توجه شارون للانتخابات في العام 2003 لا يتشابه بحيثيات وظروف المرحلة الراهنة. أولا، لأنّ تلك الانتخابات جاءت لتنقذه وتنقذ طروحاته شبه الحمائمية من براثن اليمين القومجي، ومثل هذا الأمر لن ينجح هذه المرة لأنّ “اليسار” الصهيوني يمكن أن يثبت بسهولة أن شارون فشل في كل هذه المساعي وأنّ “الليكود” هو المعرقل الرئيس للسلام، ومن هنا انتفاء أسطورة أن “اليمين وحده قادر على إحلال السلام”. ونقطة أخرى تلعب ضد فكرة الانتخابات الآن هي الهبوط المؤكد لحزب “الليكود” في أعقاب عودة الكثير من مصوتي “الليكود” المتوقعة إلى أحزاب مركز (“شينوي” و”العمل”) أخرى، نتيجة لإفشال “الليكود” لخطة شارون. أي أنّ نتائج استفتاء “الليكود” ستستمر في الإضرار بشارون مرة أخرى وعلى نطاق أوسع بكثير.

“الانجاز” الأكبر لشارون في سنته الأخيرة، في تقديري، هو تصدير الأزمة من “اليسار” الصهيونيي إلى يمين الخارطة. وفي هذا السياق على اليسار الصهيوني أن يشكر شارون جزيل الشكر على هذه الخدمة. ومع كثير من المفارقة، مثل المفارقة التي رافقت المظاهرة في السبت الأخير، يمكن أن ينتج بعد سنة أنّ منقذ “اليسار” الصهيوني الأكبر هو أريئيل شارون بالذات!

(نشرت هذه المادة في تاريخ 19 أيار 2004)