“يعلو” خليط من السنوات والتراكم والبناء. من تتبع مسيرة حبيب شحادة حنا يعرف ذلك، ويمكنه أن يشير إلى المحطات البارزة، مع أنّ الألبوم انطوى بكلّ محتوياته تحت توزيعات ونَفَس موسيقيّ متجانس، يعكس النضج والذوق الموسيقيّ الذي يعيشه حبيب اليوم

علاء حليحل

الموسيقى في مقطوعة “يعلو” تعلو في الفضاء، كما تقول كلمات الأغنية. تتصاعد الأغنية واثقة بقدرتها على جذب السمع والإصغاء، توتّرها القويّ المتين، حضور الكمان كخلفيّة مهيمنة تعيد إلى النفس كل أصداء الكمنجات التي تراكمت في البال طيلة العمر. “يرقص أمام ظلاله” تقول كلمات أكرم الصفدي، وهي استعارة بلاغيّة قويّة، تعكس روح اللحن أيضًا. رقص متسارع نابض يلقي بظلال حتميّة لكلّ من يصغي لهذه الأغنية بعينيْن مغمضتيْن. حبيب شحادة حنا يُنجز أغنية مدوّرة، اللحن يحتضن الكلمات القليلة ويلفّها بانسياب عذب نادر. شعوري الدائم المهيمن عند الاستماع لمعظم الموسيقى الفلسطينيّة المعاصرة هو اغتصاب اللحن أحيانًا من أجل ملاءمته للجمل النصيّة الطويلة أو الخارجة عن الإيقاع الداخليّ للأغنية. “يعلو” تحفة موسيقيّة تلعب على المساحة القائمة بين الهدوء والتوتّر، بين الغضب والتسامح، بين الحزن والفرح. وصوت ريم تلحمي الخاصّ والمتميّز في بعض الأغنيات يزيد من هذه التناقضات اللازمة لجعل الموسيقى حالة اضطرابٍ آسرة لا هدوء فيها ولا طمأنينة مفتعلة.

“يعلو” هو أيضًا اسم الألبوم الذي أصدره الموسيقيّ الفلسطينيّ ابن الرامة حبيب شحادة حنا، مدير جمعية “المشغل” في حيفا لتدريس الموسيقى، بدعم من مؤسسة عبد المحسن القطان، وهو بإنتاجه الشخصيّ بالتعاون مع “المشغل”. ويتألف الألبوم من 10 أغانٍ ومقطوعات، أقصرها “أول مرة” (3:20) وأطولها “مستورة” (8:42).

اللحن الموضوع لأغنية “وردة بنيسان” جميل وعذب، منح صوت رنا خوري مساحة واسعة من الهدوء الجميل الذي يوحي بحقول شاسعة من القمح أو عباد الشمس. لون أصفر ذهبي ممتدّ اتسع قبالتي، وسأترك تفسير ذلك للمحلّلين النفسانيّين الذين يحبّون الربط بين الأصفر وجنون فان غوخ. “أنا بحبك وردة بنيسان” تغني رنا، وتطغى فجأة عذوبة الربيع النيسانيّ الفلسطينيّ، بفضل الإيقاع البسيط المترامي والممتد بوتيرة ثابتة وخفيفة. مرة أخرى يلفت انتباهي الكمان، في تدخلاته الفجائية القصيرة، كأنه مشاكس ربيعيّ يفرض حضوره الجميل من مرة لأخرى، خارج الجوقة.

مقطوعة “المحطة” هي نموذجية لحبيب شحادة حنا. قدرة عزف استثنائية من دون استعراض عضلات زائد. العُود في يده صديق وليس ندًّا، حُبّ ظاهر بينه وبين آلته المفضّلة، لا يُعمي البصر أو يصمّ الآذان، بل يترك المجال للمستمع لاستيعاب هذه العلاقة الحميمة. الحميمية التي يعزف بها حبيب هذه المقطوعة مُعديَة، وهي تأخذ بيدك كي تجلس عند حافة الموسيقى وترتشف القهوة بسكينة.

من يبحث في “يوتيوب” والانترنت سيجد صيغًا كثيرة لأغنية “بحذا حبيبتي”، ولذلك تبرز في هذه المقطوعة بالذات مهنيّة حبيب وكونه موسيقيًّا استثنائيًا. فبين الصيغ الكثيرة لهذه الأغنية، نجح حبيب بوضع صيغة يمكن التعرف بسهولة أنها له. هذه بصمته الخاصة، رؤيته العينيّة لأغنية غُنّيت وستُغنى، هذه “أغطيّة” (ترجمة رازي نجار لمصطلح cover، الذي يعني أداء جديدًا وخاصًا بشخص ما لأغنية قديمة أو معروفة) جميلة، رشيقة ونبضها سريع، على عكس “أغطيات” أخرى لهذه الأغنية، يمكنكم تتبعها في يوتيوب والانترنت (هنا، وهنا، وهنا وهنا…).

أمّا مقطوعة “رقصة” فهي تحفة للسامعين. التوزيع الموسيقيّ فيها منعش وذكيّ وآسر. توزيع غنيّ ومؤثّر أنصف اللحن أيّما إنصاف. لأجل مقطوعات كهذه يحبّ المرء الموسيقى ويحبّ حبيب شحادة حنا. مقطوعة حزينة من دون ابتذال، تلعب على أوتار الغدد بلا استبداد. إنها من المقطوعات التي تجعل المرء يعضّ أصابعه ندامة لأنه لا يعرف العزف أو لم يدرس الموسيقى كما يجب. ثم في الدقيقة 1:52 تنفلت المقطوعة من عقالها: يتسارع الإيقاع ويسيطر، كأنها فرس جموح انتظرت اللحظة المناسبة. مثل هذه المقطوعات تُحيلك إلى تواصيف وتعابير لم تكن تتخيّل أنك بحاجة إليها (فرس جموح). ثم تهدأ قليلا وتوهمك بالبطء، لتعود سريعة كثيفة. وفي 4:06 يسيطر العود طالبًا حصّته من الرقصة. إنها من أكثر المقطوعات في الألبوم التي تطلب الارتجال، تتوسّل إليه. أعتقد أنّ أداء هذه المقطوعة على الخشبة أمام الناس كما هي في الألبوم سيكون جريمة نكراء. مقطوعة “الرقصة” تدعو للانفلات والرقص، للتمرّد والانفعال، للارتجال الذي قد يأخذها إلى مساحات جديدة من دبيب النمل الراقص.

“شو كان عندي إلك” أغنية التصقت بحبيب ومشواره الفنيّ وبحقّ. لن أكتب عنها أكثر من أنها وجه من وجوه مشروعه الفنيّ الغزير، وبصمة في مشهدنا الموسيقيّ. أمّا “راجعين” فهي مرتبطة عندي بمسرحية “بين حرب بين” التي أخرجها نزار زعبي. هُناك كُتبت ولُحنت، مع أنها في هذا الألبوم اتخذت توزيعًا وطابعًا مختلفًا، خصوصًا بفضل الدمج الذكيّ والموفق بين صوتي ريم تلحمي وعلاء عزام، الممتاز كالعادة.

ألبوم “يعلو” خليط من السنوات والتراكم والبناء. من تتبع مسيرة حبيب شحادة حنا يعرف ذلك، ويمكنه أن يشير إلى المحطات البارزة، مع أنّ الألبوم انطوى بكلّ محتوياته تحت توزيعات ونَفَس موسيقيّ متجانس، يعكس النضج والذوق الموسيقيّ الذي يعيشه حبيب اليوم.

شارك في الألبوم: حبيب شحادة حنا (كلمات، ألحان، توزيع، عود وبزق)؛ علاء عزام وريم تلحمي ورنا خوري (غناء)؛ درويش درويش (كمان)؛ أمين أطرش (درامز)؛ يامن السعدي (كمان)؛ تشارلي صفية (فيولا)؛ مهدي السعدي (تشيلو)؛ إيهاب دروبي (جيتار كلاسيكي وكهربائي)؛ ريمون حداد (كونتراباص وجيتار باص)؛ سامر بشارة (قانون)؛ الياس حبيب (إيقاعات)؛ فرج سليمان: بيانو؛ ميرا عازر ورلى دياب وعامر قحاوش (كورال).

 (نشرت هذه المادة في موقع قديتا بتاريخ 6  حزيران 2014)